شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" ( 20 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,354 مشاهدة
101 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس العشرون من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس مسألة دقيقة من مسائل علوم الحديث، وهي «الحديث المُعَنْعَن»، أي الحديث الذي يقول فيه الراوي: «فلان عن فلان»، ويبيّن شروط قبوله، وأقوال الأئمة في الحكم عليه بالاتصال أو الانقطاع.

وتظهر أهمية هذه المسألة في أن أكثر الأسانيد جاءت بصيغة «عن». فالحكم على هذه الصيغة يترتب عليه تصحيح أحاديث كثيرة أو تضعيفها. ولذلك اعتنى بها الأئمة الكبار كالشافعي ومسلم وعلي بن المديني والبخاري، ووقع بينهم فيها خلاف مشهور حول شرط المعاصرة وشرط ثبوت اللقاء.

ويهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم شروط قبول العنعنة، وأن يعرف حقيقة الخلاف بين الإمام مسلم والإمام البخاري وشيخه ابن المديني، وأن يتعلم كيف يتعامل مع نفي الأئمة لسماع راوٍ من شيخه إذا وجد روايات فيها التصريح بالسماع.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: قول الإمام الشافعي في قبول العنعنة

بدأ الدرس بكلام الإمام الشافعي رحمه الله، ناصر السنة، في كتاب «الرسالة». فقد قرر أنه يقبل قول الراوي: «حدثني فلان عن فلان» إذا لم يكن الراوي مدلسًا، وذكر أن التدليس لم يكن معروفًا في بلده فيمن مضى ولا فيمن أدركه من أصحابه إلا حديثًا. وكان قول الرجل عندهم «سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا» وقوله «حدثني فلان عن فلان» سواءً، لأن أحدهم لا يحدّث عمّن لقيه إلا بما سمعه منه.

وبيّن الشيخ أن مراد الشافعي أن العنعنة تُحمل على الاتصال لا على الانقطاع ما لم يكن الراوي مدلسًا. فإذا عُرف بالتدليس لم تُقبل عنعنته. ونقل ابن رجب أن ظاهر كلام الشافعي هو اشتراط أمرين: أن يُعرف عن الراوي أنه لا يدلس، وأن يُعرف أنه لا يحدّث عمّن لقيه إلا بما سمعه منه. وهذا قريب من قول من يشترط ثبوت اللقاء.

ونقل أيضًا عن أبي بكر الصيرفي في شرحه للرسالة اشتراطَ ثبوت السماع لقبول العنعنة. فإذا ثبت السماع حُمل الحديث عليه حتى يُعلم التدليس.

المحور الثاني: الخلاف بين الإمام مسلم وبين ابن المديني والبخاري

حرّر الشيخ محل الخلاف تحريرًا دقيقًا. فالإمام مسلم رحمه الله يقبل عنعنة الراوي إذا اجتمعت فيه هذه الشروط: أن يكون ثقة، وأن يكون غير مدلس، وأن يكون معاصرًا لمن روى عنه مع إمكان اللقاء، وألا يوجد دليل على عدم السماع. فإذا اجتمعت هذه الشروط حمل العنعنة على الاتصال.

أما علي بن المديني والبخاري ومن وافقهما فيشترطون زيادة على ذلك أن يثبت اللقاء أو السماع ولو مرة واحدة. ولهذا تجد البخاري في «التاريخ الكبير» يدور كثيرًا حول إثبات السماع ونفيه، وتجد الحافظ المزي في «تهذيب الكمال» ينص كثيرًا على أن فلانًا روى عن فلان ولم يسمع منه.

ونبّه الشيخ إلى أن الإمام مسلمًا ردّ على القول المخالف ردًّا شديدًا، ونسب قائله إلى مخالفة الإجماع. وكان المقصود في الحقيقة ابن المديني والبخاري لأنهما صرّحا بهذا القول. والتمس الشيخ لمسلم عذرًا: فالعالم إذا ترجّح عنده قول دافع عنه بقوة وقد يشنّع على من خالفه. وعلي بن المديني شيخ لمسلم من طبقة شيوخه، والبخاري شيخه.

وأشار إلى أن الإمام ابن رُشَيد رحمه الله ألّف كتابًا خاصًا في الرد على الإمام مسلم في هذه المسألة. وأحال إلى شرحه لمقدمة صحيح مسلم لمن أراد التفصيل.

المحور الثالث: إبطال اشتراط التصريح بالسماع في كل حديث

ذهب بعض المتأخرين من الظاهرية ونحوهم إلى أن كل حديث لم يُصرَّح فيه بالسماع لا تقوم به الحجة. وبيّن ابن رجب أن هذا القول باطل بلا شك، وأن الأمة اتفقت على قبول عنعنة الثقة غير المدلس الذي ثبت لقاؤه لمن روى عنه، ما لم يقم دليل على عدم السماع. واشتراط التصريح بالسماع في كل حديث تشدد يضر أكثر مما ينفع.

وقد استدل بعضهم بقول شعبة: «كل إسناد ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو خلٌّ وبقل»، وبقوله: «فلان عن فلان ليس بحديث». وفي مقابل ذلك قال سفيان: «هو حديث». ونقل ابن عبد البر أن شعبة رجع إلى قول سفيان في هذا، وأن القول الأول شاذ مطّرح. وبيّن الشيخ أن مراد شعبة الأسانيد التي يغلب على الظن فيها الانقطاع، لا كل حديث معنعن.

ونقل الدرس كلام الخطيب البغدادي في إجماع أهل العلم بالحديث على أن قول المحدّث «حدثنا فلان عن فلان» صحيح معمول به، إذا كان الراوي قد أدرك من حدّث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن مدلسًا. ونقل كذلك قول محمد بن يحيى الذهلي وأبي الوليد الطيالسي أنهم أدركوا العلماء لا يفرّقون بين «حدثنا» و«عن».

المحور الرابع: الأمثلة التي احتج بها مسلم وما يُعترض به عليها

احتج الإمام مسلم بأن من تكلّم في صحة الحديث من السلف لم يكن يفتش عن موضع السماع، كشعبة ويحيى القطان وابن مهدي. وذكر أمثلة لروايات قبلها أهل العلم، ولم يُحفظ فيها سماع الراوي ممن روى عنه، مع أنهم ثقات أدركوا الصحابة. ومنها: رواية أبي عثمان النهدي وأبي رافع الصائغ عن أُبيّ بن كعب، ورواية أبي عمرو الشيباني وأبي معمر عن أبي مسعود، ورواية ربعي بن حراش عن عمران بن حصين، ورواية نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي.

وقرر الشيخ أن هذا الاحتجاج فيه نظر، وأن ما زعمه من نفي التفتيش عن السماع منتقد. فالبخاري وابن المديني ومن معهما لم يردّوا هذه الأحاديث لمجرد العنعنة، بل لأن السماع لم يثبت فيها.

وبيّن أن جمهور المتقدمين على ما قاله ابن المديني والبخاري. أما أكثر المتأخرين فقد مشوا على قول مسلم واكتفوا بالمعاصرة مع إمكان اللقاء. فدعوى الإجماع التي ذكرها مسلم لا تسلم، لأن جمهور المتقدمين على خلافها.

المحور الخامس: التعامل مع نفي الأئمة للسماع، وشرط طول الصحبة

نبّه الشيخ إلى قاعدة مهمة. إذا نصّ إمام معتبر على أن فلانًا لم يسمع من فلان، ثم وجدنا رواية فيها التصريح بالسماع، فإن غلب على ظننا أن الإمام اطلع عليها وحكم بخطئها فهي خطأ ولا يُستشهد بها. وإن غلب على ظننا أنه لم يطلع عليها أو أنه وهم، صحّت الرواية واستُشهد بها، وقد يرتقي بها الحديث إلى الصحة أو الحسن. وأكثر ما يقع ذلك عند اختلاف الأئمة، فيكون قول المثبِت للسماع مقدّمًا لأن معه زيادة علم.

ومن الأمثلة على ذلك قول الإمام أحمد في سماع محمد بن سوقة من شيوخه، واستدلاله بسماعه ممن هو أقدم منهم. وكذلك إنكاره سماع شعبة من بعض قدماء أهل المدينة، ثم سكوته ورجوعه لما ذُكر له أن شعبة روى عن المقبري وهو قديم.

وذكر الدرس قول أبي المظفر السمعاني في اشتراط طول الصحبة، وقول أبي عمرو الداني في اشتراط أن يكون الراوي معروفًا بالرواية عن شيخه. وبيّن الشيخ أن طول الصحبة ليس شرطًا للاتصال، لكنه مهم لمعرفة المقدَّمين في الرواية عن المكثرين كالزهري ونافع والأعمش وقتادة. فطول الملازمة يُعرّف الراوي بحديث شيخه ومخارجه ومقاصده.

ويتصل هذا المنهج بأمر الله تعالى بالتثبت في الأخبار، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].

النقاط الرئيسية

  • الحديث المعنعن يُحمل على الاتصال إذا كان الراوي ثقة غير مدلس، ولم يقم دليل على عدم سماعه.
  • قرر الإمام الشافعي في «الرسالة» أن «حدثني فلان عن فلان» مقبولة ممن لم يُعرف بالتدليس.
  • يكتفي الإمام مسلم بالمعاصرة مع إمكان اللقاء، ويشترط ابن المديني والبخاري ثبوت اللقاء أو السماع ولو مرة.
  • جمهور المتقدمين على قول ابن المديني والبخاري، ولذلك لا تُسلَّم دعوى الإجماع التي ذكرها مسلم.
  • اشتراط التصريح بالسماع في كل حديث قول شاذ باطل، وقد رجع شعبة إلى قول سفيان في هذه المسألة.
  • إذا نفى إمام معتبر السماع ثم وُجد التصريح به في رواية، يُنظر هل اطلع الإمام عليها أم لا، ثم يُحكم بحسب ذلك.
  • تفيد المستخرجات على الصحيحين في بيان التصريح بالسماع والتحديث.

الفوائد والعبر

  • ينبغي لطالب العلم أن يحرّر محل الخلاف بين العلماء قبل الترجيح، فكثير من الخلاف يزول عند التحرير.
  • الأدب مع الأئمة واجب، ويُلتمس العذر للعالم إذا اشتدّت عبارته في الدفاع عن قول ترجّح عنده.
  • الاعتدال منهج سليم في النقد الحديثي، فلا يُقبل كل شيء بلا تثبت، ولا يُتشدد تشددًا يُسقط السنن الصحيحة.
  • من المهم الرجوع إلى كتب الرجال مثل «التاريخ الكبير» للبخاري و«تهذيب الكمال» للمزي لمعرفة السماع ونفيه.
  • ملازمة الشيوخ وطول الصحبة لهم سبيل إلى فهم العلم ومعرفة دقائقه ومقاصد أهله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات