شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (31) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الحادي والثلاثون من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس قضية عقدية خطيرة هي بناء المساجد والمشاهد على القبور واتخاذها أماكن للصلاة والتبرك. وهذا الباب من أعظم الأبواب التي دخل منها الشرك على الأمم السابقة، ومنه دخل على كثير من المنتسبين إلى هذه الأمة.
يبيّن الشيخ أن الشريعة جاءت بسدّ ذرائع الشرك سدًّا محكمًا. فقد نهى النبي ﷺ عن الصلاة في المقابر وعن البناء على القبور، ولعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وحذّر من التشبه باليهود والنصارى في ذلك. ويشرح الشيخ أن العلة الكبرى في هذا النهي هي خوف الفتنة بالمقبور وتعظيمه حتى يُعبد من دون الله، وأن مظنة النجاسة ليست هي العلة الأساسية كما ظن بعض الفقهاء.
ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المشاهد حكم المساجد المبنية على القبور ووجوب إزالتها، وأن يقف على المحرمات المتعددة التي يشتمل عليها البناء على المقابر الموقوفة، وأن يفهم علة النهي عن الصلاة عند القبور، وأن يدرك منهج الوسطية في معرفة قدر الأنبياء والصالحين بلا غلوّ ولا جفاء.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: حكم المساجد المبنية على القبور وما يتغلّظ به التحريم
يقرر شيخ الإسلام أن المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم تجب إزالتها، بهدمها أو بغير ذلك، ويقول إنه لا يعلم في هذا خلافًا بين العلماء المعروفين. ويذكر أن الصلاة فيها مكروهة بلا خلاف يعلمه، وأنها لا تصح في ظاهر مذهب الحنابلة لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك. ولا فرق في هذه المسألة بين أن يكون المدفون واحدًا أو أكثر.
ثم يبيّن أن النهي يتغلّظ إذا كانت البقعة مغصوبة، كأن يُبنى على قبر وليّ أو صالح مدفون في مقبرة مسبّلة، أي موقوفة لله تعالى لدفن موتى المسلمين، فتُحوَّل بالغصب إلى مسجد أو مدرسة أو رباط أو مشهد، وقد يُجعل فيها موضع للطهارة. ويصف الشيخ ذلك بأنه «ظلمات بعضها فوق بعض». ويذكر شيخ الإسلام أن هذا الفعل يجمع سبعة أنواع من المحرمات:
- الانتفاع بالمقبرة الموقوفة في غير الدفن، وفي ذلك تغيير للوقف عن مقصد واقفه.
- نبش قبور المسلمين وإخراج عظامهم في الغالب، وحرمة الميت كحرمة الحي.
- مخالفة نهيه ﷺ عن البناء على القبور.
- بناء المطاهر التي تُزال فيها النجاسات بين قبور المسلمين، وقد تكون على قبر رجل مسلم.
- اتخاذ القبور مساجد، وهو مما لُعن فاعله.
- إيقاد السُّرُج على القبور، وقد لعن النبي ﷺ من فعل ذلك.
- التشبه بأهل الكتاب في أقوالهم وأفعالهم.
ومن الأدلة على ذلك حديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ». وقوله ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
المحور الثاني: معنى اتخاذ القبور مساجد وموقف السلف من ذلك
يوضح شيخ الإسلام أن اتخاذ القبر مسجدًا لا يقتصر على إقامة بناء عليه. فكل موضع قُصدت الصلاة فيه فقد اتُّخذ مسجدًا، بل كل موضع يُصلّى فيه يسمى مسجدًا ولو لم يكن فيه بناء. ولذلك تحرم الصلاة عند القبور حتى لو لم يُبنَ عليها مسجد. واستدل بقول عائشة رضي الله عنها: «وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا». فالصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا ليبنوا حول قبره ﷺ مسجدًا، وإنما خشوا أن يصلي الناس عند قبره.
ومن الأدلة على ذلك قوله ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ». رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بأسانيد جيدة. وقد بيّن شيخ الإسلام أن من تكلم في هذا الحديث لم يستوفِ طرقه.
ويذكر الكتاب أن البناء الذي كان على قبر الخليل إبراهيم عليه السلام ظلّ مسدودًا لا يُدخل إليه إلى حدود المئة الرابعة، ثم نُقب بعد ذلك واتُّخذ مسجدًا. وكان أهل الفضل من شيوخ ابن تيمية لا يصلّون في ذلك المكان، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيه، اتباعًا لأمر النبي ﷺ واتقاءً للمعصية. ويُلحق بذلك إيقاد المصابيح في المشاهد، فهو محرم بلا خلاف. ومن نذر لها زيتًا أو شمعًا أو دُهنًا فنذره نذر معصية لا يجوز الوفاء به.
المحور الثالث: العلة الحقيقية للنهي عن الصلاة عند القبور
يرد شيخ الإسلام على من ظن من الفقهاء أن علة النهي هي مظنة النجاسة لاختلاط التراب بصديد الموتى، ففرّقوا لذلك بين المقبرة الجديدة والقديمة. ويبيّن أن هذه ليست هي العلة الكبرى، لأن قبور الأنبياء والصالحين لم تكن تُنبش، والقبر الواحد لا نجاسة عنده. والعلة الحقيقية هي خوف الفتنة بالمقبور وتعظيمه حتى يُعبد من دون الله. وقد نبّه النبي ﷺ على هذه العلة بقوله: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
وقال ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ». وقال ﷺ: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فجمع ﷺ في هذا الحديث بين التماثيل والقبور. وفي حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا».
وقد نقل شيخ الإسلام قول الإمام الشافعي رحمه الله: «وأكره أن يُعظَّم مخلوق حتى يُجعل قبره مسجدًا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس». وذكر أن هذا المعنى قرره أيضًا أبو بكر الأثرم وغيره من أصحاب الإمام أحمد وسائر العلماء.
المحور الرابع: أصل الشرك في قوم نوح وسدّ الذرائع
يذكر الكتاب أن أول شرك وقع في الأرض كان سببه الغلوّ في الصالحين. فوَدٌّ وسُواع ويغوث ويعوق ونسر كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح عليهما السلام. فلما ماتوا قال أتباعهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوّروهم. فلما مات هؤلاء وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس وقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقَون المطر، فعبدوهم. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23].
ويبيّن شيخ الإسلام أن النفوس أسرع إلى الشرك بقبر رجل تعتقد صلاحه منها إلى الشرك بخشبة أو حجر. ولذلك ترى أقوامًا يتضرعون ويخشعون عند الأضرحة خشوعًا لا يجدونه في المساجد ولا في وقت السَّحَر، ومنهم من يسجد لها، ويرجون من بركة الصلاة والدعاء عندها ما لا يرجونه في المساجد الثلاثة التي تُشدّ إليها الرحال. ولهذا سدّ النبي ﷺ هذه الذريعة سدًّا محكمًا، فنهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة.
ونظير ذلك النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها، لأنها الأوقات التي يسجد فيها المشركون للشمس. فنُهي المسلم عن الصلاة فيها وإن لم يقصد ذلك، حتى لا تشبه عبادته عبادة الكفار. أما من قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين متبركًا بالبقعة، أو شدّ الرحال إلى الأضرحة لذلك، فهذا عين المحادّة لله ورسوله، وابتداع في الدين لم يأذن به الله. فقد أجمع المسلمون على أن الصلاة عند القبر، أيًّا كان صاحبه، لا فضل فيها ولا مزية خير، بل فيها الشر.
المحور الخامس: الوسطية في معرفة قدر الأنبياء والصالحين بين الغلوّ والجفاء
يقرر شيخ الإسلام أن دين الله وسط بين الغالي والجافي، وأن الإفراط والتفريط هما سبب الشر. فالنصارى عظّموا الأنبياء حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم، واليهود استخفّوا بهم حتى قتلوهم. وأمة محمد ﷺ أمة وسط، عرفت أقدار الأنبياء فلم تغلُ فيهم غلوّ النصارى ولم تجفُ عنهم جفاء اليهود. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]. وقال ﷺ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ».
ويضرب الشيخ أمثلة على صور الغلوّ عند بعض غلاة المتصوفة. فمنهم من يزعم أن النبي ﷺ يعلم الغيب كله حتى الأمور الخمسة التي اختص الله بعلمها. ومن ذلك ما قيل في البردة: «فإن من جودك الدنيا وضرّتها، ومن علومك علم اللوح والقلم»، وهذا من خصائص رب العالمين سبحانه. ويبيّن الشيخ أن تعظيم النبي ﷺ الحقيقي هو اتباعه في كل صغيرة وكبيرة، لا رفعه فوق منزلته التي أنزله الله إياها.
ثم يقرر شيخ الإسلام قاعدة مهمة في الموازنة بين المصالح والمفاسد. فلو قُدّر أن الصلاة عند القبور يكون فيها شيء من الرحمة، فإن المفاسد الناشئة عنها تربو على هذه المصلحة حتى تغمرها، فتصير الصلاة هناك مُذهِبة للرحمة ومُثبِتة لما يوجب العذاب. ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها هذا الفساد فيكفيه نهي النبي ﷺ. ومثال ذلك أن الصلاة والصيام عبادتان عظيمتان، ومع ذلك حُرّمتا في أوقات معينة لغلبة المفسدة فيها، كما حُرّم الخمر لأن إثمه أكبر من نفعه، وحُرّم قليله كما حُرّم كثيره.
النقاط الرئيسية
- المساجد المبنية على القبور تجب إزالتها، والصلاة فيها لا تصح في ظاهر مذهب الحنابلة، ولا يُعلم في ذلك خلاف بين العلماء المعروفين.
- البناء على المقابر الموقوفة يجمع سبعة أنواع من المحرمات، منها غصب الوقف ونبش القبور وإيقاد السرج والتشبه بأهل الكتاب.
- كل موضع قُصدت فيه الصلاة يسمى مسجدًا، فالصلاة عند القبور محرمة وإن لم يُبنَ عليها مسجد.
- العلة الكبرى للنهي هي خوف الفتنة بالمقبور وتعظيمه حتى يُعبد، وليست مجرد مظنة النجاسة.
- أصل الشرك في قوم نوح كان الغلوّ في الصالحين وتصويرهم، والشريعة جاءت بسدّ هذه الذرائع سدًّا محكمًا.
- قصد الصلاة عند القبور تبركًا بها محادّة لله ورسوله، ونذر الزيت والشموع للأضرحة نذر معصية لا يجوز الوفاء به.
- منهج أهل السنة وسط بين غلوّ النصارى في الأنبياء وجفاء اليهود عنهم، وتعظيم النبي ﷺ الحقيقي يكون باتباعه.
الفوائد والعبر
- أن يتجنب المسلم الصلاة في المساجد المبنية على الأضرحة، وأن يحرص على الصلاة في المساجد الخالية منها، اتباعًا لأمر النبي ﷺ.
- أن يحذر من شدّ الرحال إلى الأضرحة والمشاهد ومن النذر لها، وأن يعلم أن الرحال لا تُشدّ تعبّدًا إلا إلى المساجد الثلاثة.
- أن يدرك قيمة قاعدة سدّ الذرائع في حماية التوحيد، وأن الشريعة قد تنهى عن الأمر وإن لم يقصد فاعله الشر، حتى لا يكون فيه تشبه بالمشركين.
- أن يزن حبه للنبي ﷺ والصالحين بميزان الشرع، فيحبهم ويوقّرهم ويتّبعهم دون أن يرفعهم إلى منزلة لا تليق إلا بالله تعالى.
- أن يسلّم لنصوص الوحي وإن لم تظهر له حكمتها، فمن فهم الحكمة فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن لم يفهمها فحسبه الاتباع.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات