شرح كتاب " علل الترمذي " للحافظ ابن رجب الحنبلي ( 26 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

1,879 مشاهدة
369 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس السادس والعشرون من دروس شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ الكبير ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويُعدّ هذا الدرس أول دروس القسم الثاني من الكتاب، وهو قسم القواعد الكلية والفوائد المهمة التي أضافها ابن رجب بعد فراغه من شرح كتاب العلل الذي ختم به الإمام الترمذي جامعه، لتكون تتمّةً للكتاب وتقريبًا لعلم العلل على من ينظر فيه.

وعلم العلل من أدقّ علوم الحديث وأشرفها، وقد وصفه ابن رجب بأنه علم قد هُجر في زمانه، مع أنه توفي سنة خمس وتسعين وسبعمائة، أي في عصر كان فيه أمثال العراقي وابن الملقّن والبلقيني، ثم جاء بعدهم ابن حجر والسخاوي والسيوطي. وأشار الشيخ إلى أن الله تعالى منّ على الأمة في العصر الحديث بإمامين جليلين أحيا الله بهما علوم الحديث، وهما العلامة أحمد محمد شاكر، والعلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمهما الله.

ويهدف الدرس إلى تعريف الطالب بالطريقين اللذين تُعرف بهما صحة الحديث وسقمه، وبيان الفرق بين معرفة أحوال الرواة ومعرفة مراتب الثقات عند الاختلاف، والإرشاد إلى طريق تحصيل الملكة في علم العلل، ثم الشروع في بيان مراتب أصحاب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وما وقع من اختلاف بين سالم ونافع.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: افتتاح الدرس بخطبة الحاجة ومنزلة علم العلل

افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه، متضمّنةً الآيات الثلاث في الأمر بالتقوى، ثم بيّن أن ابن رجب أراد بهذا القسم تقريب علم العلل، وأن هذا العلم لا يحسنه كل من اشتغل بالحديث، فقد يكون الرجل محدّثًا وليس من أئمة العلل الذين يتكلمون في دقائق الأسانيد.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

المحور الثاني: الوجه الأول لمعرفة صحة الحديث: معرفة الرجال وثقتهم وضعفهم

قرّر ابن رجب أن معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين، أولهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم، وهذا أمر هيّن؛ لأن الثقات والضعفاء قد دُوّنوا في كثير من التصانيف، واشتهرت بشرح أحوالهم التواليف. ومثّل الشيخ لذلك بإسناد حديث النية عند البخاري: حدثنا الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». فإذا بحثنا رجاله وجدناهم جميعًا ثقات، وعمر رضي الله عنه لا يُسأل عنه.

ثم عدّد الشيخ جملة من كتب الرجال التي يُرجع إليها في هذا الباب، ومنها: التاريخ الكبير للبخاري، وتواريخ ابن معين، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والثقات والمجروحين لابن حبان، والكامل لابن عدي، وأحوال الرجال للجوزجاني، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي، وسؤالات الأئمة كسؤالات أبي داود والدارقطني، ثم تهذيب الكمال وفروعه كتهذيب التهذيب وتقريب التهذيب والكاشف والخلاصة، وميزان الاعتدال ولسان الميزان، وتاريخ دمشق وتاريخ بغداد، وتعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة.

كما نبّه إلى كتب ضبط الأسماء والأنساب والكنى، ككتاب الكنى والأسماء للدولابي ولمسلم، والأنساب للسمعاني، والإكمال لابن ماكولا، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين الدمشقي، وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه لابن حجر. وبعد معرفة حال الرواة يُنظر في اتصال السند، ثم في السلامة من الشذوذ والعلة.

المحور الثالث: الوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات والترجيح عند الاختلاف

الوجه الثاني -وهو الأهم والأدق- معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف: إما في الإسناد بزيادة أو نقص، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع، ونحو ذلك. وهذا هو الذي يحصل بمعرفته وإتقانه وكثرة ممارسته الوقوفُ على دقائق علل الحديث.

وبيّن الشيخ أن من ثمرات هذا الباب ما ذكره الأئمة في «أصح الأسانيد»؛ كقول البخاري: أصحها مالك عن نافع عن ابن عمر، وقول أحمد وإسحاق: الزهري عن سالم عن أبيه، وكذا ما قيل في أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ومعمر عن همام عن أبي هريرة، ومحمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي رضي الله عنه. وفائدة ذلك أنه إذا اختلف الرواة على شيخ كالزهري أو نافع أو الأعمش أو شعبة، فأرسله بعضهم ووصله آخرون، عُرف القول الراجح بمعرفة مراتب أصحابه.

وأكّد الشيخ أن ذلك لا يتحقق إلا بجمع الطرق وسعة الاطلاع؛ فالحديث إذا لم تُجمع طرقه لم يتبيّن خطؤه. وضرب مثلًا بمن لازم كلام إنسان سنين طويلة، فإنه إذا نُسب إليه كلام ليس من كلامه أنكره مباشرة، وكذلك أئمة الحديث بطول معايشتهم لحديث رسول الله ﷺ صاروا يميّزون ما يشبه كلام النبوة مما لا يشبهه.

المحور الرابع: طريق تحصيل الملكة في علم العلل

قرّر ابن رجب أنه لا بد في هذا العلم من طول الممارسة وكثرة المذاكرة، فإذا عُدم المذاكر فليُكثر الطالب من مطالعة كلام الأئمة العارفين، كيحيى بن سعيد القطان (ت 198هـ) ومن تلقى عنه كأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهما، ويلحق بهم البخاري ومسلم وأبو زرعة وأبو حاتم والدارقطني. فمن رُزق مطالعة ذلك وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة، صلح له أن يتكلم فيه.

ونقل قول الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك: «الحجة في هذا العلم عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير». وبيّن الشيخ أن الحفظ ليس مقصورًا على حفظ المتون، واستشهد بما ذكره ابن حجر في ترجمة شيخيه العراقي والهيثمي؛ إذ كان الهيثمي -صاحب مجمع الزوائد- أكثر استحضارًا للمتون من شيخه العراقي، حتى ظن من لا يعرف أنه أعلم منه، وليس الأمر كذلك؛ لأن العراقي كان أعلم بالأسانيد والعلل وقواعد الأئمة.

وذكر الشيخ أن الإمام عبد الرحمن بن مهدي وصف معرفة علل الحديث بأنها إلهام، والمراد أنها ثمرة كثرة المخالطة والمعايشة لحديث رسول الله ﷺ، حتى يصير الناقد قادرًا على التمييز وإن لم يُفصح عن الدليل في كل مرة.

المحور الخامس: تقسيم القواعد، وبيان مراتب أصحاب ابن عمر والخلاف بين سالم ونافع

قسّم ابن رجب هذه القواعد قسمين: الأول في معرفة مراتب كثير من أعيان الثقات الذين تدور عليهم غالب الأحاديث الصحيحة، وتفاوتهم، ومن يُرجَّح قوله منهم عند الاختلاف. والثاني في معرفة قوم من الثقات لا يُذكر أكثرهم في كتب الجرح، ضُعّف حديثهم إما في بعض الأماكن، كمن يكون حديثه في الحجاز صحيحًا وفي العراق فيه خطأ، أو في بعض الأزمان كمن اختلط في آخر عمره، أو عن بعض الشيوخ دون بعض.

وبدأ ابن رجب بأصحاب عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (ت 73 أو 74هـ)، وذكر الشيخ أن مروياته في الكتب التسعة نحو ألفين وستمائة رواية، وأن أشهر أصحابه ابنه سالم ومولاه نافع، ومن ثقات أصحابه أيضًا عبد الله بن دينار ومجاهد وسعيد بن جبير.

وقد اختلف سالم ونافع في أحاديث، فوقفها نافع ورفعها سالم. وسُئل الإمام أحمد: إذا اختلف سالم ونافع فلأيهما تقضي؟ فقال: كلاهما ثبت، ولم يرَ أن يقضي لأحدهما على الآخر، نقله عنه المروذي. ومع ذلك نُقل عن أحمد ترجيح قول نافع في وقف بعض الأحاديث، كحديث «من باع عبدًا وله مال»، وحديث «فيما سقت السماء العشر»، ورجّح النسائي قول نافع في وقف ثلاثة أحاديث منها حديث «تخرج نار من قبل اليمن»، وذكر ابن عبد البر في التمهيد أن من أهل العلم من رجّح قول سالم في رفعها. وخلص الشيخ إلى أن أئمة كبارًا كأحمد والنسائي والدارقطني رجّحوا قول نافع في هذه المواضع، ونبّه على أن أصح الأسانيد عند البخاري مالك عن نافع عن ابن عمر، وعند أحمد وإسحاق الزهري عن سالم عن أبيه.

النقاط الرئيسية

  • هذا الدرس هو بداية قسم القواعد الكلية التي ألحقها ابن رجب بشرحه لعلل الترمذي تقريبًا لعلم العلل الذي هُجر في زمانه.
  • تُعرف صحة الحديث وسقمه من وجهين: معرفة أحوال الرجال جرحًا وتعديلًا، ومعرفة مراتب الثقات والترجيح بينهم عند الاختلاف.
  • الوجه الأول ميسور لكثرة المصنفات في الرجال، أما الوجه الثاني فهو مدار علم العلل ودقائقه.
  • الاختلاف بين الثقات يقع في الإسناد، وفي الوصل والإرسال، وفي الرفع والوقف.
  • لا يُدرك علم العلل إلا بجمع الطرق وطول الممارسة وكثرة المذاكرة، أو بالإكثار من مطالعة كلام الأئمة النقاد عند فقد المذاكر.
  • الحجة في هذا العلم الحفظ والفهم والمعرفة، والحفظ لا يقتصر على استظهار المتون.
  • سالم ونافع أثبت أصحاب ابن عمر، وتوقف أحمد في الترجيح بينهما مطلقًا، مع ترجيح جمع من الأئمة قول نافع في أحاديث معيّنة.

الفوائد والعبر

  • على طالب الحديث ألا يكتفي بثقة رجال الإسناد للحكم بالصحة، بل ينظر في الاتصال والسلامة من الشذوذ والعلة.
  • ينبغي للطالب أن يعتني بكتب الرجال والأنساب والمشتبه ويعرف مناهجها؛ فهي الأساس الذي يُبنى عليه النقد.
  • المذاكرة مع الأقران سبيل لترسيخ العلم، فإن لم تتيسر فليُكثر من مطالعة كلام الأئمة الكبار كيحيى القطان وأحمد وابن المديني والبخاري.
  • التواضع وعدم التسرع في الكلام في العلل؛ فلا يتكلم فيها إلا من حصلت له الملكة والفقه بعد طول ممارسة.
  • الاعتراف بفضل العلماء المتقدمين والمعاصرين الذين أحيوا علوم السنة، كأحمد شاكر والألباني، والانتفاع بجهودهم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات