شرح"مقدمة صحيح مسلم"(2-2) فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,180 مشاهدة
82 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني من شرح «مقدمة صحيح الإمام مسلم» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، ضمن دروس مجمع أبي داود بمدينة زفتى. ومقدمة صحيح مسلم من أنفس ما كُتب في أصول الرواية ومناهج المحدّثين، فقد بيّن فيها الإمام مسلم رحمه الله منهجه في ترتيب الأخبار وطبقات الرواة، وأصّل فيها قواعد مهمة في قبول الحديث وردّه.

ويتناول الشيخ في هذا المجلس مسائل دقيقة، أبرزها: التفريق بين ما في مقدمة صحيح مسلم وما في صلب الصحيح عند العزو، ومنزلة الإمامين المزي والذهبي في علم الرجال، واستنباط الإمام مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها والآية الكريمة ترتيبَ الرواة على طبقاتهم. ثم يجيب عن أسئلة الطلاب في أدب الدعاء للغير، وفي اختلاف أحكام الأئمة على الرواة، كاختلاف ألفاظ الحافظ ابن حجر بين كتبه.

ويهدف الدرس إلى أن يتعلّم طالب العلم الدقةَ في العزو، وأن يعرف مراتب الأئمة وتخصصاتهم، وأن يجمع بين الرواية والدراية، وأن يفهم أسباب اختلاف اجتهاد العلماء دون طعن فيهم، مع الحث على الرجوع إلى المصادر الأصيلة في علم الرجال.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الدقة في العزو والتفريق بين مقدمة صحيح مسلم وصلب الصحيح

نبّه الشيخ على خطأ شائع عند بعض الناس، وهو أن يأتوا إلى ما ذكره الإمام مسلم في مقدمته بصيغة التمريض، ثم يقولوا: «رواه مسلم». وهذا خطأ من جهتين: أولاهما أن مسلمًا لم يسنده، فأين الإسناد؟ والثانية أنه في المقدمة لا في الصحيح، والمقدمة لم يشترط فيها مسلم شرطه في صلب الكتاب.

بل حتى ما أسنده مسلم في المقدمة لا يجوز أن يُطلق فيه القول: «رواه مسلم»، والصواب أن يُقال: «رواه مسلم في مقدمة صحيحه»، لأن أحاديث المقدمة ليست في رتبة أحاديث الصحيح.

ولذلك كان الأئمة الكبار، كالمزي والذهبي وابن حجر رحمهم الله، يفرّقون بينهما في الرموز؛ فيرمزون لما في المقدمة بالرمز «مق»، ولما في صلب الصحيح بالرمز «م». وهذا من دقة علمائنا وأمانتهم في النقل.

المحور الثاني: منزلة الإمامين المزي والذهبي في علم الرجال

ذكر الشيخ أنه كان لا يقدّم على الإمام الذهبي أحدًا في معرفة الرجال، حتى قرأ رسالة للذهبي في ترجمة الأئمة الثلاثة: شيخ الإسلام ابن تيمية، والبرزالي، والمزي، فاطمأن قلبه إلى ما كان يحوم حوله، وهو أن الإمام المزي أعلم المتأخرين برجال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبيّن أن الذهبي أوسع علمًا برجال الإسلام عمومًا لأنه مؤرخ الإسلام، حتى قيل فيه: لم يأت بعد ابن معين مثله في الرجال على وجه العموم، أما رجال الحديث خاصة فالمزي أعلم وأدق، وقد شهد له الذهبي بذلك، وشهادة الذهبي فيصل في هذه المسألة.

وفي هذا تعليم لطالب العلم أن يعرف لكل إمام تخصصه ومرتبته، وأن يتحرّى في الحكم، وأن يرجع إلى شهادات الأئمة بعضهم لبعض.

المحور الثالث: إنزال الناس منازلهم واستنباط الإمام مسلم من القرآن

شرح الشيخ قول الإمام مسلم في مقدمته، إذ ذكر أثر عائشة رضي الله عنها بصيغة التمريض، وقرنه بقول الله تعالى، ليستدل بهما على أن الرواة طبقات ومنازل، وأنه يرتّب كتابه على هذا الأساس، فقال رحمه الله:

«وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]، فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

ولفت الشيخ النظر إلى جمال استنباط الإمام مسلم، إذ حمل الآية الكريمة على تفاوت طبقات الرواة في الحفظ والإتقان. ومن هنا ردّ على من يظن أن المحدّث مجرد ناقل للروايات، وعلى أقوام لم يهتموا إلا بالرواية دون الفهم؛ فعلماؤنا الكبار جمعوا بين الحديث والاستنباط والفقه.

المحور الرابع: أدب الدعاء للغير، هل يبدأ الداعي بنفسه؟

سُئل الشيخ: هل يجوز أن يدعو المسلم لغيره دون أن يبدأ بنفسه، مع ما ورد من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا لأحد بدأ بنفسه؟ فأجاب بأنه تتبّع هذه المسألة في كتابه «إغاثة المستغيث بشرح الباعث الحثيث»، عند الكلام على قول ابن الصلاح «اعلم علّمك الله»، وما انتقده عليه بعض أهل العلم كالحافظ العراقي وغيره.

وخلاصة ما قيل في المسألة: أن الداعي إن أفرد المدعوَّ له بالدعاء دعا له وحده ولا حرج، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

«يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» (متفق عليه)
«يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ» (متفق عليه)

وإن جمع بين نفسه وغيره في الدعاء بدأ بنفسه، وهذا هو المعنى المحمول عليه حديث البدء بالنفس، ومنه قول موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ [الأعراف: 151].

المحور الخامس: اختلاف أحكام الأئمة على الرواة وموقف طالب العلم منه

بيّن الشيخ أن الأئمة قد يختلفون في الحكم على الراوي الواحد، فيقدح في نفس الذهبي أنه دون «ثقة» فيقول «صدوق»، ويقدح في نفس ابن حجر أنه فوق «صدوق» فيقول «ثقة ربما وهم» أو «صدوق ربما أخطأ». والمعايير عندهم واحدة، لكن تطبيقها على الأشخاص اجتهاد، فيقع الاختلاف.

بل قد يختلف اجتهاد العالم نفسه، فتجد الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» يخالف ما في «تقريب التهذيب»، وقد يوافق «فتح الباري» أحدهما أو يخالفهما؛ لأن التقريب كتاب رجال يُحكم فيه بعبارة موجزة، أما الفتح فكتاب شرح قد يتوسّع فيه أو يتسامح. فلا يُقال إن ابن حجر متناقض، كما فعل بعض أهل الأهواء كالسقاف، بل هو اختلاف اجتهاد. وضرب الشيخ مثالًا بتغيّر الفتوى بحسب حال السائل، كالموسوس الذي يكرّر غسل يديه حتى تفوته الصلاة، فيُقال له: تكفيك مرة واحدة، بخلاف غيره.

والمرجع عند الاختلاف هو الأصول التي نقل منها الأئمة، وهي «الأمهات»: كالتاريخ الكبير للبخاري، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والكامل لابن عدي، وتواريخ ابن معين. والأصل عند ابن حجر في الرجال «تهذيب التهذيب»، أما «التقريب» فخلاصة أحكامه، ولا يجوز لأحد أن يهمله، لكن الطالب المجدّ الباحث يستطيع بالرجوع إلى الأصول أن يصل إلى الصواب بإذن الله.

النقاط الرئيسية

  • لا يصح أن يُقال «رواه مسلم» فيما ذكره في المقدمة بصيغة التمريض، والصواب في المسند منها أن يُقال: «رواه مسلم في مقدمة صحيحه».
  • فرّق الأئمة المزي والذهبي وابن حجر بين المقدمة والصحيح بالرمزين «مق» و«م».
  • الإمام المزي أعلم المتأخرين برجال الحديث، والذهبي أعلم برجال الإسلام عمومًا، وبذلك شهد الذهبي نفسه.
  • استنبط الإمام مسلم من حديث «أن ننزل الناس منازلهم» وقوله تعالى ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ترتيب الرواة على طبقاتهم.
  • المحدّثون الكبار جمعوا بين الرواية والاستنباط، وليس المحدث مجرد ناقل.
  • إن أفرد الداعي غيره بالدعاء فلا حرج، وإن جمع بينه وبين نفسه بدأ بنفسه.
  • اختلاف أحكام الأئمة على الرواة، بل اختلاف العالم الواحد بين كتبه، اختلاف اجتهاد لا تناقض، والمرجع فيه إلى المصادر الأصيلة.

الفوائد والعبر

  • الأمانة العلمية في العزو: على طالب العلم أن يتحرّى الدقة عند نسبة الحديث إلى مصدره، فيبيّن موضعه ودرجته، ولا يطلق العزو إطلاقًا يوهم ما ليس صحيحًا.
  • معرفة أقدار العلماء وتخصصاتهم: إنزال الناس منازلهم أصل شرعي، ومنه أن يُعرف لكل إمام فنّه الذي برع فيه، فيُرجع إليه فيه.
  • الجمع بين الحفظ والفهم: لا يكتفي طالب العلم بجمع الروايات، بل يتأمل في استنباطات الأئمة ويتعلّم منها طريقة الفهم والاستدلال.
  • حسن الظن بالعلماء: اختلاف أقوال العالم الواحد لا يعني تناقضه، فينبغي حمله على تغيّر الاجتهاد أو اختلاف المقام، والحذر من مسلك أهل الأهواء في الطعن في الأئمة.
  • الرجوع إلى الأصول والتأني في الفهم: الطالب الجاد يرجع إلى الأمهات ليصل إلى الصواب، ويفهم ما يُقال قبل أن يعترض أو يتعجّل في الحكم، كما أوصى الشيخ في ختام المجلس، ثم ختم بالدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا».
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات