شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (6) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

2,672 مشاهدة
331 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويواصل فيه الشيخ عرض الأدلة النبوية التي ساقها المصنف في التحذير من التشبه بأهل الكتاب والأمم السابقة. وهذه الأدلة تبيّن ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾.

يدور المجلس حول حديث «ذات أنواط»، وحديث «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»، وما يتصل بهما من مسائل عقدية. ومن أبرز هذه المسائل: العذر بالجهل، والتفريق بين ما يخبر به النبي ﷺ من وقوع الشيء قدرًا وبين إباحته شرعًا، ومسألة الإرادة الكونية والإرادة الشرعية كما تظهر في مناظرة مشهورة بين أهل السنة والمعتزلة.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف طالب العلم أن الإخبار بوقوع المنكر في الأمة لا يدل على جوازه. ويبيّن كذلك الحكمة من ذكر هذه الأخبار، ويرسّخ منهج رد ما اشتبه على المتعلم إلى أهل العلم، ويحث على الثبات على الحق وإن قلّ أهله.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: ذم التنازع ورد المتشابه إلى أهل العلم

استأنف الشيخ الشرح من قول المصنف: «وأكثر ما يكون ذلك لوقوع المنازعة في الشيء القليل قبل إحكامه وجمع حواشيه وأطرافه». والمعنى أن كثيرًا من الخلاف بين الناس ينشأ من الكلام في المسألة قبل الإحاطة بأدلتها وأطرافها، وهذا من جنس ما وقع فيه أهل الكتاب من الخوض والاختلاف.

والمنهج النبوي في ذلك أن يعمل المسلم بما علم، وأن يرد ما جهل إلى العالم به، فلا يتكلم بغير علم. ويريد المصنف بإيراد هذه الأحاديث أن يبيّن أن السنة جاءت موافقة لما في القرآن من النهي عن الخوض كخوض من قبلنا.

قال النبي ﷺ: «مَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ» (رواه أحمد).

وقال تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: 69].

المحور الثاني: حديث ذات أنواط ومسألة العذر بالجهل

شرح الشيخ حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه. فقد خرج الصحابة مع النبي ﷺ إلى حنين وهم حديثو عهد بكفر، وكان للمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم تُسمّى «ذات أنواط»، فطلب بعضهم أن يُجعل لهم مثلها. واستطرد الشيخ في التعريف بشجر السدر وفوائده، ومنها أن ورقه يُستعمل في تغسيل الموتى، وأنه يُستعمل في الرقية الشرعية؛ إذ تُدق سبع ورقات منه وتُقرأ عليها الرقية، فيشرب منها المريض ويغتسل. وذكر أن سدرة المنتهى في السماء من هذا الجنس.

ثم بيّن أن الحديث تُكلِّم في إسناده. وعلى القول بصحته فقد احتج به فريقان: من لا يرى العذر بالجهل في مسائل العقيدة، لأن النبي ﷺ شبّه مقالتهم بمقالة بني إسرائيل، ومن يرى العذر بالجهل، وهو الذي رجّحه الشيخ.

ووجه الترجيح عنده أن النبي ﷺ شبّههم في القول ولم يحكم عليهم بالكفر، ولم يأمرهم بتجديد الإسلام. ولو كانوا قد ارتدوا بمقالتهم لبيّن لهم ذلك، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه ﷺ، وسكوته سنة تقريرية. فدل ذلك على أن التشبيه وقع في القول، لا في الخروج من الملة.

قال ﷺ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح).

المحور الثالث: الإخبار بوقوع التشبه لا يدل على إباحته

أورد المصنف حديثي أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما في أن من هذه الأمة من سيتبع سنن من كان قبلها. وبيّن الشيخ أن من هذه الأمة من سيتشبه باليهود في فساد علمائهم، ومن سيتشبه بالنصارى في ضلال عُبّادهم.

وقرر أن هذه النصوص خرجت مخرج الخبر لا الأمر. فالنبي ﷺ يخبر بوقوع ذلك قدرًا ويذم فاعليه، وليس فيها حجة لمن يتشبه بأهل الكتاب أو بفارس والروم. ومثال ذلك أنه ﷺ أخبر عن ظهور شرب الخمر والمعازف وغيرهما من أشراط الساعة، وهي محرمة بالإجماع.

قال ﷺ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟» (متفق عليه).

وقال ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ: وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ» (رواه البخاري).

المحور الرابع: الإرادة الكونية والإرادة الشرعية – مناظرة الإسفراييني وعبد الجبار

بيّن الشيخ أن الله تعالى قد يقدّر في كونه ما لا يحبه ولا يرضاه شرعًا. فوقوع التشبه بالكفار مقدّر كونًا، لكنه مبغوض شرعًا.

واستشهد بالمناظرة التي جرت في مجلس الصاحب بن عباد بين الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني والقاضي عبد الجبار المعتزلي. قال عبد الجبار: «سبحان من تنزّه عن الفحشاء»، يعرّض بأن الله لا يخلق الشر. فقال أبو إسحاق: «سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء». فقال عبد الجبار: «أفيشاء ربنا أن يُعصى؟»، فقال أبو إسحاق: «أفيُعصى ربنا قهرًا؟».

ثم سأل عبد الجبار: «أرأيت إن منعني الهدى وقضى عليّ بالردى، أحسن إليّ أم أساء؟». فأجابه أبو إسحاق: «إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فهو يختص برحمته من يشاء»، فبُهت عبد الجبار. ونبّه الشيخ إلى أن الله لا يُقاس بخلقه، فما كان نقصًا في حق المخلوق لا يلزم أن يكون كذلك في حق الخالق المالك المتصرف في ملكه.

قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7].

وقال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 74].

المحور الخامس: حِكَم ذكر هذه الأخبار وتثبيت الطائفة المنصورة

أجاب المصنف عن سؤال مفاده: ما فائدة النهي عن شيء أخبر الشرع بأنه سيقع لا محالة؟ وبيّن أن لذلك حِكَمًا، أولها التحذير. فليس كل ما يُذكر في النصوص حلالًا، بل يُذكر الكفر والشرك والبدع والمحرمات ليُحذر منها، كما يُذكر أعداء الله ليُحذر منهم.

ومن هذه الحِكَم تكثير الطائفة المنصورة وتثبيتها وزيادة إيمانها. فالأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا تزال فيها طائفة متمسكة بالحق إلى قيام الساعة، وكل من ابتعد عن الشرك والبدعة كان منها. وهذه النصوص تثبّت أهل الحق وإن قلّوا، لأن الحق يُعرف بدليله لا بكثرة أتباعه.

ومنها أنه لو فُرض أن أحدًا لا يقع في هذه المشابهات، لكان في العلم بها معرفة القبيح والإيمان بأن الله يكرهه. وهذا العلم مطلوب في نفسه، لأنه يمنع العبد من استحلال المحرم وإن وقع فيه.

قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55].

وقال ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» (رواه مسلم).

النقاط الرئيسية

  • كثير من النزاع سببه الكلام في المسألة قبل الإحاطة بأدلتها، والمنهج الصحيح أن يُعمل بما عُلم ويُرد ما جُهل إلى أهل العلم.
  • حديث ذات أنواط يدل، على القول بصحته، على العذر بالجهل لحديث العهد بالإسلام، لأن النبي ﷺ لم يحكم بكفرهم ولم يأمرهم بتجديد إسلامهم.
  • تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حق النبي ﷺ، وسكوته عن الشيء سنة تقريرية.
  • أحاديث اتباع سنن من كان قبلنا جاءت خبرًا عن وقوع ذلك وذمًّا لفاعليه، ولا تدل على الإباحة.
  • من الأمور ما يقع بإرادة الله الكونية وهو غير مرضي عنده شرعًا، والله لا يُقاس بخلقه.
  • ذِكر المنكرات في النصوص يكون للتحذير منها، ولكي تستبين سبيل المجرمين.
  • العلم بما يكرهه الله ورسوله ﷺ مطلوب في نفسه، لأنه يحمي من استحلال المحرمات.

الفوائد والعبر

  • ينبغي للمسلم أن يتثبت قبل الخوض في المسائل العلمية، وأن يجمع أطراف المسألة وأدلتها قبل أن يتكلم فيها.
  • ينبغي الرفق بحديث العهد بالإسلام والجاهل، وتعليمهما والتريث في إطلاق الأحكام عليهما، اقتداءً بالنبي ﷺ مع أصحابه يوم حنين.
  • لا يصح الاحتجاج بكثرة الواقعين في المخالفة ولا بانتشارها، فإخبار النبي ﷺ بوقوعها جاء للتحذير لا للإقرار.
  • الثبات على الحق وإن قلّ السالكون، فالحق يُعرف بدليله لا بكثرة أتباعه.
  • في الرقية الشرعية بورق السدر غنية للمسلم عن قصد السحرة والمشعوذين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات