شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (22) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,915 مشاهدة
341 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والعشرون من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس مسألة مهمة في باب الولاء والبراء وحفظ هوية الأمة، وهي حكم التشبه بالكفار من اليهود والنصارى وغيرهم في الأمور التي ليست من شرعنا. ويفرّق الشيخ بين ما هو من خصائص دينهم، وما أُخذ عنهم في الأصل، وما يفعلونه دون أن يكون مأخوذًا عنهم.

ويشرح الشيخ معنى «العيد» عند ابن تيمية، وأنه اسم جنس يدخل فيه كل زمان أو مكان يجتمع فيه الناس اجتماعًا يتكرر. ويبيّن أن الأعياد والمواسم الشرعية توقيفية، وأن الاحتفال بأعياد غير المسلمين أو تهنئتهم بشعائرهم الدينية محرم. ويحذّر كذلك من نقل أعمالهم إلى أيام أخرى بقصد التحايل.

والمقصود من الدرس أن يعرف المشاهد أقسام التشبه وحكم كل قسم، وأن يفهم الحكمة من تميّز الأمة المحمدية، وأن يستطيع الحكم على كثير من العادات المنتشرة بين الناس. ويختم الشيخ بالتنبيه على مسؤولية الرجل في قيادة أهل بيته وتقديم رضا الله على رضا الناس.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: أقسام التشبه بالكفار فيما ليس من شرعنا

يقسّم شيخ الإسلام التشبه بالكفار فيما ليس من شرعنا إلى قسمين. القسم الأول أن يفعل المسلم العمل وهو يعلم أنه من خصائص دينهم، مثل الصليب وطقوس الدهن بالزيت والاعتراف وصكوك الغفران. ومن يوافقهم في ذلك يفعله إما لمجرد الموافقة وهذا قليل، وإما لشهوة تتعلق بذلك العمل، وإما لشبهة يظن معها أن العمل نافع له في الدنيا أو الآخرة.

ولا شك في تحريم هذا القسم كله. وقد يبلغ التحريم أن يكون من الكبائر، وقد يصل إلى الكفر المخرج من الملة، وذلك بحسب الأدلة الشرعية وحال الفاعل.

والقسم الثاني أن يعمل المسلم العمل وهو لا يعلم أنه من عملهم، وهذا نوعان:

  • ما كان في الأصل مأخوذًا عنهم، سواء بقي على الصورة التي يفعلونها أو تغيّر في الزمان أو المكان أو الفاعل. وأكثر ما يُبتلى به عامة الناس من هذا النوع، كالخميس الحقير والميلاد وشم النسيم. فقد نشأ الصغار على هذه العادات وأخذها الأبناء عن الآباء ولا يعرفون أصلها، وساعد على بقائها سكوت بعض أهل العلم. فمن عرف أصلها صار حكمه حكم القسم الأول.
  • ما ليس مأخوذًا عنهم في الأصل لكنهم يفعلونه أيضًا. وهذا ليس فيه محظور المشابهة، لكن قد يفوت فيه مقصود المخالفة. ولا يُحكم بكراهته أو تحريمه إلا بدليل شرعي غير مجرد المشابهة، إذ ليس كوننا تشبهنا بهم بأولى من كونهم تشبهوا بنا.

المحور الثاني: درجات مخالفة الكفار بين الإيجاب والاستحباب والكراهة

يبيّن الشيخ أن ترك ما يفعلونه لمصلحة المخالفة مستحب إذا لم يكن في تركه ضرر. ثم إن المخالفة تأتي على درجات:

  • واجبة: كما في اللباس والزي ونحوه.
  • مستحبة: كصبغ الشيب، والصلاة في النعلين الطاهرين. ويُراعى في الصلاة بالنعال وجود الفرش في المساجد اليوم، أما في السفر والصحراء ونحوهما فلا حرج فيها.
  • تصل إلى الكراهة: كتأخير صلاة المغرب عن أول وقتها، وتأخير الفطر بعد دخول الليل.

ومثّل الشيخ لما لا أصل له في شريعتنا بربطة العنق، وقال إن أقل الأحوال أن نخالفهم فيها. وأشار إلى أن نسبتها إلى الصليب أمر متداول يحتاج إلى تحقيق قبل الجزم به. وبيّن أن المقصود من هذا الباب أن تكون للأمة المحمدية خصائصها وأصولها ومنهجها الذي تعتز به وتتميز به عن غيرها.

ومن الأدلة على ذلك قوله ﷺ: «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» (متفق عليه)، وقوله ﷺ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (متفق عليه).

المحور الثالث: معنى العيد وأن الأزمنة والأمكنة الشرعية توقيفية

ينقل الشيخ قول ابن تيمية: «العيد اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم فيه اجتماع». فكل احتفال يتكرر في وقت محدد أو مكان محدد يُسمّى عيدًا، وليس للمسلمين إلا عيدان هما الفطر والأضحى. ويضاف إليهما ما شرعه الله من عبادات مخصوصة بزمان أو مكان.

ومن أمثلة ذلك أن الحجر الأسود وحده هو الذي يُقبَّل من الكعبة، وأن الوقوف والدعاء من الظهر إلى المغرب لا يكون إلا يوم عرفة، وأن رمي الجمار لا يكون إلا في منى. وكذلك التبكير إلى المسجد بالطيب والثياب الحسنة وانتظار الخطيب خاص بيوم الجمعة، فلا يجوز تخصيص يوم آخر بمثل ذلك.

ويدخل في التحريم كذلك «حريم العيد»، وهو ما قبله وما بعده من الأيام والأمكنة التي يُحدثون فيها أشياء من أجله. ويدخل فيه أيضًا ما يُحدثونه بسبب أعيادهم من الأعمال. ومن أشد المنكرات التي نبّه عليها الشيخ تهنئتهم بما يسمونه «عيد القيامة»، لأنه قائم على عقيدة أن الإله مات ثم قام، والتهنئة به إقرار بباطل عظيم.

المحور الرابع: تحريم نقل أعمال أعيادهم إلى أيام أخرى

ينبّه ابن تيمية إلى صورة من التحايل، وهي أن يمتنع الرجل عن إحداث أشياء في يوم عيدهم ثم يقول لعياله: سأصنع لكم هذا في الأسبوع أو الشهر الآخر. والذي حمله على ذلك هو وجود عيدهم، ولولا عيدهم ما فعله. فهذا من مقتضيات المشابهة، ويحرم كذلك، سواء كان طعامًا أو لباسًا أو توسعة أو نزهة.

والبديل الشرعي أن يحيل الرجل أهله على عيد الله ورسوله ﷺ، وهما الفطر والأضحى، ويعطيهم فيهما من التوسعة والفرح والنزهة والهدايا ما يقطع تطلعهم إلى غيرهما. فهي أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل، والتوسعة فيها مشروعة.

المحور الخامس: تقديم رضا الله وحزم الرجل في قيادة أهل بيته

ينقل الشيخ قول ابن تيمية: «فإن لم يرضوا فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومن أغضب أهله لله أرضاه الله وأرضاهم». فلا يجوز للرجل أن يسخط ربه طلبًا لرضا أهل بيته، بل يقدّم رضا الله ولو غضب الناس، والعاقبة تكون له.

ويحذّر ابن تيمية العاقل من طاعة أهله في مخالفة الشرع، ويذكر أن كثيرًا من فساد الملوك والدول جاء من هذا الباب. وأورد الشيخ في ذلك قول الله تعالى: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18].

ومن الأحاديث التي ذكرها في هذا الباب:

  • عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (متفق عليه).
  • عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (رواه البخاري).

وافتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، وفيها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

النقاط الرئيسية

  • التشبه بالكفار فيما هو من خصائص دينهم محرم، سواء كان دافعه الموافقة أو الشهوة أو الشبهة، وقد يكون كبيرة وقد يصل إلى الكفر.
  • كثير من العادات الشائعة كشم النسيم أصلها من أعياد غيرنا، والجهل بذلك يرفع الإثم عن الجاهل حتى يعلم، فإذا علم صار حكمه حكم القسم الأول.
  • ما يفعلونه دون أن يكون مأخوذًا عنهم لا يُحرَّم بمجرد المشابهة، بل يحتاج تحريمه إلى دليل شرعي.
  • مخالفة الكفار تكون واجبة كما في الزي، ومستحبة كصبغ الشيب، وتصل إلى الكراهة كتأخير الفطر وصلاة المغرب.
  • العيد اسم جنس لكل زمان أو مكان يتكرر فيه الاجتماع، وليس للمسلمين إلا عيدا الفطر والأضحى.
  • يحرم الاحتفال بأعيادهم وتهنئتهم بها، ويحرم كذلك ما يكون قبلها وبعدها من أجلها، ونقل أعمالها إلى أيام أخرى.
  • ينبغي للرجل أن يقدّم رضا الله على رضا أهل بيته، ومن أغضب أهله لله أرضاه الله وأرضاهم.

الفوائد والعبر

  • أن يبحث المسلم عن أصل العادات والمناسبات قبل أن يشارك فيها، حتى لا يقع في التشبه وهو لا يدري.
  • أن يعتز المسلم بهويته وشعائره، ويدرك أن التميّز عن غيرنا مقصد شرعي يحفظ للأمة عزتها.
  • أن يجعل عيدي الفطر والأضحى موسمًا للفرح والتوسعة على الأهل والأولاد، فيستغني بهما عن أعياد غير المسلمين.
  • أن يتحمّل ربّ الأسرة مسؤوليته في تعليم أهله أحكام الشرع، ويقدّم رضا الله على رغبات من حوله.
  • أن يدرك أهل العلم والدعاة أن سكوتهم عن المنكرات الشائعة يجعل الصغار ينشؤون عليها حتى تصير كأنها من الدين، فعليهم البيان والنصح بالحكمة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات