شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (17) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السابع عشر من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس فصلاً مهماً يذكر فيه شيخ الإسلام الاعتراضات التي يوردها المخالفون على أصل النهي عن التشبه بالكفار، ثم يجيب عنها جواباً علمياً مفصلاً.
وأهمية هذا الدرس أن بعض الناس يحتجون بأدلة صحيحة يضعونها في غير موضعها، فيُشكل الأمر على كثير من المسلمين. ومن ذلك احتجاجهم بقاعدة «شرع من قبلنا شرع لنا»، وبصيام النبي ﷺ يوم عاشوراء، وبحديث محبته موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيء. ويبيّن المجلس كيف تُفهم هذه الأدلة على وجهها الصحيح.
ومن أهداف هذا الدرس: أن يعرف المشاهد شروط الاحتجاج بشرع من قبلنا، وأن يتعلم طريقة أهل السنة في المناظرة والرد على الشبهات، وأن يرسخ عنده أن للمسلمين هدياً ظاهراً وشعاراً خاصاً يتميزون به.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: إنصاف أهل السنة في عرض أقوال المخالف
لم يكتفِ شيخ الإسلام ابن تيمية بتقرير أصل مخالفة أصحاب الجحيم وسرد أدلته، بل أورد أقوى ما يمكن أن يحتج به المخالف، ثم نقضه من أساسه. وهذا من إنصاف أهل السنة وأمانتهم العلمية، فهم يذكرون ما لهم وما عليهم، أما أهل البدع فلا يذكرون في الغالب إلا ما يوافق أهواءهم.
ونبّه الشيخ إلى أن أهل الباطل في كل زمان يأتون ببعض الأدلة الصحيحة، ثم يحرفونها عن معناها ليثبتوا بها أغراضهم. ولو تأمل طالب العلم الدليل الذي يحتجون به لوجد فيه نفسه الرد عليهم.
وذكر شيخ الإسلام أن المعترض احتج بقاعدة «شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه»، وهي قول عامة السلف وجمهور الفقهاء، واستدل لها بآيات من كتاب الله:
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123]
﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44]
المحور الثاني: الشرطان اللازمان للاحتجاج بشرع من قبلنا
بيّن شيخ الإسلام أن قاعدة «شرع من قبلنا شرع لنا» تقوم على مقدمتين، وكلتاهما غير موجودة في مسألة التشبه بالكفار.
المقدمة الأولى: أن يثبت أن ذلك الأمر كان من شرعهم بنقل موثوق، أي بخبر من الله في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، أو بنقل متواتر. أما الرجوع إلى أقوالهم أو إلى ما في كتبهم فلا يجوز باتفاق العلماء. فالتوراة والإنجيل الموجودان اليوم قد دخلهما تحريف كثير، والأناجيل يخالف بعضها بعضاً، بخلاف القرآن الذي حفظه الله من الاختلاف. كما أن أهل الكتاب لا يملكون إسناداً متصلاً، فبين أعلى إسناد عندهم وبين أنبيائهم انقطاع يبلغ مئات السنين كما ذكر ابن حزم رحمه الله، أما الأمة المحمدية فقد خصها الله بالإسناد المتصل الصحيح إلى النبي ﷺ.
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]
وقال النبي ﷺ: «إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا»
أما سؤال النبي ﷺ لليهود عما في التوراة، كما في قصة آية الرجم، فلا حجة فيه؛ لأن باطلهم لا يروج عليه، والله يوحي إليه بما في كتبهم من حق أو كذب. أما نحن فلا نأمن أن يحدثونا بالكذب، وقد أمرنا الله بالتثبت من خبر الفاسق، فخبر الكافر أولى بذلك.
المقدمة الثانية: ألا يكون في شرعنا بيان خاص بتلك المسألة. فإن جاء شرعنا بموافقته فقد صار من شرعنا، ونحن نتبعه لأنه من شرعنا. وإن جاء بمخالفته فليس شرعاً لنا. وقد أمرنا نبينا ﷺ أن يكون هدينا مخالفاً لهدي اليهود والنصارى. والموافقة التي تقع في بعض الأحكام إنما تقع على سبيل العارض، لا في الهدي الدائم والشعار الظاهر، ومثاله ختان ملة إبراهيم عليه السلام.
المحور الثالث: الجواب عن الاحتجاج بصيام يوم عاشوراء
احتج المعترض بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء، فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً. فقال رسول الله ﷺ:
«فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. [متفق عليه]
وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه: «فَصُومُوهُ أَنْتُمْ» [متفق عليه]
وجواب شيخ الإسلام أن النبي ﷺ كان يصوم عاشوراء قبل أن يسأل اليهود عنه، بل كانت قريش تصومه في الجاهلية، فلم يكن أصل صومه موافقةً لأهل الكتاب. ويدل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها:
«كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ: مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» [متفق عليه]
وقوله ﷺ: «إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ»
فمعنى قوله ﷺ «نحن أحق بموسى منكم» تأكيد صيامه، وبيان أن المسلمين أولى بموسى عليه السلام لأنهم يؤمنون به وبجميع الأنبياء. ولو كان صيام عاشوراء تشبهاً، للزم أن يكون تشبهاً بأهل الجاهلية أيضاً، وهذا باطل. ثم إن المسلمين يخالفونهم في الكيفية، فلا يتخذون اليوم عيداً كما يفعل اليهود الذين كانوا يُلبسون نساءهم فيه الحلي والشارات.
المحور الرابع: الجواب عن حديث سدل الشعر وبيان النسخ
واحتج المعترض كذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما:
«كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ» [متفق عليه]
وأجاب شيخ الإسلام بأن هذا كان في أول الأمر، ثم نسخه الله وشرع لنبيه ﷺ مخالفة أهل الكتاب وأمره بها. والدليل في متن الحديث نفسه، فقد سدل ﷺ شعره أولاً ثم فرقه بعد ذلك، فصار الفرق شعاراً للمسلمين. ولذلك كان من الشروط على أهل الذمة ألا يفرقوا شعورهم، حتى لا يتشبهوا بالمسلمين.
ومثل ذلك القبلة: فقد شُرع للنبي ﷺ أولاً استقبال بيت المقدس موافقةً لأهل الكتاب، ثم نُسخ ذلك وأُمر باستقبال الكعبة. وأخبر الله تعالى عن اعتراض السفهاء على ذلك، وعن أن أهل الكتاب لن يرضوا عن المسلمين حتى يتبعوا ملتهم:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]
المحور الخامس: صور معاصرة من التشبه وأثر الإعلام فيها
ربط الشيخ هذا الأصل بالواقع، فحذّر من انتشار قصّات الشعر الغريبة بين الأطفال وطلاب المدارس والجامعات تقليداً للاعبين والمصارعين والممثلين، وكثير منهم يفعل ذلك دون أن يدري أنه يتشبه بغير المسلمين.
ونبّه إلى الغزو الفكري الذي يجعل التشبه بالكفار في اللباس والهيئة علامةً على التقدم، ويجعل التمسك بهدي المسلمين علامةً على التخلف والرجعية. وبيّن أن الإعلام الفاسد له أثر كبير في تشكيل هذه المفاهيم في قلوب المسلمين، وأن الحرية الحقيقية هي العبودية لله وحده.
النقاط الرئيسية
- من منهج أهل السنة الإنصاف في عرض شبهات المخالف ثم نقضها من أساسها.
- قاعدة «شرع من قبلنا شرع لنا» صحيحة، لكنها مشروطة بشرطين: ثبوت النقل الموثوق، وعدم ورود بيان خاص في شرعنا.
- لا يجوز الرجوع إلى كتب أهل الكتاب وأقوالهم لإثبات شرعهم؛ لما وقع فيها من التحريف وانقطاع الأسانيد.
- إذا وافق شرعنا شرعهم فقد صار من شرعنا، وإذا خالفه فليس شرعاً لنا.
- لم يكن صيام عاشوراء تشبهاً باليهود، فقد كانت قريش تصومه، وكان النبي ﷺ يصومه قبل الهجرة.
- موافقة أهل الكتاب في سدل الشعر كانت في أول الأمر ثم نُسخت، وصار الفرق شعاراً للمسلمين.
- تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة مثال واضح على نسخ الموافقة إلى المخالفة.
الفوائد والعبر
- على طالب العلم أن يتأمل الأدلة ويضعها في مواضعها، وأن ينتبه لمن يحتج بالدليل الصحيح في غير موضعه.
- من آداب المناظرة أن تطالب المخالف أولاً بإثبات صحة ما ينقله قبل أن تناقشه في الاستدلال به.
- ينبغي التثبت من الأخبار، وعدم تصديق أهل الكتاب ولا تكذيبهم فيما لم يأتِ في شرعنا ما يؤيده أو يرده.
- على الآباء والمربين أن يراقبوا هيئات أبنائهم وقصّات شعرهم، وأن يربّوهم على الاعتزاز بهدي المسلمين.
- التمسك بالهدي الظاهر للمسلمين ليس رجعية، بل هو تميز وعزة واتباع لسنة النبي ﷺ.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات