شرح " مقدمة صحيح مسلم " ( 13 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,373 مشاهدة
381 مشاركة
منذ 4 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو الدرس الثالث عشر من سلسلة شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رحمه الله، لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يتناول الدرس مسألة من أدق مسائل علم الحديث وأشهرها، وهي مسألة الإسناد المعنعن. فقد ذهب الإمام مسلم إلى أن رواية الراوي الثقة الذي لم يُعرف بالتدليس عن شيخٍ عاصره تُحمل على الاتصال، وإن لم يُعلم سماعه منه. وقد سبق للشيخ أن بيّن أن في هذه المسألة خمسة مذاهب، ومذهب الإمام مسلم واحد منها.

يشرع الشيخ في هذا الدرس في الباب الثاني من كتاب الحافظ ابن رُشيد رحمه الله، وهو الباب الذي عقده لمناقشة الأدلة التي استدل بها الإمام مسلم في مقدمته، و«المحاكمة معه إلى حكم الإنصاف». وقد لخّص ابن رشيد هذه الأدلة في أربعة، وتناول الدرس أولها بالتفصيل، وهو دعوى الإجماع على قبول الإسناد المعنعن بشرط المعاصرة وحدها.

ومن أهداف هذا الدرس: فهم طريقة العلماء في مناقشة دعاوى الإجماع، ومعرفة الفرق بين مقام المدّعي ومقام المانع، والتعرف على منزلة الإمامين البخاري وعلي بن المديني في هذا الباب. ويهدف الدرس كذلك إلى غرس أدب الخلاف العلمي، وإلى الحث على دراسة أصول الفقه وقواعده عونًا على فهم كلام أهل العلم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: فائدة حديثية: المعاصرة بل الرؤية لا تستلزم السماع

قبل الدخول في مناقشة الأدلة، نبّه الشيخ إلى فائدة نفيسة من «سير أعلام النبلاء» للإمام الذهبي (المجلد الثاني عشر)، وردت في ترجمة أبي الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري. وأبو الأزهر هو صاحب القصة المشهورة مع الإمام يحيى بن معين، في حديثٍ رواه عن عبد الرزاق عن معمر في فضل علي رضي الله عنه. فقد استنكر يحيى بن معين الحديث، فقام أبو الأزهر وقال: أنا. فتبسم يحيى وقال: «أما إنك لستَ بكذّاب، والبلية من غيرك».

والشاهد قول الذهبي في ترجمته: «رأى سفيان بن عيينة، ولا أدري لِمَ لَمْ يسمع منه». فلو جاءت رواية لأبي الأزهر عن سفيان بن عيينة لحُكم عليها بالانقطاع، مع ثبوت الرؤية فضلًا عن المعاصرة. وهذا يدل على أنه من الممكن أن يرى الراوي شيخه أو يلقاه ثم لا يسمع منه، وهي فائدة تخدم أصل المسألة المبحوثة.

المحور الثاني: الدليل الأول للإمام مسلم، دعوى الإجماع

استدل الإمام مسلم على صحة قوله بأنه لا يُشترط في الإسناد المعنعن إلا المعاصرة. وحاصل استدلاله أننا اتفقنا جميعًا على قبول خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة إذا جمعهما عصر واحد، وأنه حجة يلزم بها العمل، ثم جاء المخالف فأدخل فيه شرطًا زائدًا. فمن أثبت الشرط الزائد طولب بنقلٍ عن السلف، أو بالحجة عليه إن عجز عن النقل.

ونبّه الشيخ إلى أن مسلمًا يشترط المعاصرة مع إمكان اللقاء، لا مجرد المعاصرة المجردة عن احتمال اللقي. ونبّه أيضًا إلى أدب ابن رشيد في افتتاح الباب بالدعاء لقارئه: «اعلم وفقني الله وإياك للصواب»، وهذه سمة علمائنا في الدعاء لإخوانهم وطلابهم والمسلمين.

المحور الثالث: رد ابن رشيد، لا إجماع في محل النزاع

أجاب ابن رشيد بأنه لا يُسلَّم بدعوى الإجماع في محل النزاع. فالمخالف لم يوافق، ولا يصح ادعاء الاتفاق في عين المسألة المختلف فيها. والدليل على وجود الخلاف ما نُقل عن سلف الإمام مسلم، وهما شيخه الإمام البخاري وشيخ شيخه علي بن المديني، اللذان اشترطا ثبوت اللقاء. ومكانتهما في هذا الشأن «شهرتها مغنية عن ذكرها»، ولكن لا بد من الإشارة إليها «ولو بلحظة» والتنبيه عليها «ولو بلفظة».

ومن ذلك ما رواه الخطيب البغدادي في «تاريخ مدينة السلام» بإسناده إلى الترمذي، عن البخاري أنه قال: «ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني». وفي المقابل قال علي بن المديني للبخاري: «إن الناس يقولون إنك تتعلم مني، والله إني لأتعلم منك أكثر مما تتعلم مني». وكذلك قول الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام: «انتهى الحديث إلى أربعة: أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني. فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعلي أعلمهم به».

وبيّن ابن رشيد أن النزاع ليس في حجية خبر الآحاد ووجوب العمل به على الجملة، فهذا متفق عليه. وإنما النزاع في قبول المعنعن مع الاكتفاء فيه بالمعاصرة وحدها، والإجماع المدّعى لا يتناول ذلك.

المحور الرابع: خبر الآحاد بين إيجاب العمل وإيجاب العلم

استطرد الشيخ في بيان أن نقل الثقة عن الثقة يوجب العمل بلا خلاف. أما إيجابه العلم، أي القطع بأن النبي ﷺ قاله، فمحل خلاف. فإذا احتفّت بخبر الواحد القرائن أوجب العلم والعمل معًا، ومن القرائن أن يخرّجه الشيخان، أو أن يكون رواته من الأئمة الثقات الفقهاء.

ومثّل لذلك بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو حديث فردٌ غريب، ومع ذلك نقطع بأن النبي ﷺ قاله لاحتفاف القرائن به:

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (متفق عليه).

وأحال الشيخ في هذه المسألة إلى كلام العلامة ابن القيم رحمه الله في «الصواعق المرسلة»، ويُراجع «مختصر الصواعق» لابن الموصلي.

المحور الخامس: قلب الدليل، مقام النافي ومقام المانع

عكس ابن رشيد الحجة على الإمام مسلم، فقال ما معناه: لسنا نحن الذين زدنا شرطًا، بل أنت الذي أسقطت من الإجماع شرطًا. فالإجماع منعقد بيننا وبينك على قبول معنعن غير المدلس إذا ثبت لقاؤه لشيخه. فالشرط قائم وموجود في محل الاتفاق، ومن أسقطه هو المطالَب بالدليل على إسقاطه، فالنافي للحكم يلزمه الدليل. وأما القول باشتراط التصريح بالسماع في كل حديث فهو مذهب مهجور مطّرح.

ولتقريب هذه القاعدة ذكر الشيخ مسألة جمع الجمعة مع العصر. فقد سُئل عنها فقال بالمنع، فطالبه بعض الإخوة بالدليل على المنع، فأجاب بأنه قائم في مقام المنع. فالعبادات توقيفية، والنبي ﷺ لم يثبت عنه أنه جمع بين الجمعة والعصر، ومن أراد إثبات حكم شرعي فعليه الدليل. فالقاعدة أن «البينة على المدعي»، وما توافر الداعي لفعله في عهد النبي ﷺ وأصحابه ثم تركوه، فالتعبد به محدث.

وفي خطبة الحاجة التي افتتح بها الشيخ الدرس: «وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

النقاط الرئيسية

  • في مسألة الإسناد المعنعن خمسة مذاهب، ومذهب الإمام مسلم الاكتفاء بالمعاصرة مع إمكان اللقاء لغير المدلس.
  • لخّص ابن رشيد أدلة مسلم في أربعة، أولها دعوى الإجماع على قبول المعنعن بشرط المعاصرة فقط.
  • لا يصح ادعاء الإجماع في محل النزاع، والخلاف ثابت عن البخاري وعلي بن المديني.
  • الرؤية والمعاصرة لا تستلزمان السماع، كما في قول الذهبي عن أبي الأزهر: «رأى سفيان بن عيينة ولا أدري لم لم يسمع منه».
  • خبر الآحاد يوجب العمل إجماعًا، ويوجب العلم إذا احتفت به القرائن.
  • الإجماع منعقد على قبول معنعن غير المدلس إذا ثبت اللقاء، فمن أسقط هذا الشرط فعليه الدليل.
  • القائم في مقام المنع في العبادات لا يُطالب بالدليل، وإنما يُطالب به مثبت الحكم، لأن العبادات توقيفية.

الفوائد والعبر

  • أدب الخلاف العلمي: حذّر الشيخ من التجهيل والتجريح والتعالم في المسائل الخلافية، وانتقد من يتطاول على الأئمة كالإمام الألباني رحمه الله. فلو فُرض أنه أخطأ في مسائل، فمن الذي لم يخطئ؟ والواجب أن يتأدب الراد خاصة مع أئمة السنة وإخوانه من أهل السنة.
  • الاقتداء بأسلوب ابن رشيد: كان نقاشه هادئًا رزينًا مقرونًا بالدعاء للمخالف، كقوله: «إنك يرحمك الله استشعرت خرم ما ذكرت من الإجماع»، وهذا نموذج يُحتذى في الرد العلمي.
  • العناية بأصول الفقه: نصح الشيخ طلاب الحديث بالتضلع من علم أصول الفقه والقواعد الفقهية، لأنه يعين على فهم كلام العلماء ويؤهل للوصول إلى درجة الاستنباط.
  • تقييد الفوائد فور سماعها: كان الشيخ يأمر طلابه بكتابة الفائدة قبل نسيانها، وهو منهج نافع في طلب العلم.
  • الحذر من الابتداع في العبادات: العبادات مبناها على التوقيف والاتباع، فلا يُتعبد لله بشيء إلا بدليل، والبينة على من ادعى المشروعية.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات