شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" (12) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,410 مشاهدة
459 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثاني عشر من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، ويقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ الدرس بالموضع الذي ذكر فيه ابن رجب طائفة من كبار الأئمة الذين يتكرر ذكرهم في كتب الجرح والتعديل والعلل، ويُنقل عنهم الكلام في الرجال، مع أن الإمام الترمذي لم يذكرهم في كتابه "العلل". وأول هؤلاء الإمامان الجليلان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل رحمهما الله.

وتظهر أهمية هذا الموضوع في أنه يعرّف طالب العلم بمكانة هؤلاء الأئمة الذين قام عليهم علم نقد الرجال وتعليل الأحاديث. فهم لم يتكلموا في الرجال إلا بعد أن جمعوا العلم والعمل والزهد والورع وصدق النصيحة. ودراسة سيرهم تعطي الطالب الأدب والمنهج قبل أن تعطيه المعلومة.

ويهدف الدرس إلى تعريف المشاهد بفضائل ابن المبارك وثناء الأئمة عليه، وشرح عبارته المشهورة: «في صحيح الحديث شغل عن سقيمه»، وعرض أقوال العلماء في العمل بالحديث الضعيف، ثم بيان سعة حفظ الإمام أحمد وإتقانه، ومعالجة ظاهرة خوض غير المؤهلين في الجرح والتعديل.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: درس تربوي، من يحق له الكلام في الجرح والتعديل؟

يبدأ الشيخ بتنبيه تربوي مهم. فكثير من الشباب اليوم يطلقون الأحكام على الناس بلا علم: «فلان مبتدع، وفلان فيه كذا، وفلان حزبي». وأكثرهم لا يعرف الفرق بين غريب الحديث والحديث الغريب، ولا بين الحديث الموقوف والحديث المرفوع، فضلًا عن معرفة قواعد الفقه وفقه المصالح والمفاسد. وقد يكون بعضهم مقصرًا في العبادة، يفرط في صلاة الفجر مع الجماعة، ويقل ذكره لله.

أما الأئمة الذين تكلموا في الجرح والتعديل فكانوا جبالًا في العلم والعبادة والجهاد. نظروا في أنفسهم أولًا، ثم نظروا في أحوال الناس نصيحةً لله ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولم يقصدوا الطعن في عباد الله. ولا يُطلب منا أن نبلغ منزلة ابن المبارك أو شعبة أو أحمد، لكن علينا أن نقترب من حالهم ونتشبه بهم.

قال النبي ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ» (رواه مسلم).

واستشهد الشيخ بقول الشاعر:
«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا *** فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ»

المحور الثاني: الإمام عبد الله بن المبارك، إمام خراسان

هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك، إمام أهل خراسان. وُلد سنة ثمانٍ عشرة ومئة، وتوفي سنة إحدى وثمانين ومئة، وعاش ثلاثًا وستين سنة. جمع العلم والزهد والجهاد والكرم والشجاعة والشعر والفقه وكثرة الحديث. قال الإمام أحمد: «لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه»، فقد رحل إلى اليمن ومصر والشام والبصرة والكوفة، وكتب عن الصغار والكبار. وكان يحدّث من كتابه، فقلّ خطؤه.

وكثر ثناء الأئمة عليه:

  • قال سفيان الثوري: «ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما». وقال أيضًا: لو جهد نفسه أن يكون ثلاثة أيام من السنة على ما عليه ابن المبارك لم يقدر.
  • قال عبد الرحمن بن مهدي إنه لم يرَ مثله. فلما سُئل: ولا سفيان ولا شعبة؟ قال: ولا سفيان ولا شعبة.
  • قال المعتمر بن سليمان: ما رأيت مثل ابن المبارك، تصيب عنده الشيء الذي لا تصيبه عند أحد.
  • قال سفيان بن عيينة: نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك، فما رأيت لهم عليه فضلًا إلا بصحبتهم للنبي ﷺ وغزوهم معه.
  • قال أبو أسامة: ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس.
  • قال الفضيل بن عياض: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، وما خلق الله خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها فيه.

وكان من أشد الناس في السنة، أي في العقيدة واتباع النبي ﷺ. ولهذا قال السلف: إذا رأيت الرجل يحب ابن المبارك فارجُ له الخير. وقيل في وصفه: «فلان من بابة ابن المبارك»، أي من طبقته ومن جنسه.

المحور الثالث: «في صحيح الحديث شغل عن سقيمه» وحكم العمل بالحديث الضعيف

نقل ابن رجب عن ابن المبارك قوله: «في صحيح الحديث شغل عن سقيمه». وفي بعض التعليقات على الكتاب أن مراده بالسقيم الحديث شديد الضعف، لأن الضعيف عند الجمهور يُعمل به في فضائل الأعمال. ويرد الشيخ هذا التأويل. فرواية الأئمة للضعيف بالإسناد في كتب الزهد والرقائق شيء، والاحتجاج به والعمل به شيء آخر. والسقيم لفظ عام يدخل فيه كل ضعيف، سواء كان منكرًا أو متروكًا أو ضعيفًا ضعفًا يسيرًا.

وذكر الشيخ في العمل بالحديث الضعيف ثلاثة أقوال:

  • الأول: لا يجوز العمل بالحديث الضعيف مطلقًا، وهو مذهب البخاري ومسلم وابن معين وابن المديني وغيرهم.
  • الثاني: قول الإمام أحمد وابن مهدي ومن وافقهما بجواز العمل بالضعيف في الفضائل. ومرادهم بالضعيف هنا ما سماه المتأخرون «الحسن لغيره»، وهو ما تقوّى بالشواهد والمتابعات والقرائن، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
  • الثالث: جواز العمل به بشروط ذكرها الحافظ ابن حجر: ألا يكون شديد الضعف، وأن يندرج تحت أصل معمول به، وألا يُعتقد ثبوته عند العمل به.

ويرجّح الشيخ أنه لا يُعمل بالحديث الضعيف في شيء، ويستدل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ [الزمر: 55]. والحديث الضعيف ليس من أحسن ما أُنزل إلينا.

المحور الرابع: الإمام أحمد بن حنبل وسعة حفظه وإتقانه

والثاني ممن ذكرهم ابن رجب هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، أبو عبد الله. كان إمامًا ربانيًا، فقيه أهل الحديث وطبيبهم وحافظهم وعابدهم وزاهدهم. وفضائله كثيرة جدًا، وقد أفردها بالتصنيف ابن الجوزي والبيهقي وأبو إسماعيل الأنصاري وغيرهم. واكتفى ابن رجب بذكر شيء من فضائله في الحديث وعلومه، لأن ذلك هو مقصود الكتاب.

قال ابنه عبد الله: كتب أبي ألف ألف حديث. والمقصود بالحديث هنا الإسناد، فالحديث الواحد قد تتعدد طرقه. ويدخل في هذا العدد المرفوع والموقوف والمرسل والمقطوع والتفسير. وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث. فلما سُئل: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب. أي أنه كان يحفظ الأحاديث مرتبة على الأبواب، كما يحفظها مرتبة على المسانيد.

وذكر أبو زرعة أن كتب أحمد لم يكن في أوائل أجزائها أسماء المحدثين الذين سمع منهم، لأنه كان يحفظ كل جزء عمّن هو. وحكى أنه أخرج إليه أجزاءً من حديث سفيان الثوري ليس على حديث منها «حدثنا فلان»، فكان أحمد يقرأ الحديث ويقول: «حدثنا وكيع» و«حدثنا فلان». قال أبو زرعة: فجهدت أن أقدر على شيء من هذا فلم أقدر.

المحور الخامس: توجيهات منهجية في طريقة الحفظ

استفاد الشيخ من حال الإمام أحمد توجيهًا عمليًا لمن يريد حفظ كتب السنة. فمن عنده جد واجتهاد يبدأ بحفظ صحيح مسلم قبل صحيح البخاري، لأن مسلمًا جمع متون الباب الواحد وطرقها في موضع واحد. أما البخاري فقد فرّق الأحاديث في أبواب متعددة، وكرّر المتون بأسانيد مختلفة، فيشق على الحافظ ضبطها.

ويستشهد الشيخ بقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مثالًا على أن الحديث الواحد قد يرويه البخاري في سبعة مواضع من صحيحه، ليبيّن معنى قولهم «ألف ألف حديث» وأن المقصود تعدد الأسانيد.

النقاط الرئيسية

  • ذكر ابن رجب أئمةً كبارًا في الجرح والتعديل لم يذكرهم الترمذي، وأولهم ابن المبارك وأحمد بن حنبل.
  • الكلام في الرجال يحتاج إلى أهلية في العلم والعمل والورع، ويكون نصيحةً لا طعنًا ولا تشهيًا.
  • جمع ابن المبارك خصال الخير كلها، وأجمع الأئمة على إمامته وتقديمه، حتى قال الثوري إنه «عالم المشرق والمغرب».
  • عبارة «في صحيح الحديث شغل عن سقيمه» عامة في كل ضعيف، ولا تختص بشديد الضعف.
  • في العمل بالحديث الضعيف ثلاثة أقوال، والراجح عند الشيخ المنع مطلقًا، ومراد الإمام أحمد بالضعيف ما يسمى «الحسن لغيره».
  • كتب الإمام أحمد ألف ألف حديث، أي إسناد، وكان يحفظها مرتبة على الأبواب وعلى المسانيد.
  • من أراد حفظ الصحيحين فالأيسر أن يبدأ بصحيح مسلم لأنه جمع طرق الحديث في موضع واحد.

الفوائد والعبر

  • ابدأ بإصلاح نفسك علمًا وعبادة قبل أن تتصدر لتقويم الناس والحكم عليهم.
  • اقرأ سير أئمة السلف، فهي تربي الهمة وتعلّم الأدب، والتشبه بهم من أسباب الفلاح.
  • اكتفِ بالأحاديث الصحيحة واجعلها زادك في العلم والعمل، ففيها غنى عن الضعيف والسقيم.
  • رتّب طريقة حفظك ترتيبًا يعين على الضبط والإتقان، كأن تبدأ بصحيح مسلم.
  • محبة أئمة السنة كابن المبارك وأحمد علامة خير، فاعرف لهم قدرهم وادعُ لهم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات