شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" (17) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس السابع عشر من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ الشيخ بتذكير موجز بما انتهى إليه في الدرس الماضي عن الحديث المرسل وأقوال العلماء فيه. ثم ينتقل إلى باب مهم من أبواب علم الجرح والتعديل، وهو اختلاف الأئمة النقاد في الحكم على الرواة، وكيف يتعامل طالب العلم مع هذا الاختلاف.
ويقف الدرس عند أمثلة نقلها الإمام الترمذي، منها ترك شعبة الرواية عن بعض الرواة الحفاظ مع أن غيره من الأئمة وثّقهم، مثل عبد الملك بن أبي سليمان وأبي الزبير المكي وحكيم بن جبير. ثم يشرح تقسيم ابن رجب الرواة إلى أربعة أقسام، وينزّل هذا التقسيم على الرواة المختلف فيهم، ويختم بمثال مشهور هو عكرمة مولى ابن عباس وأقوال الأئمة فيه بين متهم له ومدافع عنه.
والهدف من الدرس أن يعرف المتعلم أسباب اختلاف النقاد، وأن الحكم على الرجال أمر اجتهادي يقوم على جمع الأقوال وفهم مصطلحات الأئمة ومعرفة مخارجها ثم الترجيح بينها بعلم وإنصاف. فلا يقدّم الجرح دائمًا ولا التوثيق دائمًا.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تذكير بأحكام الحديث المرسل
ذكّر الشيخ بأن ابن رجب لخّص أقوال العلماء في المرسل. فمنهم من يردّه لأن الراوي المحذوف مجهول، ومنهم من يقبله. واستدلوا بقول إبراهيم النخعي: إذا روى عن رجل بعينه فقد سمّاه، وإذا قال: «قال عبد الله» وأرسل، فقد سمعه من جماعة من أصحاب ابن مسعود. وهذا يدل على أن مرسل إبراهيم عن ابن مسعود قد يكون أقوى عنده من الموصول.
وبيّن الشيخ أن الحكم على المرسل يتوقف على حال من أرسله. فمن عُرف أنه لا يروي إلا عن الثقات قَبِل الأئمة مراسيله في الغالب، ومن كان يروي عن الثقات والضعفاء ردّوا مراسيله في الغالب. أما من لا يرسل إلا عن الصحابة فمرسله مقبول، لأن جهالة الصحابي لا تضر، فالصحابة كلهم عدول.
المحور الثاني: اختلاف الأئمة في الرجال ومثال الإمام شعبة
نقل الترمذي أن الأئمة اختلفوا في تضعيف الرجال كما اختلفوا في غير ذلك من مسائل العلم. ومن أمثلته أن شعبة تكلم في أبي الزبير المكي وعبد الملك بن أبي سليمان وحكيم بن جبير وترك الرواية عنهم، ثم روى عمّن هو دونهم في الحفظ والعدالة، مثل جابر الجعفي وإبراهيم بن مسلم الهجري ومحمد بن عبيد الله العرزمي. وقد تعجّب أمية بن خالد من أن شعبة يترك عبد الملك ويروي عن العرزمي، مع أن العرزمي أضعف منه بكثير.
وسبب ترك شعبة لعبد الملك أنه تفرّد بحديث الشفعة للجار إذا كان طريقهما واحدًا، وهذا يخالف الرواية المشهورة عن جابر رضي الله عنه. ومع ذلك وثّقه غير واحد من الأئمة، حتى قال سفيان: «كان عبد الملك بن أبي سليمان ميزانًا في العلم». وهذا توثيق كبير، لأن الميزان يوزن به غيره.
ومن الأحاديث التي ذُكرت في هذا الباب:
قال رسول الله ﷺ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا».
وعن جابر رضي الله عنه: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ».
المحور الثالث: أبو الزبير المكي وحكيم بن جبير بين الجرح والتعديل
نقل الترمذي عن عطاء بن أبي رباح أنهم كانوا إذا خرجوا من عند جابر بن عبد الله تذاكروا حديثه، فكان أبو الزبير أحفظهم له. وقال أبو الزبير: كان عطاء يقدّمني إلى جابر لأحفظ لهم الحديث. وهذا توثيق لأبي الزبير في روايته عن جابر خاصة. لكن المشكلة في أبي الزبير هي التدليس، ولهذا يُنظر في تصريحه بالسماع وفي رواية من روى عنه، كرواية الليث بن سعد مثلًا.
ونقل الترمذي أيضًا أن أيوب السختياني كان يقول: «حدثني أبو الزبير، وأبو الزبير...» وقبض سفيان بيده يحكي ذلك. قال الترمذي: إنما يعني به الإتقان والحفظ، أي أنه يتكلم في ضبطه.
أما حكيم بن جبير، فقد تركه شعبة لأنه روى حديث الصدقة. ثم بيّن سفيان الثوري أنه لم يتفرد به، وقال: «سمعت زبيدًا يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد». وهذا يوضح أن الحكم على الراوي بالتفرد يحتاج إلى استقراء وتتبع للطرق.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ».
المحور الرابع: أقسام الرواة عند ابن رجب واختلاف النقاد في تنزيلها
قسّم ابن رجب الرواة إلى أربعة أقسام:
- المتهم بالكذب، وحديثه متروك.
- الصادق الذي يغلب على حديثه الغلط والوهم لسوء حفظه، وحديثه متروك كذلك.
- الصادق الذي يغلط أحيانًا غلطًا قليلًا نادرًا، وهو محتج بحديثه، ومنهم الأئمة الكبار.
- الصادق الذي يغلط كثيرًا لكن الغلط لا يغلب على حديثه، وهذا محل الخلاف في الرواية عنه والاحتجاج به.
والراوي الواحد قد يختلف فيه النقاد: هل هو متهم بالكذب أم لا؟ وإذا لم يكن متهمًا، فهل يغلب الغلط على حديثه أم لا؟ وإذا لم يغلب، فهل غلطه كثير فاحش أم قليل نادر؟ وهذا الاختلاف اجتهادي، والأئمة لم يُعصموا من الخطأ. ولهذا يجمع المحققون أقوال الموثقين والجارحين ثم يرجّحون بحسب القرائن.
ونبّه الشيخ على قواعد عامة في رواية المدلس، ثم ذكر أن لها استثناءات خاصة. منها رواية شعبة عن قتادة، لأن شعبة لا يحمل عن شيوخه إلا ما صرّحوا فيه بالسماع. وكذلك الرواية عن شيوخ أكثر المدلس عنهم. وحثّ على فهم مصطلحات الأئمة، فعبارة «منكر الحديث» مثلًا لها معنى عند البخاري، ومعنى عند أحمد، ومعنى عند ابن عدي.
المحور الخامس: عكرمة مولى ابن عباس مثالًا للمختلف فيه
ضرب ابن رجب مثالًا للقسم الأول المختلف فيه، وهو من اختُلف في اتهامه بالكذب: عكرمة مولى ابن عباس. فقد اتهمه جماعة، منهم سعيد بن المسيب وعطاء وعلي بن عبد الله بن عباس ويحيى بن سعيد الأنصاري. وأنكر ذلك عليهم جماعة آخرون، منهم أيوب السختياني الذي صحبه سنين ولم يرَ منه ما يُتهم به.
ونُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «ما حدّثكم عكرمة عني فصدّقوه، فإنه لم يكذب عليّ». وقال يحيى بن معين: «إذا رأيت إنسانًا يقع في عكرمة فاتهمه على الإسلام». ونقل الخلال عن الإمام أحمد أن عكرمة يحتج بحديثه. وبيّن الشيخ أن أكثر ما رُمي به عكرمة هو رأي الخوارج، وأن التكذيب لم يثبت عليه.
وتعرّض الشيخ أيضًا لترجمة الإمام ابن أبي ذئب، محمد بن عبد الرحمن القرشي العامري، المتوفى سنة ثمان وخمسين ومئة. وقد اشتهر بقول الحق وجهر به في وجه الخليفة المنصور، وأثنى عليه الأئمة في ورعه. وبيّن الشيخ أن منهج أهل السنة مع الحكام هو النصيحة لا الخروج.
النقاط الرئيسية
- يُحكم على المرسل بحسب حال من أرسله: من لا يروي إلا عن الثقات تُقبل مراسيله غالبًا، ومن يخلط بين الثقات والضعفاء تُردّ.
- اختلاف الأئمة في الحكم على الرجال اجتهاد كاختلافهم في سائر مسائل العلم.
- ترك شعبة لبعض الثقات، مع روايته عمّن هو أضعف منهم، يدل على أن لكل ناقد اجتهاده وأسبابه.
- لا يُقدَّم الجرح دائمًا ولا التوثيق دائمًا، بل تُجمع الأقوال وتُعرف مخارجها ثم يُرجّح بينها.
- يقسم ابن رجب الرواة أربعة أقسام: المتهم بالكذب، ومن يغلب على حديثه الغلط، ومن يغلط نادرًا، ومن يكثر غلطه دون أن يغلب.
- لأحاديث المدلسين قواعد عامة لها استثناءات، كرواية شعبة عن قتادة.
- عكرمة مولى ابن عباس مثال مشهور للمختلف فيه، والراجح توثيقه والاحتجاج به.
الفوائد والعبر
- على طالب العلم أن يتأنى في الحكم على الرواة، فلا يكتفي بقول ناقد واحد، بل يجمع الأقوال ويوازن بينها.
- فهم مصطلحات كل إمام في الجرح والتعديل ضروري لتجنب الخطأ في فهم كلامهم.
- الأئمة بشر يجتهدون فيصيبون ويخطئون. وهذا يدعو إلى احترامهم مع عدم تقليدهم في كل حكم.
- الحكم على الراوي بالتفرد يحتاج إلى تتبع الطرق، فقد يتبين أنه متابَع كما في حديث حكيم بن جبير.
- سيرة ابن أبي ذئب تعلّم الصدع بالحق ونصيحة ولاة الأمر مع لزوم منهج أهل السنة في ترك الخروج.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات