شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (1) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الأول من مجالس شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد سبقته دروس تمهيدية عرّفت بالكتاب، أما هذا المجلس فيبدأ فيه الشيخ بقراءة متن الكتاب وشرحه على ترتيب المؤلف، مبتدئًا بالمقدمة التي بيّن فيها ابن تيمية سبب تأليف الكتاب ومنهجه فيه.
ويُعدّ هذا الكتاب من أهم ما صُنّف في تقرير أصل مخالفة المشركين وأهل الكتاب وعدم التشبه بهم فيما هو من خصائصهم، وهو أصل متصل بعقيدة الولاء والبراء. ويؤكد الشيخ أن هذا الأصل يغفل عنه كثير من الناس، وأنهم يحتاجون إلى من يبيّن أدلته الشرعية ويوضح حِكمه.
ومن أهداف هذا المجلس: التعريف بكمال الدين وأنه لا حاجة إلى التعبد بشيء من خارجه، وفهم «براعة الاستهلال» في افتتاح المؤلف، ومعرفة سبب تأليف الكتاب ومعنى عنوانه، والتنبيه على خطأ الاستدلال بالعمومات في مقابلة الأدلة الخاصة، مع شرح بعض القواعد الفقهية الكلية، والوقوف على حال الناس قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: كمال الدين وبراعة الاستهلال في افتتاح الكتاب
افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة التي فيها التحذير من محدثات الأمور، ثم شرع في شرح مقدمة ابن تيمية: «الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينًا». وبيّن أن هذا الافتتاح يسمى عند البلاغيين «براعة الاستهلال»، وهي أن يفتتح المؤلف كلامه بما يشير إلى مقصوده، فالكتاب يدور حول وجوب مخالفة أصحاب الجحيم، وقد ابتدأه المؤلف بما يدل على كمال الدين وتمام النعمة.
وما دام الدين كاملًا والنعمة تامة، فلا يجوز لأحد أن يأخذ شيئًا من العبادات من خارج هذا الدين. ثم ذكر المؤلف أن الله أمرنا أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم وهم اليهود، ولا الضالين وهم النصارى. ووصف المؤلف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أُرسل «بالدين القيم والملة الحنيفية»، والقيّم هو المستقيم الذي لا عوج فيه، القائم على غيره المهيمن عليه.
وفرّق الشيخ بين أمور العبادة وأمور الدنيا، فالعبادة توقيفية لا يُتعبّد فيها إلا بما شرعه الله، أما أمور الدنيا فقد قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ».
قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]
وقال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18]
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]
وقال صلى الله عليه وسلم: «وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»
المحور الثاني: سبب تأليف الكتاب ومعنى عنوانه
بيّن ابن تيمية أنه كان قد نهى عن التشبه بالكفار في أعيادهم، إما ابتداءً نصيحةً منه، أو جوابًا لمن سأله، وذكر في ذلك بعض الأدلة من «الأثر القديم» أي الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وبيّن شيئًا من حكمة الشريعة في مجانبة الكفار من أهل الكتاب والأعاجم. فنفع الله بذلك من شاء من عباده.
ثم بلغه أن بعض الناس استغرب كلامه واستبعده، لا لدليل شرعي، بل لمخالفته عادة نشؤوا عليها، وتمسكوا في ذلك بعمومات وإطلاقات. فطلب منه بعض أصحابه أن يكتب في أصل هذه المسألة لعظيم فائدتها وعموم البلوى بها، فكتب ما حضره في ذلك الوقت، مع إشارته إلى أنه لو استوفى الأدلة وكلام العلماء لجاء في مجلدات.
وشرح الشيخ معنى العنوان: فـ«الاقتضاء» هو الطلب، أي أن الصراط المستقيم يطلب ويستلزم مخالفة أصحاب الجحيم، وأن من سأل الله الهداية إلى الصراط المستقيم فعليه أن يخالف المغضوب عليهم والضالين. ونبّه الشيخ إلى خُلق ابن تيمية في تعجبه من حال من خالف هذا الأصل بقوله: «ولكن أعوذ بالله من رين القلوب وهوى النفوس».
قال الله تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42]
المحور الثالث: القواعد والأصول الشرعية الكلية
وصف ابن تيمية تحريم التشبه بالكفار بأنه «قاعدة عظيمة من قواعد الشرع كثيرة الشعب، وأصل جامع من أصولها كثير الفروع». فشرح الشيخ معنى القاعدة بأنها حكم كلي تندرج تحته جزئيات تأخذ حكمه، ومثّل لذلك بقواعد منها: «الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة»، و«النهي للتحريم ما لم يصرفه دليل»، و«المشقة تجلب التيسير»، و«الأمور بمقاصدها».
ونبّه إلى أن قاعدة «الأمور بمقاصدها» إنما تكون في المباح والمشروع، لا في المحرم، فلا يجوز أن يرتكب الإنسان محرمًا بحجة حسن النية، وأن «الوسائل لها أحكام المقاصد»، فإذا كان المقصد مشروعًا وجب أن تكون الوسيلة مشروعة كذلك، ولا يُتوصّل إلى الغاية الشرعية بوسيلة محرمة، كمن يأكل الحرام ليبني مسجدًا، أو يدخل أماكن الفساد بدعوى الدعوة مع تعريض نفسه للفتنة.
أما «الأصل» فهو ما يُبنى عليه غيره، سواء كان بناءً حسيًا كأساس الجدار، أو معنويًا كبناء الدين على التوحيد، والفقه على أصوله، والعربية على النحو. وضرب الشيخ مثلًا بالشجرة: لها جذع واحد وفروع كثيرة، فإن قُطع الأصل سقطت الشجرة كلها، وإن قُطع فرع بقيت الفروع الأخرى.
المحور الرابع: خطأ الاستدلال بالعمومات في مقابلة الأدلة الخاصة
من أبرز ما وقف عنده الشيخ: أن من سمات المخالفين للحق في كل عصر أنهم يتمسكون بعمومات وإطلاقات في مواجهة الأدلة الخاصة الواردة في المسائل الخاصة، وهذا ما وقع فيه من اعترض على ابن تيمية في زمانه.
ومثّل لذلك بأمثلة: منها من يستدل بحديث «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» في مسائل مخصوصة يقرر الشيخ أن فيها إجماعًا عمليًا على خلاف ذلك. ومنها من يبتدع في الذكر بالرقص والتصفيق والذكر بالاسم المفرد، ثم يستدل بعموم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾، فيُنزل العام على صورة محدثة لم يدل عليها الدليل.
ومن ذلك أيضًا ما ذكره الشيخ من مسألة تعزية الكفار، إذ يرى عدم مشروعيتها، ويرى أن الاستدلال على استحبابها بحديث دخول النبي صلى الله عليه وسلم على الغلام اليهودي استدلال في غير موضعه؛ لأن تلك الزيارة كانت لدعوة الغلام إلى الإسلام، وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ». وربط الشيخ ذلك بما يراه من آثار المداهنة والمجاملة على حساب الأصول الشرعية.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»
المحور الخامس: منهج طلب الحق وحال الناس قبل البعثة
أكد الشيخ أن الحق يُعرف بالدليل لا بالرجال، و«اعرف الحق تعرف أهله»، وأن الحق يؤخذ من كتب السلف الصالح، وأشاد بمدرسة ابن تيمية لقرب أحوال عصره من أحوال عصرنا. وذكّر بأن أهل العلم الكبار قد يُعترض عليهم، فقد اعتُرض على ابن تيمية في كتابه «منهاج السنة النبوية» مع جلالته، فلا ينبغي للداعية أن ينتظر رضا الناس، بل عليه أن يبلّغ الحق ويطلب رضا الله.
ونبّه الشيخ إلى أدب التواضع في التأليف والدعوة، فابن تيمية قال: «وحصل بسبب ذلك من الخير ما قدّره الله»، ولم يزكِّ عمله. فالأولى بمن ألقى خطبة أو كتب كتابًا أن يقول: أسأل الله أن ينفع به، لا أن يدّعي أنه انتفع به المسلمون في المشارق والمغارب. كما حذّر من فتنة الشهرة والمال والقرب من أصحاب السلطان على حساب قول الحق.
ثم شرع في الفصل الأول الذي يؤصّل فيه ابن تيمية للمسألة ببيان حال الناس قبل الإسلام: فقد بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل، بينه وبين عيسى عليه السلام نحو ستمائة سنة، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وكانت الأرض قد امتلأت كفرًا وظلمًا وعنادًا.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ»
النقاط الرئيسية
- الدين كامل والنعمة تامة، فلا يجوز التعبد لله بشيء من خارج ما شرعه، وأمور الدنيا الأصل فيها السعة.
- افتتاح ابن تيمية كتابه بآية إكمال الدين وسورة الفاتحة من «براعة الاستهلال» الدالة على موضوع الكتاب.
- سبب تأليف الكتاب: إنكار بعض الناس لنهيه عن التشبه بالكفار في أعيادهم، تمسكًا بالعادة والعمومات لا بالدليل.
- معنى «اقتضاء الصراط المستقيم»: أن سلوك الصراط المستقيم يستلزم مخالفة أصحاب الجحيم.
- تحريم التشبه بالكفار قاعدة شرعية كثيرة الشعب، وأصل جامع كثير الفروع، متصل بعقيدة الولاء والبراء.
- من علامات الانحراف عن الحق: معارضة الأدلة الخاصة بالعمومات والإطلاقات.
- بُعث النبي صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل قاربت ستة قرون، والأرض قد امتلأت كفرًا وظلمًا.
الفوائد والعبر
- أن يستشعر المسلم عظمة نعمة كمال الدين، فيكتفي بما شرعه الله ورسوله في عبادته، ويحذر من المحدثات.
- أن يجعل الدليل الشرعي حَكَمًا على العادات والأعراف، لا أن يجعل العادة حاكمة على الدليل.
- أن تكون الوسيلة مشروعة كما أن الغاية مشروعة، فحسن النية لا يبيح ارتكاب المحرم.
- التواضع في نسبة الخير والنفع إلى الله تعالى، وسؤاله القبول بدل تزكية النفس والعمل.
- الحرص على رضا الله في تبليغ الحق، وعدم الالتفات إلى سخط الناس أو رضاهم، مع أخذ العلم من منابعه الصافية في كتب السلف.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات