شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" (4) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الرابع من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول قضية مهمة من قضايا علم الحديث، هي مشروعية الكلام في الرجال جرحًا وتعديلًا، والرد على من عاب على أهل الحديث هذا الصنيع وظنّه من الغيبة المحرّمة.
ينطلق الشيخ من قول الإمام الترمذي رحمه الله: «وقد عاب بعضُ من لا يفهم على أصحاب الحديث الكلامَ في الرجال»، ثم يسوق ما ذكره الترمذي من أسماء الأئمة الذين تكلموا في الرواة، ويشرح ما بيّنه ابن رجب من أن هذا الباب قائم على النصيحة لله ولرسوله وللمسلمين، وأن الإسناد من الدين.
ويهدف الدرس إلى أن يدرك طالب العلم مكانة علم الجرح والتعديل، وأدلته من الكتاب والسنة وإجماع السلف، وأن يفرّق بين الطعن المذموم والبيان الواجب، وأن يعرف المنهج الذي سار عليه الأئمة في حفظ السنة النبوية.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الإسناد من الدين ومكانة الجرح والتعديل
افتتح الشيخ الدرس بالكلمة المشهورة للإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: «الإسنادُ من الدين، ولولا الإسنادُ لقال من شاء ما شاء». وبيّن أن هذه الكلمة أصل في هذا الباب، فالإسناد هو السياج الذي حفظ الله به سنة نبيه صلى الله عليه وسلم من الدخيل والكذب.
ولا قيام للإسناد إلا بمعرفة أحوال رجاله، ومن هنا كان التفتيش عن الرواة والكلام فيهم ضرورة شرعية لا غنى عنها. فلولا هذا العلم لاختلط الصحيح بالمكذوب، ولنُسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله.
المحور الثاني: الأئمة الذين تكلموا في الرجال من التابعين ومن بعدهم
شرح الشيخ قول الترمذي إنه وجد غير واحد من أئمة التابعين قد تكلموا في الرجال؛ فقد تكلم الحسن البصري وطاووس بن كيسان اليماني في معبد الجهني، وهو أول من قال بالقدر بالبصرة في أواخر عهد الصحابة. وتكلم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب لأجل الإرجاء. وتكلم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي في الحارث الأعور، وقد قال الشعبي: «حدثني الحارث الأعور وكان كذّابًا».
ثم ذكر الأئمة الذين ساروا على هذا المنهج بعدهم، كأيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وسليمان التيمي، وشعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس إمام دار الهجرة، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة هذا الشأن.
وبيّن أن ذكر الترمذي لهؤلاء الأئمة على سبيل التمثيل لا الحصر، والغرض منه إثبات أن الكلام في الرجال منهج متوارث عند السلف، وليس أمرًا محدثًا ابتدعه المتأخرون.
المحور الثالث: الباعث على الجرح هو النصيحة لا الغيبة
وقف الشيخ عند قول الترمذي: «وإنما حملهم على ذلك عندنا ــ والله أعلم ــ النصيحةُ للمسلمين، لا يُظنّ بهم أنهم أرادوا الطعن على الناس أو الغيبة، إنما أرادوا أن يبيّنوا ضعف هؤلاء لكي يُعرفوا». وذكر أن المجروحين أصناف: منهم صاحب بدعة، ومنهم المتهم في الحديث، ومنهم صاحب الغفلة وكثرة الخطأ.
وأوضح أن بيان حال هؤلاء من باب النصيحة الواجبة، ومن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الأئمة فعلوا ذلك شفقةً على الدين وصيانةً له، وأن هذا الكلام جائز بإجماع السلف، بل هو واجب لتمييز ما يجب قبوله من السنة مما لا يجوز قبوله.
ومن أدلة ذلك حديث النصيحة الذي أشار إليه الشيخ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (رواه مسلم).
المحور الرابع: الشهادة في الدين أحق بالتثبت من الشهادة في الأموال
شرح الشيخ تعليل الترمذي: «لأن الشهادة في الدين أحق أن يُتثبّت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال». ومثّل لذلك بأن من ادّعى على غيره مالًا لا يُقضى له بمجرد دعواه حتى يأتي بشهود عدول، ولو تبيّن أن الشاهد شاهد زور لرُدّت شهادته وبُيّن حاله أمام القاضي، ولا يعدّ ذلك غيبة. فإذا كان هذا في حقوق الدنيا، فهو في أمر الدين أولى وأوجب.
ونقل الشيخ ما ذكره ابن أبي حاتم الرازي في «تقدمة المعرفة» لكتابه «الجرح والتعديل»، ومعناه: إذا كان للرجل على آخر عشرة دراهم لم يستطع أخذها إلا بشاهدين عدلين، فدين الله أحق ألّا يُؤخذ إلا عن العدول.
ثم ذكر أن جواز ذكر الرجل بما فيه ثابت في المصلحة الخاصة، كالاستشارة في الزواج، فيُخبر المستشارُ بما يعلمه من حال الخاطب نصحًا لا غيبة. فإذا جاز ذلك للمصلحة الخاصة، فالمصلحة العامة المتعلقة بالدين أولى بالجواز.
المحور الخامس: أدلة الجرح والتعديل من الكتاب والسنة
بيّن الشيخ أن القرآن الكريم مملوء بالجرح والتعديل، فهو يمدح أهل الإيمان والتقوى، ويذم أهل الشرك والفسوق والنفاق. واستشهد بقصة سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه حين وقع القتال في الشهر الحرام، فعيّر المشركون الصحابة بذلك، فأنزل الله تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 217]
ومن السنة حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها حين استشارت النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة معاوية وأبي جهم، فقال: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ» (رواه مسلم). ومنه أيضًا استشارة النبي صلى الله عليه وسلم أسامةَ بن زيد وعليَّ بن أبي طالب رضي الله عنهما في حادثة الإفك، حتى أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من فوق سبع سماوات:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: 11]
ونبّه الشيخ على ضلال من يطعن في عائشة رضي الله عنها بعد أن برّأها الله في كتابه، فإن في ذلك تكذيبًا لرب العالمين ولرسوله صلى الله عليه وسلم. ويتصل بهذا الباب أيضًا الأمرُ الإلهي بالتثبت في الأخبار في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
النقاط الرئيسية
- الإسناد من الدين، ولولاه لقال من شاء ما شاء، كما قال الإمام عبد الله بن المبارك.
- الكلام في الرجال منهج متوارث عن أئمة التابعين، كالحسن البصري وطاووس وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي، ومن بعدهم كشعبة ومالك والقطان وابن مهدي.
- الباعث على الجرح عند الأئمة هو النصيحة للمسلمين والشفقة على الدين، لا الطعن في الناس ولا الغيبة.
- أسباب الجرح متعددة: البدعة، والتهمة بالكذب، والغفلة وكثرة الخطأ.
- الشهادة في الدين أحق بالتثبت من الشهادة في الحقوق والأموال.
- جواز الجرح والتعديل ثابت بإجماع السلف، بل هو واجب لتمييز صحيح السنة من سقيمها.
- في القرآن والسنة أدلة كثيرة على هذا الباب، كحديث فاطمة بنت قيس، والاستشارة في حادثة الإفك.
الفوائد والعبر
- تعظيم جهود أئمة الحديث الذين حفظ الله بهم السنة، ومعرفة أن صنيعهم كان نصيحةً وديانةً لا تشهّيًا.
- التثبت في نقل الأحاديث والأخبار، وعدم نسبة شيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد التحقق من صحته.
- الأمانة في الاستشارة؛ فمن استُشير في أمر زواج أو معاملة فليبيّن ما يعلمه بصدق وإنصاف، لأن المستشار مؤتمن.
- التفريق بين الغيبة المحرمة والبيان المشروع، وأن يكون الباعث على الكلام في الناس هو المصلحة الشرعية وإرادة النصح، مع التزام العدل وعدم التجاوز.
- الحذر من الطعن في الصحابة رضي الله عنهم، ولا سيما أم المؤمنين عائشة التي برّأها الله في كتابه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات