شرح " مقدمة صحيح مسلم " (8) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يواصل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا الدرس شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رحمه الله، ويقف عند باب «الكشف عن معايب رواة الحديث». وهذا الباب يبيّن كيف حفظ الله سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد قيّض لها أئمة نقّادًا تتبّعوا الرواة، وميّزوا الصادق من الكاذب والضابط من المخلّط، وكشفوا أهل البدع الذين أرادوا أن ينسبوا إلى الدين ما ليس منه.
يتناول الدرس آثارًا رواها الإمام مسلم عن أئمة الجرح والتعديل، مثل شعبة بن الحجاج وأيوب السختياني وعوف الأعرابي وحماد بن زيد، في التحذير من عمرو بن عبيد المعتزلي ومن الحسن بن عمارة وغيرهما. ويبيّن الشيخ أثناء ذلك دقائق من الصناعة الحديثية، كالمساواة في الإسناد وتنويع ألفاظ التحديث وطريقة تسمية الشيوخ.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم أن الجرح في الرواة نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأن له ضوابط شرعية أولها التثبّت وبيان السبب. كما ينبّه على خطر الانبهار بزهد المبتدع وبغرائب الكلام، وعلى أن العلم الصحيح يُطلب علانية عند أهل السنة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الجرح في الرواة نصيحة، وكشف كذب عمرو بن عبيد
روى الإمام مسلم عن يونس بن عبيد، تلميذ الحسن البصري، قوله: «كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث». وعمرو بن عبيد مبتدع معتزلي، أسّس مذهب الاعتزال مع واصل بن عطاء. ويوضح الشيخ أن هذا الجرح من النصيحة لله ولرسوله ولدينه ولأئمة المسلمين وعامتهم، لأن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم الجرائم. ويرى الشيخ أن هذا المنهج إذا سار بضوابطه وقيوده الشرعية رفع الله به شأن أهل السنة، لكن الناس فيه بين إفراط وتفريط.
ثم ذكر قصة معاذ بن معاذ مع عوف بن أبي جميلة الأعرابي. قال معاذ لعوف إن عمرو بن عبيد حدّثه عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» فقال عوف: «كذب والله عمرو، ولكنه أراد أن يحوزه إلى قوله الخبيث».
ويبيّن الشيخ أن الحديث ثابت في الصحيح من طرق أخرى، منها رواية مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما. لكن الحسن البصري لم يروه، فكذب عمرو في نسبته إلى الحسن. وكان غرضه أن يستدل به لمذهب المعتزلة في أن مرتكب الكبيرة خارج من الإيمان مخلّد في النار. ومذهب أهل السنة أن نصوص «ليس منا» وأشباهها معناها أنه ليس على هدينا في هذه الفعلة، لا أنه خارج من الإسلام بإطلاق. فالإيمان يزيد حتى يبلغ درجة الصدّيقين، وينقص حتى لا يبقى مع صاحبه إلا أصل التوحيد.
المحور الثاني: فتنة الغرائب وزهد المبتدع، وموقف أيوب السختياني
روى حماد بن زيد أن رجلًا كان يلازم أيوب السختياني إمام أهل البصرة، ثم ترك مجلسه ولزم عمرو بن عبيد. فلقيه أيوب في السوق فسلّم عليه وسأله عن حاله، ثم قال له: «بلغني أنك لزمت ذاك الرجل». فقال: «نعم يا أبا بكر، إنه يجيئنا بأشياء غرائب». فقال أيوب: «إنما نَفِرُّ ـ أو نَفْرَقُ ـ من تلك الغرائب».
ويستفيد الشيخ من القصة أدب أيوب في المعالجة، فقد بدأ بالسلام والسؤال، ثم تثبّت مما بلغه قبل أن يحكم. وينبّه إلى خطأ من يرمي الناس بالبدعة والحزبية بمجرد خبر قد يكون مكذوبًا، ثم لا يرجع إذا ظهر خطؤه خوفًا من أن يسقط في أعين أتباعه، مع أنه يُخشى عليه أن يسقط من عين الله عز وجل. ويحثّ على ألا يحزن المرء على من ترك منهج السلف، وأن يمضي في طريقه.
وذكر الشيخ افتتان أبي جعفر المنصور بزهد عمرو بن عبيد، فقد أراد أن يعطيه مالًا فأبى، فقال المنصور: «كلكم يطلب صيد، إلا عمرو بن عبيد». ويحذّر الشيخ من زهد المبتدع لأنه يجذب الناس إلى البدعة، كما يصدّ الفاجر المتنسّك عن سبيل الله. ثم يقرر أن عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة. وما وُجد عند مبتدع باب من الخير إلا وعند أهل السنة أضعاف مضاعفة منه، كما يُرى في سيرة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فلا حاجة لنا إلى كتبهم ولا إلى زهدهم.
المحور الثالث: من لا يُؤتمن على دينه لا يُؤتمن على الحديث
روى الإمام مسلم عن حماد بن زيد أن رجلًا قال لأيوب إن عمرو بن عبيد روى عن الحسن أنه «لا يُجلَد السكران من النبيذ». فقال أيوب: «كذب، أنا سمعت الحسن يقول: يُجلَد السكران من النبيذ». وشرح الشيخ معنى النبيذ، وهو تمر أو زبيب يُنقع في الماء، فإذا طال مكثه أو غلا أسرع إليه التخمّر.
وروى عن سلّام بن أبي مطيع أن أيوب بلغه أنه يأتي عمرًا، فأقبل عليه يومًا فقال: «أرأيت رجلًا لا تأمنه على دينه، كيف تأمنه على الحديث؟». وهذه قاعدة عظيمة في التلقّي، فالمبتدع الداعية لا يُؤخذ عنه العلم لأنه يفسد العقائد.
لكن الشيخ يقيّد التحذير من أهل البدع بأن تكون البدعة ثابتة معلومة، كأن يكون الرجل خارجيًا أو معتزليًا أو جهميًا أو رافضيًا. أما أن يُبدَّع الرجل ويُضلَّل بلا بيّنة، لمجرد أنه جالس فلانًا، فهذا ظلم لعباد الله. وذكر أيضًا قول سفيان بن عيينة: «حدثنا عمرو بن عبيد قبل أن يُحدِث»، أي قبل أن يبتدع. ففيه أن الرجل قد يكون مستقيمًا ثم ينحرف، فإذا انحرف وجب بيان حاله للناس.
المحور الرابع: فقه شعبة في الجرح، وأن الصلاح لا يلزم منه الضبط
روى معاذ بن معاذ العنبري أنه كتب إلى شعبة يسأله عن أبي شيبة قاضي واسط، وهو جدّ آل أبي شيبة المشهورين، وكان يُحسن إلى شعبة ويصله. فكتب شعبة: «لا تكتب عنه شيئًا، ومزّق كتابي». وهذا من فقه شعبة وحكمته، فقد جمع بين المصلحتين: أدّى النصيحة في دين الله، وحافظ على المودة مع القاضي المسلم، وخشي أن يقع الكتاب في يده فيحدث ما لا تُحمد عقباه.
وبيّن الشيخ أن بعض الأئمة ضُعّفوا في الحديث لأن القضاء أو الفقه شغلهم عن إتقان الأسانيد، كأبي شيبة، وأبي حنيفة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وشريك بن عبد الله النخعي. فتضعيف الرجل في الرواية لا يقتضي تضليله ولا تبديعه، ولا ينبغي تبديع كل من ضعّف أبا حنيفة.
وذكر قصة صالح المري، وهو من كبار العُبّاد والزهّاد، حدّث بحديث عن ثابت البناني فقال حماد بن سلمة: «كذب». وكذلك قال همّام بن يحيى العوذي في حديث حدّث به صالح. ومقصود الأئمة أنه أخطأ، فالحديث ليس من صنعة هؤلاء الصالحين، والصلاح والعبادة لا يلزم منهما الضبط والإتقان.
المحور الخامس: منهج التثبّت وبيان سبب الجرح في قصة الحسن بن عمارة
روى أبو داود الطيالسي أن شعبة قال له: «ائتِ جرير بن حازم فقل له: لا يحلّ لك أن تروي عن الحسن بن عمارة فإنه يكذب». ولم يذهب أبو داود بالرسالة حتى سأل شيخه: «كيف ذاك؟». ويرى الشيخ في هذا مثالًا للتلميذ الواعي الذي يطلب الدليل قبل أن يحمل الحكم وينقله، ومثالًا للشيخ الذي يبيّن سبب حكمه ولا يكتفي بالإطلاق.
فبيّن شعبة السبب، وهو أن الحسن بن عمارة حدّث عن الحكم بن عتيبة بأشياء لا أصل لها. فقد سأل شعبة الحكم عن قتلى أحد فقال: «لم يُصلِّ عليهم». ثم روى الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى عليهم ودفنهم. وسأل شعبة الحكم عن أولاد الزنا فقال: «يُصلّى عليهم»، فسأله: من حديث مَن يُروى؟ فقال: يُروى عن الحسن البصري. ثم روى الحسن بن عمارة ذلك عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي رضي الله عنه. فكان يأخذ الكلمة من الحكم ويركّب لها إسنادًا، فحكم عليه شعبة بالكذب.
ويقارن الشيخ هذا المنهج العلمي الدقيق بما يجري في عصرنا من إطلاق ألفاظ «الحزبي» و«المبتدع» دون تحديد معناها ولا بيان سببها. ويقرر أن من حذّر من أحد وجب عليه أن يبيّن السبب الذي حذّر من أجله، وبذلك يكون قد نصح لله ولرسوله.
فوائد في الصناعة الحديثية
نبّه الشيخ في الدرس على دقائق إسنادية، منها:
- زيادة أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، راوي الصحيح عن مسلم. فقد روى الأثر عن محمد بن يحيى عن نعيم بن حماد، فساوى شيخه مسلمًا في هذا السند، وهذا من «المساواة» في علم المصطلح بجانب الموافقة والبدل والمصافحة.
- حال نعيم بن حماد، وهو من شيوخ البخاري: ضعّفه جماعة من جهة حفظه، ووثّقه آخرون لصلابته في السنة.
- تنويع مسلم في ألفاظ الأداء بين «حدثنا» و«حدثني».
- تنويعه في تسمية شيوخه، كقوله: الحسن بن علي، ثم الحسن الحلواني، ثم الحلواني. ومثله: حجاج بن الشاعر ثم حجاج. وهذا ليس من تدليس الشيوخ لأن الشيخ تقدّم التعريف به، وإنما هو اختصار.
- قول مسلم: «يعني حمادًا» في سند فيه «حدثنا ابن زيد»، وهو من دقة الصناعة الحديثية.
النقاط الرئيسية
- الكشف عن معايب الرواة نصيحة لله ولرسوله ولدينه، وبه حُفظت السنة من الكذب والتحريف.
- عمرو بن عبيد المعتزلي كذب على الحسن البصري، وكان أهل البدع ينسبون الأحاديث إلى غير رواتها ليؤيدوا بها مذاهبهم الباطلة.
- حديث «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» لا يدل على تخليد مرتكب الكبيرة في النار، فالإيمان يزيد وينقص.
- من لا يُؤتمن على دينه لا يُؤتمن على الحديث، والانبهار بالغرائب وبزهد المبتدع من أبواب الفتنة.
- الصلاح والعبادة لا يلزم منهما الضبط، وتضعيف الرجل في الرواية لا يعني تبديعه.
- الجرح عند الأئمة كان مبنيًّا على التثبّت وبيان السبب، كما فعل شعبة في الحسن بن عمارة.
- دقة الإمام مسلم في الصناعة الحديثية، في ألفاظ الأداء وتسمية الشيوخ وفي ما زاده راوي الصحيح من إسناد مساوٍ.
الفوائد والعبر
- التثبّت قبل الحكم على الناس بالبدعة أو الحزبية، والرجوع عن الخطأ إذا ظهر، دون خوف من السقوط في أعين الأتباع، فالأهم ألا يسقط العبد من عين الله عز وجل.
- الجمع بين أداء النصيحة وحفظ المودة والحكمة في التعامل، كما فعل شعبة مع أبي شيبة، والرفق في معالجة من انحرف، كما فعل أيوب مع صاحبه.
- طلب العلم عند أهل السنة المعروفين، علانية في المساجد لا في الحلقات السرية المغلقة، والحذر من الكلام الغريب والانبهار بمظاهر الزهد.
- ينبغي لطالب العلم أن يكون واعيًا يسأل عن الدليل وسبب الحكم قبل أن ينقله، كما فعل أبو داود الطيالسي مع شيخه شعبة.
- الالتزام بمنهج السلف الصالح اعتقادًا وسلوكًا وأخلاقًا ومعاملات، مع إحياء معاني الأخوة والتعاون والتراحم بين أهل السنة، فالمنهج ليس مظهرًا فقط بل هو عقيدة وعمل وخُلق.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات