شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" (2) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثاني من سلسلة شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. وعلم العلل من أدق علوم الحديث وأشرفها، إذ به يُميَّز الصحيح من السقيم فيما ظاهره السلامة. ولا يتقنه إلا الحفاظ النقاد الذين جمعوا الطرق وعرفوا أحوال الرواة ومراتبهم.
يبدأ الشيخ الدرس بتعريف العلة في اللغة والاصطلاح، ويبيّن شروطها، ثم يعدّد أسبابها التي يقع بسببها الخلل في الأسانيد والمتون. وبعد ذلك ينتقل إلى نص الإمام الترمذي في أول كتاب العلل، حيث قرر أن جميع ما في كتابه معمول به إلا حديثين. ويقف الشيخ مع تعليق ابن رجب على هذا الكلام، ويناقش المسألة مناقشة فقهية حديثية.
ويهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم حقيقة العلة وأسبابها، وأن يعرف مراد الترمذي بالعمل بأحاديث كتابه. كما يرسّخ منهج الإنصاف في التعامل مع أقوال العلماء، فلا يُترك قول عالم إلا بدليل، ولا يُعمل بقوله حتى يُعرف دليله وصحته.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعريف العلة وشروطها
العلة في اللغة من «علَّ يعِلُّ» بمعنى المرض، فالعليل هو المريض. ويُطلق التعليل أيضًا على التلهية والإشغال، كما يُعلَّل الصبي بشيء من الطعام. ومن هذا الأصل جاءت تسمية الحديث «المعلّ» أو «المعلول». وبعض أهل اللغة يستقبح لفظ «معلول»، لكن المحدثين تتابعوا على استعماله.
وأما في الاصطلاح فالعلة سبب غامض خفي يقدح في صحة الحديث، مع أن ظاهره السلامة. ويُستخلص من هذا التعريف شرطان للعلة بمعناها الاصطلاحي. الأول أن تكون خفية غامضة، فلو كانت ظاهرة لما سُمّيت علة بهذا المعنى. والثاني أن تكون قادحة في صحة الحديث، فإن لم تكن قادحة لم تؤثر في الحكم عليه.
ونبّه الشيخ إلى أن لفظ العلة يُستعمل أحيانًا بمعناه العام في كل سبب يُضعَّف به الحديث، كأن يقال: «علته فلان الكذاب» أو «علته ابن لهيعة». ومن أمثلة العلة الخفية القادحة أن يُروى الحديث عن «ابن عيينة عن عمرو بن دينار» على وجه، ويكون الصواب «سفيان الثوري». فمثل هذا لا يظهر إلا للناقد المتبحر.
المحور الثاني: أسباب العلة
ذكر الشيخ جملة من الأسباب التي يقع بسببها الخطأ في الرواية:
- المخالفة: أن يخالف الراوي غيره ممن هو أوثق منه أو أكثر عددًا.
- عدم العصمة من الوهم: فالثقة ليس من شرطه ألا يخطئ، وإنما المعتبر أن يكون صوابه أكثر من خطئه. وقد قرر الإمام مسلم أن الحافظ المتقن لا يسلم من الغلط والسهو، وقد خفيت بعض السنن على كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
- خفة الضبط وكثرة الأوهام: فيرفع الراوي الموقوف ويقف المرفوع، ويصل المرسل ويرسل الموصول.
- الاختلاط: وهو آفة تصيب العقل، وغالبًا ما تكون في آخر العمر أو بسبب مصيبة. ومثاله عبد الله بن لهيعة بعد احتراق كتبه، فيُفرّق بين ما رواه الراوي قبل الاختلاط وما رواه بعده.
- أسباب عارضة لخفة الضبط: كالانشغال عن العلم بولاية أو قضاء، وكفقد البصر مع الاعتماد على الكتب. ومثاله عبد الرزاق الصنعاني لما عمي فتغيّر.
- قِصَر الصحبة والملازمة: فليس من لازم الشيخ سنين طويلة كمن جالسه أيامًا قليلة. ولهذا قسّم العلماء أصحاب الزهري إلى طبقات بحسب الإتقان وطول الملازمة.
- اختصار الحديث أو روايته بالمعنى: فقد يُخلّ الاختصار بالمعنى، أو يقع الخطأ عند الرواية بالمعنى.
- التدليس بأنواعه: إذ قد يُخفي انقطاعًا في السند، أو يُسقط راويًا مطعونًا فيه في عدالته أو ضبطه.
- التفرد: وهو ليس علة على إطلاقه. فإن كان المتفرد ثقة حافظًا قُبل تفرده، كتفرد يحيى بن سعيد الأنصاري بحديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». وإن كان في حفظه لين لم يُحتمل تفرده.
المحور الثالث: قول الترمذي «جميع ما في هذا الكتاب معمول به» ومراده
قال الإمام الترمذي رحمه الله: جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين. ومعنى ذلك أن كل حديث في كتابه قد عمل به أحد من العلماء السابقين، ولم ينعقد الإجماع على تركه، باستثناء هذين الحديثين.
الحديث الأول حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ». والحديث الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ».
وأورد الشيخ إشكالًا على هذا الإطلاق، وهو أن في سنن الترمذي أحاديث ضعيفة وضعيفة جدًا ومتروكة. وأجاب ابن رجب بأن مراد الترمذي أحاديث الأحكام خاصة. ثم استدرك ابن رجب حديثًا ثالثًا لا يؤخذ به، وهو حديث جابر رضي الله عنه في التلبية عن النساء، إذ نقل الترمذي نفسه الإجماع على أن المرأة لا يُلبّى عنها.
ونبّه الشيخ على منهج أهل السنة في هذا الباب. فلا يجوز ردّ قول عالم بلا دليل، ولا يجوز في المقابل العمل بقول عالم ما لم يُعلم دليله وصحة هذا الدليل. فقد يعمل بعض المتأخرين بأحاديث ضعيفة، إما لعدم علمه بضعفها، أو لتساهله، أو لتقديمه الضعيف على الرأي.
المحور الرابع: مناقشة دعوى ترك العمل بحديث الجمع في الحضر
ذكر الترمذي أن بعض أهل العلم من التابعين أجازوا الجمع للمريض، وبه يقول أحمد وإسحاق، وأن آخرين أجازوه للمطر. لكن الإمام النووي رحمه الله ردّ دعوى الإجماع على ترك حديث ابن عباس. وأقرّ الترمذي في حديث قتل الشارب، لأن دلالة النسخ قامت عليه، أما حديث الجمع فلم يُجمع على ترك العمل به.
وأشار الشيخ إلى أن الترمذي أورد في معارضة حديث ابن عباس حديثًا من طريق حنش، وهو حسين بن قيس، ولفظه: «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ». وهو حديث ضعيف لا يقوى على معارضة الحديث الصحيح.
والصواب أن الجمع من غير عذر محرّم، لكن الجمع رخصة عارضة عند الحاجة. فإذا احتيج إليه جاز ولو في الحضر، وإذا لم يُحتج إليه فلا يُجمع ولو في السفر. ويؤيد ذلك قول ابن عباس لما سئل عن علة الجمع: «أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ». وهو جارٍ على القاعدة العظيمة: المشقة تجلب التيسير.
وردّ الشيخ القول بأن المراد الجمع الصوري، أي صلاة الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها. فهذا في الحقيقة ليس جمعًا، والجمع الصوري لا يرفع الحرج بل فيه حرج أشد. ثم إن جمع التقديم ثابت في السنة، وهو ينافي هذا التأويل.
المحور الخامس: حديث قتل شارب الخمر في الرابعة
قرر الترمذي نفسه أن الأمر بقتل الشارب في الرابعة كان في أول الإسلام ثم نُسخ، ونقل الإجماع على ترك العمل به، ودلّت على النسخ أدلة أخرى.
وذكر الشيخ أن الظاهرية ذهبوا إلى قتل شارب الخمر في المرة الرابعة. وأشار إلى رسالة العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله بعنوان «قتل مدمن الخمر» لمن أراد التوسع في هذه المسألة.
النقاط الرئيسية
- العلة اصطلاحًا سبب غامض خفي يقدح في صحة الحديث مع أن ظاهره السلامة، وشرطاها الخفاء والقدح.
- الثقة ليس من شرطه ألا يخطئ، والمعتبر أن يكون صوابه أكثر من خطئه.
- من أسباب العلة المخالفة، وخفة الضبط، والاختلاط، وقلة الملازمة، والرواية بالمعنى، والتدليس، والتفرد ممن لا يُحتمل تفرده.
- التفرد ليس علة مطلقًا، فتفرد الثقة الحافظ مقبول كحديث «إنما الأعمال بالنيات».
- قال الترمذي إن جميع ما في كتابه معمول به إلا حديثين، ومراده أحاديث الأحكام كما بيّن ابن رجب، وزاد ابن رجب حديث التلبية عن النساء.
- حديث الجمع في الحضر لم يُجمع على تركه كما بيّن النووي، والجمع رخصة عارضة عند الحاجة لرفع الحرج.
- حديث قتل شارب الخمر في الرابعة منسوخ عند الترمذي والجمهور، وخالف في ذلك الظاهرية.
الفوائد والعبر
- ينبغي لطالب العلم ألا يحكم على الحديث بظاهر إسناده فقط، بل يجمع الطرق ويعرف أحوال الرواة قبل الحكم.
- الإنصاف مع العلماء يقتضي ألا نردّ أقوالهم بلا دليل، وألا نقلّدهم دون معرفة الدليل وصحته.
- من وقع منه الخطأ اليسير من الثقات لا يُهدر حديثه، فالعصمة للأنبياء وحدهم، وقد خفيت بعض السنن على كبار الصحابة.
- رفع الحرج والتيسير من مقاصد الشريعة، فيأخذ المسلم بالرخص عند الحاجة دون تساهل أو اتخاذها عادة.
- يحفظ العلم بالمراجعة الدائمة والمداومة، والانشغال عنه سبب لضعف الضبط والنسيان.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات