شرح " مقدمة صحيح مسلم " (4) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,422 مشاهدة
446 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع من شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري بمجمع أبي داود بمدينة زفتى. انعقد المجلس يوم الجمعة الحادي عشر من شعبان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وألف من الهجرة، الموافق الثالث والعشرين من يوليو سنة ألفين وعشرة. وافتتحه الشيخ بإسماع الحضور الحديث المسلسل بالأولية، وهو قوله ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ». وذلك لعناية أهل الحديث به واعتنائهم بتقديمه في أول السماع.

يتناول الدرس أصلًا عظيمًا من أصول علم الحديث قرّره الإمام مسلم، وهو وجوب التحرّي في رواية الأحاديث. فمن عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها لا يجوز له أن يروي إلا ما عرف صحة مخرجه وعدالة ناقليه. ويجب عليه أن يتقي الرواية عن أهل التهم وعن المعاندين من أهل البدع. ويسوق الإمام مسلم الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة.

أهداف التعلم: أن يفهم الطالب منهج الإمام مسلم في قبول الرواية وردّها، وأن يعرف موقف طالب العلم من التمييز والاتباع والتقليد. ويتعلم كذلك الفرق بين الشهادة والرواية، وحكم رواية المبتدع والفاسق، وأثر رواية الكذّابين في باب الشواهد والمتابعات. ثم يبدأ في التعرف على الصناعة الإسنادية في أول أحاديث المقدمة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: واجب من عرف التمييز في رواية الأحاديث

قال الإمام مسلم رحمه الله:

«واعلم وفقك الله تعالى أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين، ألا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع».

وبيّن الشيخ أن هذا الكلام موجّه إلى العالم وطالب العلم الذي رزقه الله آلة التمييز. وهو الذي يعرف مصطلحات المحدّثين، ويعرف الجرح والتعديل والعلل، ويستطيع الحكم على الحديث صحةً وضعفًا، وعلى الرجال جرحًا وتعديلًا، ويقدر على الجمع بين أقوال الأئمة. فمثل هذا لا يجوز له أن يروي إلا ما عرف صحته وعرف عدالة رواته. أما أن يروي ما لا يعرف صحته من ضعفه، فذلك من الخيانة لله ولرسوله ﷺ.

وأما من لا يستطيع التمييز بنفسه، فعليه أن يتبع عالمًا ربانيًا بدليله. والعالم الرباني في غالب أمره لا يقول ولا يفعل إلا ما يرضي الله، لكنه ليس معصومًا؛ فقد يخطئ ويذهل. فإذا عرف الطالب دليل العالم في التصحيح والتضعيف والجرح والتعديل صار متّبعًا لا مقلّدًا تقليدًا أعمى.

وضرب الشيخ مثلًا بإمام أهل الحديث في عصرنا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله. فهو من أعلم أهل الأرض في عصره بحديث رسول الله ﷺ، ومع ذلك فليس بمعصوم. وأهل السنة وسط في شأنه:

  • فلا يسعون في هدمه، ولا يرمونه بالتساهل وإهدار أحكامه.
  • ولا يقلّدونه تقليدًا أعمى.
  • فمن كان أهلًا للتمييز منهم ميّز بنفسه، ومن لم يكن أهلًا تابعه بدليله.

والأمر كذلك فيمن هو أكبر منه من الأئمة، وفيمن هو دونه من باب أولى. ونبّه الشيخ إلى خطورة التساهل في رواية الأحاديث الضعيفة جدًا والموضوعة. ومن رجع إلى خطب المنابر قبل ثلاثين أو أربعين سنة وجد العجب العجاب؛ فقلّما سلمت خطبة من حديث ضعيف أو موضوع، وسبب ذلك عدم التحرّج.

المحور الثاني: أهل البدع بين المعاند وغير المعاند

وقف الشيخ عند قول الإمام مسلم: «والمعاندين من أهل البدع». وبيّن أن هذا القيد يدل على أن المبتدعة ليسوا سواءً. ولذلك قسّم أهل المصطلح بعده المبتدعة إلى دعاة إلى البدعة وغير دعاة. وفرق كبير بين الرجلين:

  • رجل تلبّس ببدعة وهو لا يدري أنها بدعة، أو لم تُقَم عليه الحجة الرسالية. ومثاله من تأثر بقول في القدر أو الجبر بسبب تتلمذه على شيخ مخالف، وهو يظن أنه ينزّه الله تعالى.
  • ورجل تعلّم أصول البدعة، ودعا إليها، وناضل ونافح عنها بعد قيام الحجة عليه.

ولهذا كان السلف يسمّون المبتدعة «أهل الأهواء». والذي منع مسلم الرواية عنه هو المعاند الداعية. وبيّن الشيخ أن المتهم في دينه والمعاند في بدعته يدخلان في حكم الفاسق. وليس المقصود بذلك الفسق الخُلُقي كالزنا وشرب الخمر، بل الفسق بمعنى الخروج عن طاعة الله عز وجل ومعاندة أهل السنة.

وأشار الشيخ إلى ثمرة هذا المنهج في واقعنا. فلو حذّر أهل العلم من المنحرفين عن الصراط المستقيم منذ بداية ظهورهم، ولم يأخذوا عنهم، لما ارتفعت لهم راية ولا قامت لهم قائمة. وذكر من أمثلتهم من زعم أن فرعون لم يكفر، أو أن النبي ﷺ فشل في دعوته.

المحور الثالث: الأدلة من القرآن والسنة على رد خبر الفاسق والمنكر من الأخبار

استدل الإمام مسلم على القاعدة التي قرّرها بقول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]

واستدل كذلك بقوله تعالى:

﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]

﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2]

ووجه الاستدلال أن الله تعالى اشترط العدالة والرضا في الشهود، وذلك في حقوق العباد وأموالهم. فإذا كان الإنسان لا يُستشهد على دين مالي إلا بالمرضيين، فكيف بدين الله سبحانه؟ ولذلك قال محمد بن سيرين رحمه الله: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ».

ومن السنة استدل مسلم بالأثر المشهور عن رسول الله ﷺ:

«مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ»

وفي رواية: «أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ» بالتثنية. وبيّن الشيخ أن مسلمًا لم يقصد بـ«المشهور» هنا الشهرة الاصطلاحية، وإنما قصد الاستفاضة والانتشار بين الناس. وأصل الباب متواتر، وهو حديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

واستحضر الشيخ في هذا المقام تنفير الإمام شعبة بن الحجاج الشديد من التدليس، إذ قال: «لأن أزني أحبُّ إليَّ من أن أدلّس». ووجه ذلك عنده أن المدلّس يُخفي ما به تصحّ الأحاديث أو تُردّ، وأمر الشريعة أعظم وأجلّ من أي شيء.

المحور الرابع: الفرق بين الشهادة والرواية، وحكم رواية الكذابين في الشواهد والمتابعات

قرّر الإمام مسلم أن الخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فإنهما يجتمعان في أعظم معانيهما. وذكر الشيخ من الفروق بينهما ما يلي:

  • لا تُقبل شهادة الأب لابنه، وتُقبل روايته.
  • لا تُقبل شهادة المرأة الواحدة في مواضع، وتُقبل روايتها.
  • لا تُقبل الشهادة على السماع في مواضع، بينما تُقبل الرواية عن رواية.

وأحال الشيخ في هذا الباب على كتاب «الفروق» للإمام القرافي رحمه الله، فقد أوّل ما فيه الفرق بين الشهادة والرواية. ومع هذه الفروق فقد أجمع العلماء على ردّ شهادة الفاسق. فإذا رُدّت شهادته في حقوق العباد، فردّ روايته في دين الله من باب أولى.

ثم بيّن الشيخ أن رواية المتهم والمعاند لا قيمة لها، ولو افترضنا أنه روى شيئًا صحيحًا. فالله تعالى تكفّل بحفظ دينه بقوله:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

فما كان صحيحًا سيأتي من طرق الثقات. ومثّل لذلك بحديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، فإنه لم يصح إلا من طريق عمر، عن علقمة بن وقاص، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري. وأما ما رُوي من غير طريق عمر فطرق واهية جدًا لا تصلح في الشواهد ولا المتابعات.

وقرّر الشيخ أن الشاهد والمتابع يُشترط فيهما ألا يكون الضعف شديدًا. فلو تابع ألف كذّاب بعضهم بعضًا لم يرتقِ الحديث، ولا قيمة لروايتهم. واستشهد بقول ابن حبان رحمه الله: «الواهي وما لم يُروَ سِيّان». وأما المتواتر المعلوم بالضرورة، ككون الكعبة في مكة وقبر النبي ﷺ في المدينة، فلا يُشترط فيه صدق المخبرين، ولا أثر لإخبار الكذّاب به أو عدمه.

المحور الخامس: الصناعة الحديثية في أول أسانيد المقدمة وتراجم رجالها

شرع الشيخ في بيان أول إسناد ساقه مسلم في المقدمة، وله طريقان:

  • الطريق الأول: أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه.
  • الطريق الثاني: شعبة وسفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

وشرح الشيخ معنى حرف «ح» في الأسانيد، وهو حرف التحويل من إسناد إلى إسناد. ونبّه على دقة مسلم في إفراد شعبة في طريق، وقرنه بسفيان في الطريق الآخر.

ثم ذكر فوائد من تراجم الرجال، منها:

  • أبو بكر بن أبي شيبة: هو عبد الله بن محمد العبسي، أحد فطاحل أئمة عصره، قرين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني.
  • وكيع بن الجراح: ثقة إمام، وأما أبوه الجراح بن مليح فضعيف.
  • عبد الرحمن بن أبي ليلى: ثقة تابعي، وأما ابنه محمد فهو الفقيه الكبير، لكنه سيئ الحفظ.
  • المغيرة بن شعبة: من دهاة العرب، رضي الله عنه. وذكر الشيخ قصته المشهورة مع الفتى الذي غلبه بحيلته في الخطبة.
  • غندر: هو محمد بن جعفر الهذلي، ربيب شعبة وأوثق الناس فيه.

ووعد الشيخ بالمرور على التراجم مرورًا يسيرًا، مع استخراج ما فيها من فوائد تربوية ومنهجية وعقدية، إلى أن يصل إلى شرح الأحاديث.

النقاط الرئيسية

  • من عرف التمييز لا يجوز له أن يروي إلا ما عرف صحة مخرجه وعدالة ناقليه، ورواية ما لا يُعرف حاله خيانة لله ولرسوله ﷺ.
  • من لا يستطيع التمييز يتبع العالم الرباني بدليله، دون تقليد أعمى ودون إسقاط لأهل العلم، والعلماء غير معصومين مهما علت منزلتهم.
  • المبتدعة ليسوا سواءً، والممنوع الرواية عنه عند مسلم هو المعاند الداعية إلى بدعته بعد قيام الحجة عليه.
  • خبر الفاسق مردود بدلالة آية الحجرات، والمنكر من الأخبار مردود بدلالة السنة.
  • الشهادة والرواية تفترقان في وجوه، لكنهما تجتمعان في اشتراط العدالة، فإذا رُدّت شهادة الفاسق فروايته أولى بالرد.
  • رواية الكذّابين والمتهمين لا تصلح في الشواهد والمتابعات، ولو كثر عددهم، و«الواهي وما لم يُروَ سيّان».
  • مسلم رحمه الله يُظهر الصناعة الحديثية من أول أسانيده، كاستعمال حرف التحويل «ح» والتدقيق في ألفاظ الرواة.

الفوائد والعبر

  • التثبت قبل النشر: على المسلم، ولا سيما الخطيب والداعية، أن يتحرّى صحة الحديث قبل أن ينسبه إلى النبي ﷺ أو ينشره بين الناس ووسائل التواصل، حتى لا يكون «أحد الكاذبين».
  • الوسطية مع العلماء: يُحترم العالم الرباني ويُتبع بدليله، دون غلو يرفعه إلى العصمة، ودون جفاء يهدر علمه وجهده.
  • انظر عمّن تأخذ دينك: اختيار الشيوخ والمصادر الموثوقة من أهل السنة والعدالة، والحذر من أهل الأهواء المعاندين، يحمي الأمة من انتشار الضلالات.
  • الإنصاف في الحكم على المخالف: يُفرَّق بين من وقع في بدعة جاهلًا أو متأولًا، وبين الداعية المعاند، فلا يُسوّى بينهما في الحكم والمعاملة.
  • الطمأنينة بحفظ الله لدينه: الله تكفّل بحفظ الذكر، فما صح من السنة محفوظ بنقل الثقات، ولا حاجة بنا إلى روايات الكذّابين والمتهمين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات