شرح"مقدمة صحيح مسلم"(2-1) فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,875 مشاهدة
302 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثاني في شرح مقدمة صحيح الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وصحيح مسلم هو ثاني أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى بعد صحيح البخاري، ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يعرف كيف وصل إلينا هذا الكتاب، ومن رواه، ولماذا ألّفه صاحبه.

يبدأ الشيخ بمسألة يغفل عنها كثيرون، وهي إسناد الكتاب الذي حذفته أكثر الطبعات المتداولة. فيذكر طريقَي رواية الصحيح، المشرقي والمغربي، ويعرّف برواته الكبار. ثم ينتقل إلى أول المقدمة، فيشرح سبب التأليف ومنهج الإمام مسلم فيه، ويستخرج منها فوائد في التربية والدعوة والإخلاص.

وأهداف الدرس أن يعرف الطالب إسناد صحيح مسلم واسمه الذي سماه به مؤلفه، وأن يفهم الفرق بين منهج مسلم ومنهج البخاري، وأن يأخذ من أدب الإمام مسلم مع السائل دروسًا في الرحمة بالخلق وفي إخلاص النية في طلب العلم والتأليف.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الافتتاح بخطبة الحاجة

افتتح الشيخ درسه بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يفتتح بها كلامه، وفيها حمد الله والثناء عليه، والشهادتان، وثلاث آيات في الأمر بالتقوى.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

وختمها بقوله ﷺ: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: إسناد صحيح مسلم ورواته

نبّه الشيخ إلى أن أكثر طبعات صحيح مسلم تبدأ مباشرة بقوله: «الحمد لله رب العالمين» ولا تذكر إسناد الكتاب، مع أن ذكره مهم جدًا. ونقل عن ابن الصلاح رحمه الله في كتابه «صيانة صحيح مسلم» أن رواية هذا الكتاب بإسناد متصل إلى مسلم صارت مقصورة على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، مع شهرته التامة. وهذا بخلاف صحيح البخاري الذي أخذه عن مؤلفه جمع كبير وبقيت رواياتهم.

وللكتاب طريقان. الطريق المشرقي المشهور هو رواية أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم، والطريق المغربي هو رواية أبي محمد أحمد بن علي القلانسي عن مسلم. وكان إبراهيم بن محمد بن سفيان فقيهًا زاهدًا مجاب الدعوة، ملازمًا لمسلم، وتوفي في رجب سنة 308هـ، أي بعد وفاة مسلم (261هـ) بسبعة وأربعين عامًا. وقال: فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب في شهر رمضان سنة 257هـ.

وروى الكتاب عن ابن سفيان جماعة، أشهرهم محمد بن يزيد العدل وأبو أحمد محمد بن عيسى الجلودي (بضم الجيم)، وروايته هي المشهورة اليوم. والجلودي شيخ صالح زاهد، أخذ العلم عن ابن خزيمة، وكان على مذهب سفيان الثوري، وتوفي سنة 368هـ وهو ابن ثمانين سنة. وعنه روى عبد الغافر الفارسي وغيره. ونبّه الشيخ إلى أن في الكتاب مواضع يسيرة لم يسمعها ابن سفيان من مسلم، ومواضع يسيرة أخذها الجلودي إجازة لا سماعًا، وسيأتي التنبيه عليها في مواضعها.

وذكر أن اسم الكتاب الذي سماه به مؤلفه هو «المسند الصحيح»، والتسمية بها أولى من «صحيح مسلم». ومعنى «المسند» هنا الأحاديث المسندة، لا الكتاب المرتب على أسماء الصحابة. ونبّه أيضًا إلى أن مسلمًا قسّم كتابه إلى كتب فقط ولم يضع له أبوابًا، وأن التبويب من صنع شراحه كالإمام النووي.

المحور الثالث: التصوف عند المتقدمين والمتأخرين

وُصف الجلودي في ترجمته بأنه «من كبار عباد الصوفية»، فاستطرد الشيخ ليبين الفرق بين معنى هذه الكلمة عند السابقين ومعناها عند المتأخرين. فعند الأوائل، كالجنيد بن محمد والفضيل بن عياض، كانت تعني الزهد والعبادة مع التقيد بالكتاب والسنة، وكان أكثر من وُصفوا بها من أهل السنة.

ثم انحرف التصوف إلى طريقين. الطريق الأول طريق البدعة والضلال، وهو حال أكثر الطرق الصوفية، من أوراد وأذكار مبتدعة، وذبح ونذر لغير الله، ورقص، وطواف حول القباب والأضرحة. والطريق الثاني طريق الردة والخروج من الإسلام، كتصوف ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين القائلين بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.

وقرر الشيخ أن دين الصوفية بمعناه المتأخر لا يجتمع مع منهج السلف، وأنه لا حاجة إلى التسمي بالتصوف أصلًا، لأنه صار نوعًا من الانحراف عن المنهج السلفي. وذكر أن الخلاف في أصل الكلمة على أقوال كثيرة، أشهرها نسبتها إلى لبس الصوف، وفي هذه النسبة أيضًا نظر.

المحور الرابع: سبب تأليف الصحيح ومنهج مسلم فيه

بدأ الإمام مسلم مقدمته بقوله: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بِالْفَحْصِ عَنْ تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ...». ويظهر من هذا الكلام أن الكتاب أُلّف جوابًا لطلب سائل. ويرجح الشيخ أنه سائل حقيقي، من تلاميذ مسلم أو من أقرانه من أهل الحديث، وليس مخاطَبًا مفترضًا كما يفعل الشعراء في أساليبهم.

ثم أجاب الشيخ عن سؤال: لماذا يؤلف مسلم كتابًا في الصحيح وقد سبقه شيخه البخاري بكتاب أصح من كتابه؟ والجواب في قوله: «بِلَا تَكْرَارٍ يَكْثُرُ». فالبخاري عني بالفقه والاستنباط، حتى قيل: فقه البخاري في تراجمه. ولذلك قطّع الأحاديث وكررها في أبواب كثيرة، وقد يرد الحديث الواحد في عشرين بابًا أو أكثر. أما السائل فأراد أن تُجمع طرق الحديث في موضع واحد دون تكرار كثير، لأن التكرار وتباعد الأحاديث يشغله عن فهمها والاستنباط منها.

وذكر الشيخ نظائر لهذا. فالبخاري ألّف صحيحه لما قال شيخه إسحاق بن راهويه: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله ﷺ، فوقع ذلك في قلبه. وصدّيق حسن خان ألّف كتابه «حسن الأسوة» استجابة لطلب امرأة كانت تحكم بهوبال. فمجالس أهل العلم فيها خير كثير، وقد يكون سؤال طالب سببًا في كتاب تنتفع به الأمة قرونًا.

ويظهر في المقدمة شيء من شخصية مسلم، فهو لم يُجب السائل على عجل، وإنما أجابه بعد تفكر وتدبر، فقال: «حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ وَمَا تَؤُولُ بِهِ الْحَالُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ». ووصفه الشيخ بأنه صاحب شخصية قوية فيها نوع حدة. ومن ذلك أنه لم يروِ في صحيحه حديثًا واحدًا عن شيخين من كبار شيوخه، هما البخاري والذهلي.

المحور الخامس: الدعاء والرحمة والإخلاص في طلب العلم

لاحظ الشيخ أن مسلمًا دعا للسائل ثلاث مرات في أول المقدمة: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ»، «أَرْشَدَكَ اللَّهُ»، «أَكْرَمَكَ اللَّهُ». فقد كان السائل سببًا في تأليف هذا الكتاب العظيم، والدال على الخير كفاعله. وعلى هذا سار أئمة الدعوة، كالشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي يكثر في رسائله من قوله: «اعلم رحمك الله». والدعاء للمخاطب يلين القلوب ويفتحها حتى لو كان المخاطب ممن تخاف منه، وهذا من فقه الدعوة والتربية.

ونقل الشيخ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن أهل السنة أرحم الخلق بالخلق، يحبون الخير للناس جميعًا، حتى الكافر يُحب له أن يسلم فيسعد في الدنيا والآخرة. وحذّر من أن يصير طالب العلم جبارًا غليظ القلب على كل من خالفه، وعدّ هذه سلفية مدّعاة لا حقيقة لها. فالشدة لها موضعها الشرعي، والأصل هو الرحمة والرفق واللين. وإقامة الحدود، كقطع يد السارق، شدة في الظاهر لكنها عين الرحمة بالأمة.

ومن قول مسلم إن أول من يصيبه نفع هذا الكتاب هو نفسه خاصة، أخذ الشيخ درسًا في الإخلاص. فالمؤلف ينبغي أن يكون أول من ينتفع بما كتب: إن كتب في الزهد والرقائق فليزهد هو قلبه ويرقّ، وإن كتب في السنن والعبادات فليكن أول من يعمل بها. وحذّر من حب الشهرة والفرح بكثرة المؤلفات مع غياب العمل والخلق، فإن لم يوجد الإخلاص فليُكسر القلم.

النقاط الرئيسية

  • أكثر طبعات صحيح مسلم حذفت إسناد الكتاب، مع أهميته البالغة.
  • رواية الصحيح المتصلة انحصرت في طريق أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان في المشرق، وطريق أبي محمد أحمد بن علي القلانسي في المغرب. والرواية المشهورة اليوم هي رواية أبي أحمد الجلودي.
  • الاسم الذي سمى به مسلم كتابه هو «المسند الصحيح». وقسّمه إلى كتب فقط، أما الأبواب فوضعها شراحه كالنووي.
  • التصوف عند المتقدمين كان معناه الزهد والعبادة. ثم صار عند المتأخرين بدعة وضلالًا، أو كفرًا كالقول بوحدة الوجود.
  • ألّف مسلم صحيحه استجابة لطلب سائل من أهل الحديث، أراد أن تُجمع الأحاديث الصحيحة في موضع واحد بلا تكرار كثير.
  • عناية البخاري بالفقه والاستنباط جعلته يكرر الأحاديث ويقطّعها، أما مسلم فجمع طرق الحديث في موضع واحد.
  • دعا مسلم للسائل ثلاث مرات في أول المقدمة، وجعل نفسه أول المنتفعين بكتابه، وفي ذلك درس في الرحمة والإخلاص.

الفوائد والعبر

  • اعتنِ بأسانيد الكتب التي تقرؤها، واختر الطبعات المحققة التي تذكر الإسناد، وارجع إلى المخطوطات عند الحاجة.
  • أكثر من الدعاء لمن تخاطبه وتعلّمه، فهو يلين القلوب ويفتحها للحق، وهذا من فقه الدعوة.
  • كن رحيمًا بالخلق كما كان أهل السنة، واجعل الشدة في موضعها الشرعي فقط، ولا تجعلها طبعًا في معاملة كل من خالفك.
  • أخلص نيتك في التعلم والتأليف والتدريس، واجعل نفسك أول من يعمل بما تكتب وتعلّم، واحذر من حب الشهرة.
  • لا تستحقر سؤالًا تطرحه على أهل العلم، فقد يكون سببًا في خير عظيم تنتفع به الأمة، والدال على الخير كفاعله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات