شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" (19) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس التاسع عشر من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، ويقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ فيه الشيخ باب الحديث الصحيح، وهو الحديث المحتج به. ويبيّن أن ابن رجب لم يأتِ بتعريف من عنده، وإنما نقل شروط الصحة عن الإمام الشافعي رحمه الله من كتابه «الرسالة»، وهو من أقدم الكتب وأهمها في أصول الفقه وأصول الحديث.
والموضوع مهم لأن الحديث النبوي هو المصدر الثاني للتشريع. ومعرفة شروط قبوله تحفظ على الأمة دينها، فلا يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله. وقد قرر الأئمة أن هذا العلم دين، وأن النظر في أحوال الرواة جزء من حفظ الشريعة.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم شروط الراوي المقبول عند الشافعي، وهي العدالة والضبط والفهم والسلامة من التدليس والاتصال. ويشرح كذلك منهج المحدثين في اختبار الرواة، وحكم رواية المدلس وكثير الغلط ومجهول الحال، ويوضح أن الصلاح والعبادة وحدهما لا يكفيان لقبول الرواية.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعريف الحديث الصحيح وشروطه عند الإمام الشافعي
الصحيح في اللغة ضد السقيم. وفي الاصطلاح يذكر الشيخ تعريف الحافظ ابن حجر، ويعدّه أدق التعريفات: هو الحديث الذي اتصل إسناده بنقل العدل تام الضبط عن مثله إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معلَّلًا. ثم ينتقل إلى كلام الإمام الشافعي في «الرسالة» برواية الربيع، وهو كلام جامع رتّب عليه العلماء من بعده هذا الباب.
قال الشافعي رحمه الله: «ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا: منها أن يكون مَن حدَّث به ثقةً في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدِّث به، عالمًا بما يُحيل معاني الحديث من اللفظ». ويقصد بخبر الخاصة خبر الآحاد. وشرط الشافعي كذلك أن يكون الراوي ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه، أو يكون عالمًا بما يُحيل المعنى إن روى بالمعنى، وأن يكون حافظًا إن حدّث من حفظه، حافظًا لكتابه إن حدّث من كتابه، موافقًا لأهل الحفظ إذا شركهم في الحديث، بريئًا من أن يكون مدلِّسًا، وأن يكون الإسناد كذلك موصولًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من انتهى به إليه.
وينبه الشيخ إلى أن الفقهاء والأصوليين لا يشترطون عدم الشذوذ كما يشترطه المحدثون، وأن كل علم تؤخذ اصطلاحاته من أهله.
المحور الثاني: العدالة والمروءة وأثرهما في قبول الرواية
قول الشافعي «ثقة في دينه» هو العدالة. وعرّفها الشيخ بأنها ملكة وجِبِلّة تحمل صاحبها على فعل الطاعات وترك المحرمات والتنزه عما يخرم المروءة. فالعدل لا يُتّهم في دينه، ولا يُطعن عليه بفسق ولا بدعة ولا كذب. وشروطها المعروفة الإسلام والبلوغ والعقل والسلامة من الفسق وخوارم المروءة.
وضرب الشيخ مثلًا بالمؤمن الذي يترك فراشه الدافئ في شدة البرد ليصلي الفجر في المسجد، ويتحمل الوضوء بالماء البارد والمشي في الظلام. والذي يدفعه إلى ذلك هو هذه الملكة الراسخة في نفسه، وهي التقوى نفسها.
وقسّم الشيخ المروءة إلى قسمين. الأول مروءة شرعية، وهي ألّا يُدنّس المرء نفسه بالمعاصي ولا يكذب ولا يقع في أعراض الناس. والثاني مروءة عُرفية، وهي تختلف باختلاف الزمان والمكان والأشخاص.
المحور الثالث: الضبط وطرق المحدثين في اختبار الرواة
قول الشافعي «معروفًا بالصدق في حديثه» يشير إلى الضبط. والضبط نوعان. الأول ضبط صدر، وهو أن يحفظ الراوي الحديث كما يحفظ القارئ السورة من القرآن، فلا يزيد فيه ولا ينقص. والثاني ضبط كتاب، وهو أن يصون كتابه من التبديل والتغيير والإدخال. ومن أمثلة ذلك أن بعض الرواة كان يُدخَل في كتبه ما ليس من حديثه، فسقطت روايته لذلك. وذكر الشيخ أن علي بن المديني سُئل عن أبيه فأشار إلى تضعيفه وقال: إنه الدين. ومعناه أن أمر الحديث دين، فلا يُحابى فيه أحد ولو كان أقرب الناس.
وبيّن الشيخ أن الأئمة كأحمد وابن معين وابن المديني عرفوا ضبط الرواة بطريقة السَّبْر والاعتبار، وهي أن يعرضوا أحاديث الراوي على أحاديث الثقات من أصحاب شيخه. ومثال ذلك أن يُقارن ما رواه الراوي عن نافع بما رواه أثبات أصحاب نافع. فإن وافقهم في الغالب فهو ثقة، ولا يضره الخطأ اليسير لأن العصمة ليست شرطًا. وإن كثر خطؤه فهو صدوق كثير الخطأ، وإن غلب الخطأ على حديثه رُدّ حديثه.
وبهذه الطريقة حكم الأئمة على رواة لم يلقوهم، كرواة طبقة التابعين، فلم يكن حكمهم مقصورًا على من سمعوا منه ولقوه.
المحور الرابع: حكم رواية المدلِّس وكثير الغلط ومجهول الحال
قال الشافعي رحمه الله: «وأقبل الحديثَ: حدثني فلانٌ عن فلان، إذا لم يكن مدلِّسًا». ومذهبه في المدلس أنه إذا عنعن رُدّ حديثه، وإذا صرّح بالسماع قُبل. فالمدلس عنده لا يُقبل حديثه مطلقًا كحديث أهل النصيحة في الصدق، ولا يُرد مطلقًا كحديث الكذابين. والسبب أن التدليس ليس كذبًا وإن كان قريبًا منه. ولذلك قال: «لا نقبل من مدلِّسٍ حديثًا حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت».
وقال الشافعي في كثير الغلط: «ومن كثُر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصلُ كتابٍ صحيح لم نقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادات لم نقبل شهادته». فإذا رُدّت شهادته في حقوق الناس، فرَدّ روايته في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى. وفرّق المحدثون بعده بين من غلب الغلط على حديثه فيُرد، ومن كثر غلطه دون أن يغلب فيُقبل منه ما ثبت أنه أتقنه.
وأما مجهول الحال فظاهر كلام الإمام أحمد أن خبره لا يصح ولا يُحتج به. ومن الحنابلة من جعل الخلاف فيه كالخلاف في المرسل، فمن قبل المرسل قبل مجهول الحال، ومن رد المرسل رده.
المحور الخامس: أقوال السلف في التثبت ممن يؤخذ عنه الحديث
نقل ابن رجب عن جماعة من السلف ما يدل على أن هذا المنهج قديم عندهم. ومن ذلك قول محمد بن سيرين رحمه الله: «إنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ». وقد أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، والدارمي، وابن أبي حاتم، وغيرهم. وكان ابن سيرين يقول إن السلف لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.
ونقل قول أبي الزناد: «أدركتُ بالمدينة مائةً كلُّهم مأمون، ما يُؤخذ عنهم شيءٌ من الحديث، يُقال: ليس من أهله». ونقل كذلك ما رُوي عن الإمام مالك أن العلم لا يؤخذ من أربعة: سفيه مُعلِن بالسَّفَه، وصاحب هوى يدعو إليه، ومن يكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يُتّهم بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشيخ له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدّث به.
وقال مالك رحمه الله: «لقد أدركتُ بهذا البلد مشيخةً لهم فضلٌ وصلاحٌ وعبادة يحدِّثون، ما سمعتُ من واحدٍ منهم حديثًا قط». فلما سُئل عن السبب قال: «لم يكونوا يعرفون ما يحدِّثون».
النقاط الرئيسية
- الحديث الصحيح هو ما اتصل إسناده بنقل العدل تام الضبط عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة.
- كتاب «الرسالة» للإمام الشافعي أصل في شروط قبول خبر الآحاد، وقد بنى العلماء من بعده على كلامه.
- العدالة ملكة تحمل صاحبها على الطاعات وترك المحرمات وخوارم المروءة، والمروءة نوعان: شرعية وعُرفية.
- الضبط نوعان: ضبط صدر وضبط كتاب، ويُعرف بعرض أحاديث الراوي على أحاديث الثقات من أصحاب شيوخه.
- من روى بالمعنى يجب أن يكون عالمًا بما يُحيل المعاني، وإلا لزمه أداء الحديث بلفظه كما سمعه.
- المدلس يُقبل حديثه إذا صرّح بالسماع ويُرد إذا عنعن، ومن غلب الغلط على حديثه يُرد حديثه.
- الصلاح والعبادة وحدهما لا يكفيان لقبول الرواية، فلا بد معهما من الضبط والمعرفة بما يُحدَّث به.
الفوائد والعبر
- العلم دين، فعلى المسلم أن يتثبت ممن يأخذ عنه دينه، وأن ينظر في عقيدته وعلمه وأمانته قبل أن يأخذ عنه.
- أمر الحديث لا مجاملة فيه حتى للأقارب، كما فعل علي بن المديني حين أشار إلى تضعيف أبيه، وفي ذلك درس في الإنصاف وتقديم الحق.
- على طالب العلم أن يجمع بين الديانة والإتقان، فالصلاح بلا ضبط لا يؤهل صاحبه لنقل العلم.
- ينبغي للمسلم أن يحذر من نشر الأحاديث في وسائل التواصل قبل التحقق من صحتها، اقتداءً بمنهج السلف في التثبت.
- العدالة ملكة تُكتسب بالمجاهدة، كالقيام لصلاة الفجر في البرد، فليحرص المسلم على تزكية نفسه وحفظ مروءته.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات