شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" (3) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثالث من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ زين الدين ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويُعدّ هذا الكتاب من أنفس ما صُنّف في علم علل الحديث، لأنه يكشف منهج الإمام الترمذي في «جامعه»، ويبيّن صلة الحديث بالفقه، وكيف تعامل أئمة السلف مع الأحاديث من جهة الثبوت ومن جهة العمل.
يواصل الشيخ في هذا الدرس شرح قول الإمام الترمذي إن جميع ما في كتابه من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين بالمدينة من غير خوف ولا سفر، وحديث قتل شارب الخمر في الرابعة. ويعرض استدراكات الحافظ ابن رجب على من ادّعى ترك العمل بأحاديث صحيحة، ثم ينتقل إلى أسانيد الترمذي في نقل أقوال الفقهاء: سفيان الثوري، ومالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
ويهدف الدرس إلى تعليم طالب العلم التفريق بين صحة الحديث والعمل به، والتثبّت قبل دعوى الإجماع، ومعرفة الطرق التي وصلت بها أقوال الأئمة إلى الترمذي، حتى يتعامل مع كتب الحديث والفقه بمنهج علمي رصين.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الفرق بين عدم العلم بالعمل والعلم بعدم العمل
قرّر الشيخ قاعدة جليلة، وهي أن قول العالم «لا أعلم أحدًا من العلماء قال بهذا» لا يعني القطع بأن أحدًا لم يعمل بالحديث. فعدم العلم ليس علمًا بالعدم، ولا يلزم من عدم العلم بالوجود العلمُ بعدم الوجود. فقد يكون للحديث عامل لم يبلغ قوله هذا العالم.
ونبّه كذلك إلى أن العمل بالحديث لا يقتصر على القول بالوجوب. فمن حمل الحديث على الاستحباب فقد عمل به، لأن الاستحباب نوع من العمل. ولو اشترطنا في العمل أن يكون وجوبًا لخرجت المستحبات والسنن المؤكدة، وهي كثيرة جدًا. ومثّل لذلك بتنوّع الأحكام بين فرض العين كالصلوات الخمس، وفرض الكفاية كصلاة الجنازة، والسنة كصلاة الاستخارة، وكلها عمل بالنصوص.
ومن الأمثلة التي ذكرها في هذا الباب حديث الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، وفيه: «هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ». وبيّن الشيخ أن الكلام فيه على لفظة «أو نقص»، إذ ثبت الوضوء مرة مرة ومرتين مرتين، فالمحفوظ ذمّ الزيادة على الثلاث.
المحور الثاني: أحاديث قيل إنها متروكة العمل وبيان من عمل بها أو أوّلها
استعرض الشيخ مع الحافظ ابن رجب جملة من الأحاديث التي ادُّعي ترك العمل بها، وبيّن أن كثيرًا منها إما عُمل به عند بعض العلماء، وإما تُؤوّل تأويلًا يجمع بينه وبين غيره، وإما ضُعّف. ومن هذه الأحاديث:
- حديث عمار في التيمم إلى المناكب والآباط، والصحيح من حديثه أن التيمم ضربة للوجه والكفين.
- حديث الأكل في الصيام بعد طلوع الفجر، وقد حمله العلماء على ما قبل التبيّن، جمعًا بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187].
- أثر أبي طلحة رضي الله عنه في أكل البَرَد وهو صائم، وقد حُمل على أنه اجتهاد منه.
- أحاديث النهي عن كراء الأرض، وأحاديث المتعة، وحديث زكاة الإبل في خمس وعشرين.
- حديث إحداد أسماء بنت عميس على جعفر رضي الله عنهما ثلاثة أيام، وقد قيل إنه منسوخ.
- حديث سلمة بن المحبّق فيمن وقع على جارية امرأته، وحديث من تزوج امرأة فوجدها حبلى، وقد قال الخطابي فيه: لا أعلم أحدًا قال به.
- أحاديث في الحج، كحديث أن المعتمر إذا طاف بالبيت فقد حلّ، وحديث أن الوقوف بعرفة لا يكون إلا قبل طلوع الشمس يوم النحر.
ومن ذلك حديث ميراث المولى من أسفل. فقد روى الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا مات على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثًا إلا عبدًا هو أعتقه، فأعطاه النبي ﷺ ميراثه. قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن، والعمل عند أهل العلم في هذا الباب إذا مات الرجل ولم يترك عصبة أن ميراثه يُجعل في بيت مال المسلمين».
المحور الثالث: التثبّت في دعاوى الإجماع
حذّر الشيخ من التسرّع في دعوى الإجماع على ترك العمل بحديث صحيح. ومثّل بحديث ابن عباس في صحيح مسلم: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً». وبيّن أن وجود من قال به من العلماء يجعل المسألة خلافية لا إجماعية، لأن الخلاف دليل على عدم الإجماع على ترك العمل.
وذكر كذلك دعاوى إجماع أخرى، منها:
- دعوى الإجماع على ترك العمل بأحاديث فسخ الحج إلى العمرة والتمتع.
- دعوى الإجماع على ترك العمل بحديث «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة».
- دعوى الإجماع على ترك العمل بحديث المكاتب الذي يؤدي من دية الحر بقدر ما أدّى.
وأشار إلى ما ادّعاه الطحاوي رحمه الله من الإجماع على ترك العمل بحديث «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا»، وبحديث تحريق متاع الغالّ. وبيّن الشيخ أن في المسألتين من قال بالحديث من أهل العلم، وأن بعض هذه الدعاوى قد يكون من باب التأثر بالمذهب. وختم المحور بقول سفيان الثوري في حديث ابن عمر: «من لم يدرك الصلاة بجمع -أي بمزدلفة- مع الإمام...»، إذ قال الثوري: «أحاديث لا يُؤخذ بها».
المحور الرابع: مصادر الترمذي في نقل أقوال الفقهاء
انتقل الشيخ إلى بيان أسانيد الترمذي إلى أقوال الأئمة التي يذكرها في جامعه، وهذا مما يميّز «جامع الترمذي» بوصفه كتاب حديث وفقه معًا. وقد صدّر ذلك بقول علي بن المديني إن الإسناد من الدين.
- سفيان الثوري (ت 161هـ): أكثر ما يرويه عنه من طريق محمد بن عثمان الكوفي عن عبيد الله بن موسى عن سفيان. ومنه ما رواه عن أبي الفضل مكتوم بن العباس الترمذي عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان. وناقش الشيخ تعيين محمد بن عثمان الكوفي: هل هو ابن أبي شيبة أم ابن كرامة.
- مالك بن أنس إمام دار الهجرة (ت 179هـ): يرويه من طريق إسحاق بن موسى الأنصاري عن معن بن عيسى القزاز عن مالك، وفي أبواب الصوم من طريق أبي مصعب المدني عن مالك.
- عبد الله بن المبارك: يرويه من طرق، منها أحمد بن عبدة الآملي، وأبو وهب محمد بن مزاحم، وعلي بن الحسن بن شقيق، وحبّان بن موسى.
- الإمام الشافعي (ت 204هـ): أكثره عن الحسن بن محمد الزعفراني. وفي الوضوء والصلاة عن أبي الوليد المكي، ومنه ما يرويه عن أبي إسماعيل الترمذي عن يوسف بن يحيى البويطي، ومنه ما أجازه له الربيع وكتب به إليه.
- أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: يروي أقوالهما عن إسحاق بن منصور الكوسج، إلا في أبواب الحج والديات والحدود فإنه لم يسمعها منه، وبعض كلام إسحاق يرويه عن محمد بن أفلح.
وبيّن الشيخ أن الترمذي اعتمد في كلامه على علل الأحاديث والرجال والتاريخ على ما أخذه عن الإمام البخاري وغيره من الأئمة.
النقاط الرئيسية
- عدم العلم بمن عمل بالحديث ليس علمًا بعدم العمل به.
- الحمل على الاستحباب عمل بالحديث، ولا يُشترط في العمل أن يكون وجوبًا.
- صحة الحديث شيء، والعمل به أو تأويله أو القول بنسخه شيء آخر.
- كثير من الأحاديث التي ادُّعي تركها قال بها بعض العلماء أو حملوها على وجه صحيح.
- وجود الخلاف في مسألة ينقض دعوى الإجماع على ترك العمل بالحديث.
- دعاوى الإجماع قد يدخلها التأثر بالمذهب، فلا بد من التحقق منها.
- للترمذي أسانيد معروفة إلى أقوال الفقهاء، وهذا يدل على عنايته بالإسناد في الفقه كعنايته به في الحديث.
الفوائد والعبر
- أن يتأنّى طالب العلم في الحكم على الأقوال، فلا ينفي ما لم يحط به علمًا.
- أن يجمع بين الصناعة الحديثية والفقه، فيعرف ثبوت الحديث ثم وجه العمل به عند الأئمة.
- أن يعظّم الإسناد، فكما يُطلب السند في الحديث يُطلب في نقل أقوال العلماء ومذاهبهم.
- أن يتجرد للحق ويحذر التعصب المذهبي الذي قد يحمل على ادّعاء إجماع لا يصح.
- أن يدرس كتب الأئمة المتقدمين كجامع الترمذي وشروحها، ففيها مفاتيح فهم منهج السلف في التعامل مع السنة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات