شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" ( 21 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,299 مشاهدة
255 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

يتناول هذا الدرس، وهو الدرس الحادي والعشرون من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، واحدة من أدق مسائل علوم الحديث وأكثرها جدلًا بين أهل الاصطلاح، وهي: مراد الإمام الترمذي بالحديث الحسن. ويقدّم الشرحَ فضيلةُ الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، فيقرأ كلام ابن رجب ويعلّق عليه، ويبيّن مواضع الاتفاق ومواطن النظر فيه.

وتنبع أهمية هذا الموضوع من أن جامع الترمذي من أكثر كتب السنة استعمالًا لمصطلح «حسن» ومركّباته، كقوله: «حسن صحيح» و«حسن غريب» و«حسن صحيح غريب». وقد استشكل كثير من العلماء هذه الأحكام. لذا فإن فهم مراد الترمذي شرطٌ لفهم أحكامه على الأحاديث، ولتجنّب الخلط بين اصطلاحه واصطلاح المتأخرين.

ويهدف الدرس إلى تعريف المشاهد بتعريف الترمذي للحسن وشروطه الثلاثة، وبمناقشة ابن رجب لتفسيرات العلماء له كابن الصلاح والخطابي، وإلى حلّ إشكال جمع الترمذي بين الحسن والصحيح وبين الحسن والغريب، مع التنبيه على الفرق بين الحسن لذاته والحسن لغيره.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تعريف الترمذي للحديث الحسن وشروطه الثلاثة

بيّن الترمذي في آخر جامعه مراده بقوله «حديث حسن»، فقال ما معناه: «كل حديث يُروى لا يكون في إسناده من يُتّهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًّا، ويُروى من غير وجه نحو ذاك، فهو عندنا حديث حسن». وأوضح الشيخ أن هذا التعريف خاص بما أطلق عليه الترمذي «حسن» فقط، دون أن يقرنه بوصف آخر.

فالشروط ثلاثة: ألا يكون في الإسناد متهم بالكذب، فإن حديث المتهم لا يصلح للاعتبار. وألا يكون الحديث شاذًّا مخالفًا للأحاديث الصحيحة. وأن يُروى من غير وجه نحوه، أي أن يأتي معناه من طرق أخرى، ولا يُشترط اللفظ نفسه. ونبّه الشيخ على أن قول الترمذي «ويُروى من غير وجه» يدل على أنه يريد في الغالب الحسن لغيره، لأن الحسن لذاته لا يحتاج إلى تعدد الطرق.

وذكّر الشيخ بتقسيم الرواة الذي تقدّم في الدروس السابقة: المتهم بالكذب، ومن يغلب على حديثه الوهم والغلط، ومن يكثر غلطه دون أن يغلب عليه، والثقة الذي يقلّ غلطه. فحديث من لم يُتّهم بالكذب، ممن ستر الله غلطه أو غلب على حديثه الوهم، إذا لم يكن شاذًّا وجاء معناه من وجوه أخرى، يدخل في حدّ الحسن عند الترمذي.

المحور الثاني: مناقشة ابن رجب لتفسيرات العلماء لمصطلح الحسن

عرض ابن رجب كلام ابن الصلاح الذي جعل الحسن نوعين: الأول ما ذكره الترمذي، وهو ما في إسناده مستور لم تتحقق أهليته، وليس مغفّلًا كثير الخطأ، ولا متهمًا بالكذب، وتقوّى بمتابع أو شاهد فخرج عن الشذوذ والنكارة. والثاني ما ذكره الخطابي، وهو أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح لتقصيره في الحفظ والإتقان.

واعترض ابن رجب على زيادة ابن الصلاح شرط «ألا يكون الراوي مغفّلًا كثير الخطأ» بأنها ليست في كلام الترمذي، ثم أجاب بأنها قد تُفهم مما قرره الترمذي قبل ذلك من أن المغفّل الذي يغلب عليه الخطأ لا يُحتج بحديثه ولا يُشتغل بالرواية عنه عند أهل الحديث.

وأشار الشيخ إلى أن الحسن لذاته من أصعب المصطلحات ضبطًا، وأن أدقّ ما قيل فيه تعريف الحافظ ابن حجر: ما اتصل سنده بنقل العدل الذي خفّ ضبطه من غير شذوذ ولا علة. وربطه ابن رجب بالطبقة الثانية من الثقات التي ذكرها الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، وبما أراده أبو داود بقوله «صالح» فيما سكت عنه في سننه.

المحور الثالث: معنى «ويُروى من غير وجه» والاستشهاد بالموقوف والمرسل

بيّن ابن رجب أن الترمذي قال: «ويُروى من غير وجه نحو ذلك»، ولم يقل: «عن النبي ﷺ». فيُحتمل أن مراده الرفع، ويُحتمل حمل الكلام على ظاهره، أي أن معناه يُروى من وجوه أخرى ولو موقوفة على الصحابة، فيُستدل بذلك على أن لهذا المرفوع أصلًا يعضده.

وقرّب ابن رجب ذلك بقول الإمام الشافعي في الحديث المرسل: إنه يُقبل إذا عضده قول صحابي، أو عمل به أهل الفتوى، أو جاء مسندًا من وجه آخر. فكما يتقوّى المرسل بهذه القرائن، يتقوّى الحديث الذي في إسناده ضعف يسير بما يشهد لمعناه.

وعلّق الشيخ بأن هذا يؤكد أن الترمذي يقصد بالحسن المجرّد الحسن لغيره، وأن هذا الوصف هو الغالب على ما أطلق عليه «حسن» فقط في جامعه.

المحور الرابع: إشكال الجمع بين «حسن صحيح» و«حسن غريب»

ذكر ابن رجب أن الناس استشكلوا جمع الترمذي بين الحسن والصحيح، لأن الحسن دون الصحيح، فكيف يوصف الحديث بالوصفين معًا؟ واستشكلوا كذلك جمعه بين الحسن والغريب، مع أن من شرط الحسن أن يُروى من غير وجه، والغريب لا يُعرف إلا من وجه واحد.

وأجاب ابن رجب بأن الحسن الذي عرّفه الترمذي هو الحسن المجرّد عن وصف آخر. أما «حسن غريب» فمراده أن الحديث غريب بهذا الإسناد واللفظ، وإن كان لمعناه شواهد من غير هذا الوجه. ومثّل لذلك بحديث:

«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»

فإنه لم يصحّ إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فهو غريب الإسناد، لكن معناه ثابت في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة تدل على أن المقاصد والنيات معتبرة في الأعمال، وأن الجزاء يقع على العمل بحسب نية صاحبه. وذكر أيضًا جواب بعض المتأخرين بأن الحديث قد يكون غريب الأصل ثم تتعدد طرقه عن بعض الرواة من التابعين فمن بعدهم، فإن كانت الطرق كلها صحيحة قيل «صحيح غريب»، وإن كانت حسنة قيل «حسن غريب»، وإن كان بعضها صحيحًا وبعضها حسنًا قيل «حسن صحيح غريب».

وردّ ابن رجب قول من فسّر «حسن صحيح» بأن المراد حسن المتن وحلاوته، أو أن الحديث مرويّ بإسنادين أحدهما حسن والآخر صحيح. واستبعد ذلك بأن الترمذي يجمع بين الوصفين في غالب الأحاديث الصحيحة المتفق عليها، وفيما هو في أعلى درجات الصحة، كرواية مالك عن نافع عن ابن عمر، والزهري عن سالم عن أبيه، وأنه قلّما يفرد وصف «صحيح» وحده.

المحور الخامس: الحسن لا يكون إلا باجتماع الأوصاف الثلاثة

ختم ابن رجب هذا المبحث بالرد على من زعم أن الترمذي يحسّن الحديث إذا وُجد فيه وصف واحد من الأوصاف الثلاثة. وبيّن أن كلام الترمذي صريح في أن الحديث لا يكون حسنًا حتى تجتمع فيه الأوصاف الثلاثة كلها.

كما قرّر أن تسمية الحديث الواهي الذي تعددت طرقه حسنًا لا تُعرف في كلام الترمذي، فإن الطرق الواهية لا تُقوّي بعضها. وإنما يتقوّى الحديث الضعيف ضعفًا يسيرًا إذا رُوي من غير وجه، ولم يكن فيه متهم بالكذب، ولم يكن شاذًّا. وهذا هو المراد عند الترمذي رحمه الله.

النقاط الرئيسية

  • الحسن عند الترمذي ما اجتمعت فيه ثلاثة شروط: انتفاء المتهم بالكذب، وانتفاء الشذوذ، ومجيء معناه من غير وجه.
  • تعريف الترمذي خاص بما أطلق عليه «حسن» مجرّدًا، ويقصد به في الغالب الحسن لغيره.
  • المعتبر في تعدد الطرق مجيء المعنى من وجوه أخرى، لا اللفظ بعينه، وقد يشهد له الموقوف على الصحابة.
  • جعل ابن الصلاح الحسن نوعين: نوعًا ذكره الترمذي، ونوعًا ذكره الخطابي، وأدقّ تعريف للحسن لذاته تعريف ابن حجر بخفة الضبط.
  • قول الترمذي «حسن غريب» يعني غرابة الإسناد مع وجود شواهد للمعنى، كحديث «إنما الأعمال بالنيات».
  • يجمع الترمذي بين «حسن صحيح» في أعلى درجات الصحيح، ونادرًا ما يفرد وصف «صحيح».
  • الطرق الواهية لا يتقوّى بعضها ببعض، ولم يسمِّ الترمذي الحديث الواهي حسنًا بتعدد طرقه.

الفوائد والعبر

  • فهم الاصطلاح قبل الحكم: ينبغي لطالب العلم أن يعرف اصطلاح كل إمام في كتابه قبل أن ينقل أحكامه، فلا يُحمل كلام المتقدمين على اصطلاحات المتأخرين.
  • التثبت في تقوية الأحاديث: لا يُقوّى الحديث بكثرة الطرق إذا كانت شديدة الضعف، بل لا بد من انتفاء التهمة بالكذب والشذوذ.
  • الإنصاف في النقد العلمي: في تعقّب ابن رجب لابن الصلاح، وفي تعليق الشيخ على ابن رجب، مثال على أدب الخلاف وأن العالم يُستفاد منه ويُتعقّب بالدليل.
  • استحضار النية في الأعمال: يذكّر حديث «إنما الأعمال بالنيات» بأن الجزاء على قدر النية، فيُخلص طالب العلم نيته في طلبه.
  • الصبر على دقائق العلم: مصطلح الحسن مما أتعب العلماء في ضبطه، فعلى الطالب أن يتدرّج ويصبر على المسائل الدقيقة حتى يتقنها.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات