شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" (18) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,071 مشاهدة
77 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثامن عشر من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، ويقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس مسألةً مهمة في علم مصطلح الحديث، وهي معنى «الحديث الحسن» و«الحديث الغريب» عند الإمام الترمذي رحمه الله كما بيّنهما في كتابه «العلل الصغير» الملحق بآخر جامعه. وقد كان الإمام الترمذي سببًا في انتشار هذا الاصطلاح بين أهل الحديث.

ويهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم شروط الحديث الحسن عند الترمذي، ومعنى الشذوذ والغرابة، ثم يقف على كلام الحافظ ابن رجب وشيخ الإسلام ابن تيمية في سؤال: هل الترمذي أول من قسّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف؟ ويعرف كذلك كيف استعمل الأئمة قبله لفظ «الحسن»، ومنهم الإمام البخاري والإمام أحمد رحمهما الله.

وجاء الدرس مختصرًا لضيق الوقت. وختمه الشيخ بالتمهيد للدرس القادم، وموضوعه تعريف الحديث الصحيح وشروطه كما نقلها ابن رجب عن الإمام الشافعي رحمه الله، وبعدها يعود إلى شرح كلام الترمذي في الحسن والغريب.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تعريف الحديث الحسن عند الإمام الترمذي

نصّ الإمام الترمذي في «العلل الصغير» على مراده بالحسن، فقال: «وما ذكرنا في هذا الكتاب حديثٌ حسن، فإنما أردنا به حُسْنَ إسناده عندنا: كلُّ حديثٍ يُروى لا يكون في إسناده من يُتَّهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًّا، ويُروى من غير وجهٍ نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن».

وبيّن الشيخ أن هذا التعريف يقوم على ثلاثة شروط. الأول: ألا يكون في الإسناد راوٍ متهم بالكذب، فإن كان فيه متهم فحديثه متروك ولا يرتقي بتعدد الطرق. الثاني: ألا يكون الحديث شاذًّا، والشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه أو لجماعة الثقات، ومتى ثبتت المخالفة لم يرتقِ الحديث. الثالث: أن يُروى من غير وجه، أي أن تكون له متابعات أو شواهد تعضده.

وقرّر الشيخ أن هذا التعريف ينطبق على ما سمّاه المتأخرون «الحسن لغيره»، وهو حديث الضعيف الذي ضعفه يسير، كسيّئ الحفظ الذي كثر غلطه ولم يغلب على حديثه، إذا جاء من طرق أخرى. أما حديث من غلب الخطأ على حديثه فمردود ولا ينجبر.

المحور الثاني: الحديث الغريب ومعنى الغرابة عند الترمذي

الغرابة في اللغة: التفرّد. وفي الاصطلاح: أن يتفرّد راوٍ بالحديث في طبقة من طبقات الإسناد. فإن كان التفرّد في أصل السند سُمّي «غريبًا مطلقًا» أو «فردًا مطلقًا»، ومثاله حديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». وإن كان في أثناء السند، كأن يتفرّد مالك عن الزهري، سُمّي «غريبًا نسبيًّا».

ونبّه الشيخ إلى أن الترمذي أفرد الغريب بالذكر، وهذا يدل على أن مراده بالشذوذ في تعريف الحسن هو المخالفة لا مجرد التفرّد. ثم ذكر الترمذي أن أهل الحديث يستغربون الحديث لمعانٍ متعددة. فمنها الحديث الذي لا يُروى إلا من وجه واحد، ومثاله ما رواه حماد بن سلمة عن أبي العُشَراء عن أبيه أنه قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ قَالَ: لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَ عَنْكَ». تفرّد به حماد بن سلمة، ولا يُعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث، وإن كان قد اشتهر بعد ذلك عن حماد.

ومن معاني الغرابة أيضًا أن يشتهر الحديث عن راوٍ واحد تفرّد به، ومثاله حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ». فهذا الحديث لا يُعرف إلا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ثم رواه عنه شعبة وسفيان الثوري ومالك وابن عيينة وغيرهم. وذكر الشيخ قول شعبة: «وددتُ أن عبد الله بن دينار أذن لي حتى كنت أقوم إليه فأقبّل رأسه»، وفي هذا بيان لمعرفة أئمة السلف بقدر من حفظ السنة وأدبهم معه.

المحور الثالث: أقسام الولاء (استطراد فقهي)

لما مرّ حديث النهي عن بيع الولاء وهبته، بيّن الشيخ أن الولاء ثلاثة أقسام. الأول ولاء الإسلام، كولاء الإمام البخاري للجُعفيين، لأن جدّه أسلم على يد أحدهم. والثاني ولاء العتق، كمن أعتقه ابن عمر أو غيره من الصحابة. والثالث ولاء الحِلف.

والولاء لُحمة كلُحمة النسب، فلا يجوز بيعه ولا هبته، ولا يصح أن يقول أحد: «اشتريتُ منك ولاءك» أو «وهبتُك ولائي». وهذا هو معنى الحديث المذكور.

المحور الرابع: هل الترمذي أول من قسّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف؟

نقل الشيخ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى»، وفيه أن أول من عُرف أنه قسّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف هو أبو عيسى الترمذي، وأن هذه القسمة لا تُعرف عن أحد قبله. وكان المتقدمون يقسمون الحديث إلى صحيح وضعيف، والضعيف عندهم نوعان. نوع ضعيف لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي. ونوع ضعيف يوجب تركه، وهو الواهي. وشبّه ابن تيمية ذلك بالمرض: منه مرض مخوف يجعل تبرّع صاحبه من الثلث، ومنه مرض لا يكون كذلك.

ثم ذكر الحافظ ابن رجب أن الترمذي هو الذي اشتهرت عنه هذه القسمة، وأن قومًا نسبوه إلى التفرّد بها. لكن لفظ «الحسن» وُجد في كلام من قبله، كالإمام البخاري. فقد نقل عنه الترمذي في «العلل الكبير» أنه قال في حديث البحر «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»: هو حديث حسن صحيح. وقال في حديث عبد الله بن حوالة في فضل الشام: «ستصيرون أجنادًا مجنَّدة»: هو حديث صحيح حسن غريب. وكان الإمام أحمد وغيره يقولون عن بعض الأحاديث: حديث حسن.

وجمع الشيخ بين القولين فقال: إن أريد بالأولية أن الترمذي أول من تكلّم بهذا اللفظ فهي منقوضة بما ورد في كلام البخاري وأحمد وابن معين وغيرهم. وإن أريد أنه أول من شهر هذا الاصطلاح وأكثر من استعماله ونشره فهذا مسلَّم. وإلى هذا أشار ابن رجب بقوله: «ولا شك أنه هو الذي شهر هذه القسمة».

المحور الخامس: الحديث الضعيف عند الإمام أحمد وتقسيم الحافظ ابن حجر

ذكر الحافظ ابن رجب أن الإمام أحمد كان يحتج بالحديث الضعيف الذي لم يَرِد خلافه، وأن مراده بالضعيف قريب من مراد الترمذي بالحسن. وهذا ما قرّره شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا، فالضعيف الذي يحتج به أحمد هو الحسن عند غيره.

ثم أثنى الشيخ على دقة الحافظ ابن حجر في كتابه «نخبة الفكر» وشرحه «نزهة النظر». فقد قسّم الحديث إلى مقبول ومردود، ثم قسّم المقبول إلى صحيح وحسن، وجعل كل واحد منهما قسمين: صحيح لذاته وصحيح لغيره، وحسن لذاته وحسن لغيره. وهو تقسيم محكم يعين الطالب على الفهم.

وأجاب الشيخ في آخر الدرس عن سؤال حول مراد المتقدمين بالحسن، كقول البخاري «حسن صحيح»: هل يقصدون به الغريب فقط؟ فبيّن أن للمسألة تفصيلًا سيأتي في الدروس القادمة، ومن ذلك قول الترمذي في حديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»: «صحيح غريب» مع أنه لا يُعرف إلا من وجه واحد.

النقاط الرئيسية

  • الحسن عند الترمذي هو ما سلم إسناده من راوٍ متهم بالكذب، ولم يكن شاذًّا، ورُوي من غير وجه. وهو يوافق «الحسن لغيره» عند المتأخرين.
  • الشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، ومتى ثبتت المخالفة لم يرتقِ الحديث بتعدد طرقه.
  • الغرابة هي التفرّد، وهي قسمان: غرابة مطلقة إذا كان التفرّد في أصل السند، وغرابة نسبية إذا كان في أثنائه.
  • حديث أبي العشراء في الذكاة وحديث «النهي عن بيع الولاء وهبته» مثالان على تفرّد الراوي بالحديث.
  • الترمذي هو الذي شهر تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، وإن كان لفظ «الحسن» موجودًا في كلام البخاري وأحمد وغيرهما قبله.
  • الضعيف الذي كان الإمام أحمد يحتج به قريب من الحسن في اصطلاح الترمذي ومن جاء بعده.
  • الولاء ثلاثة أقسام: ولاء إسلام، وولاء عتق، وولاء حِلف. ولا يجوز بيعه ولا هبته.

الفوائد والعبر

  • لا بد من فهم مصطلحات كل إمام كما أرادها هو، وألّا تُحمل ألفاظه على اصطلاحات من جاء بعده. فالحسن عند الترمذي ليس هو الحسن عند ابن الصلاح وابن حجر من كل وجه.
  • ينبغي الإنصاف في نقد أقوال العلماء وتوجيهها، كما فعل الشيخ مع قول ابن تيمية في أولية الترمذي، فقبله من وجه وناقشه من وجه آخر.
  • في قول شعبة في عبد الله بن دينار درس في توقير حفظة السنة ومعرفة فضل من نقلها إلينا.
  • يحسن بطالب العلم أن يعتني بالكتب المحكمة في علم المصطلح، مثل «نخبة الفكر» وشرحها «نزهة النظر» للحافظ ابن حجر، لضبط الأقسام والتعريفات.
  • تقوية الحديث بتعدد الطرق تكون بشروط، منها خلوّ الطرق من المتهمين بالكذب وسلامتها من الشذوذ، فليس كل حديث ضعيف يرتقي بكثرة طرقه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات