شرح علل الترمذي " قواعد في علم الرجال "( 38) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري
المقدمة
هذا هو المجلس الثامن والثلاثون من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس بابًا من أدق أبواب علم الرجال والعلل، وهو معرفة طبقات أصحاب الأئمة المكثرين ومراتبهم في شيوخهم. ويركّز المجلس على أصحاب الإمام قتادة بن دعامة السدوسي، ثم يبدأ في الكلام على أصحاب الإمام أيوب السختياني.
وتظهر أهمية هذا الباب في أن الناقد إذا وقف على اختلاف الرواة عن شيخ واحد، رفعًا ووقفًا، أو وصلًا وإرسالًا، احتاج إلى معرفة أوثق أصحاب ذلك الشيخ وأضبطهم لحديثه. وبهذه المعرفة يرجّح بين الروايات، ويميّز المحفوظ من الشاذ والمنكر. وهذا من صميم علم العلل الذي برع فيه أئمة الحديث كأحمد وابن معين وابن مهدي والبرديجي والدارقطني.
أهداف التعلم: أن يعرف الطالب طبقات أصحاب قتادة، الحفاظ منهم والشيوخ والضعفاء فيه. وأن يفهم قواعد الترجيح عند اختلافهم كما قرّرها البرديجي وشرحها ابن رجب. وأن يعرف معنى «المنكر» عند البرديجي. وأن يتعرّف على أوثق أصحاب أيوب السختياني، وموقف الأئمة من المفاضلة بين حماد بن زيد وإسماعيل بن عُليّة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: أوثق أصحاب قتادة وأقوال الأئمة في المفاضلة بينهم
افتتح الدرس بخبر عن منع قتادة من الكتابة عنه. فقد سمع منه أحد الرواة وحفظ ما سمع، ثم نسي شيئًا منه كعادة البشر. فلما جالس سعيد بن أبي عروبة تذكّر ما كان سمعه من قتادة، فأفاده سعيد فيه. وفي هذا دلالة على مكانة سعيد في حفظ حديث قتادة.
ونقل ابن رجب سؤال إسحاق بن هانئ للإمام أحمد عن أحبّ أصحاب قتادة إليه، وذكر أربعة منهم: سعيد بن أبي عروبة، وهمّام بن يحيى العوذي، وشعبة بن الحجاج، وهشام الدستوائي. ونقل عن عبد الرحمن بن مهدي ثناءه على ضبط سعيد لحديث قتادة.
ونقل كذلك سؤال عثمان بن سعيد الدارمي ليحيى بن معين عن شعبة وهشام في قتادة، وقد ذكر الدارمي أن هشامًا في قتادة أكبر من شعبة. وقال شعبة نفسه: «هشام الدستوائي أعلم بحديث قتادة، وأكثر مجالسةً له مني». وهذه شهادة من إمام جليل لقرينه، وهي من إنصاف أهل العلم.
وجمع الإمام أحمد بين هذه الأقوال، فجعل أصحاب قتادة الكبار شعبة وسعيدًا وهشامًا. وبيّن أن شعبة لم يبلغ مبلغ صاحبيه في كثرة المجالسة وسعة الحفظ، لكنه أتقنهم. فقد كان شعبة يقف عند ألفاظ قتادة، ولا يروي عنه إلا ما صرّح فيه بالسماع، لأن قتادة كان يدلّس. أما سعيد فكان يحفظ كل شيء.
المحور الثاني: قواعد الترجيح عند اختلاف أصحاب قتادة (منهج البرديجي)
قرّر البرديجي أن رواية شعبة وهشام وسعيد عن قتادة عن أنس صحيحة. وجعل الرواة عن قتادة طبقتين: الحفاظ الثلاثة وهم شعبة وسعيد وهشام، والشيوخ مثل حماد بن سلمة وهمّام وأبان بن يزيد العطار ونحوهم. ثم وضع قواعد للترجيح بينهم:
- إذا روى سعيد حديثًا مرفوعًا وخالفه هشام وشعبة، فالقول قولهما، لأن الاثنين من الحفاظ يُقدَّمان على الواحد.
- إذا روى أحد الشيوخ، كحماد أو همّام أو أبان، حديثًا وخالفه واحد من الحفاظ الثلاثة، فالقول قول الحافظ.
- إذا اتفق الشيوخ الثلاثة على رواية وخالفهم واحد من الحفاظ، يُتوقف في الحديث حتى تظهر قرينة.
- إذا اختلف الحفاظ الثلاثة كلهم، فأرسل أحدهم ورفع الآخر ووقف الثالث، يُتوقف في الحديث.
- إذا خالف هشام شعبة، ففي المسألة قولان: تقديم قول شعبة، أو التوقف.
وبيّن ابن رجب وجه التوقف عند اتفاق ثلاثة من الشيوخ على مخالفة حافظ واحد. فالشيوخ يقلّ الخطأ منهم إذا اجتمعوا، واجتماعهم قرينة على أن قتادة ربما روى الحديث على الوجهين. ولا يُحكم بوهم ثلاثة رواة بمجرد مخالفتهم لواحد، وإن كان أوثق منهم. وهذا يدل على أن الترجيح عند أئمة العلل يقوم على الموازنة بين القرائن، لا على قاعدة مطّردة واحدة.
المحور الثالث: تفرّد الشيوخ عن قتادة ومعنى المنكر عند البرديجي
نقل ابن رجب عن البرديجي حكمه في الأحاديث التي يتفرّد بها الشيوخ عن قتادة، كحماد بن سلمة وهمّام وأبان والأوزاعي:
- إن كان الحديث محفوظًا عن النبي ﷺ من طريق آخر، فلا يُتكلّم فيه.
- إن كان لا يُعرف عن النبي ﷺ إلا من تلك الرواية، فهو منكر.
ونبّه الشيخ على أن «المنكر» عند البرديجي يُطلق على الحديث الفرد الذي ينفرد به الراوي ولا يُعرف من غير طريقه. وهذا اصطلاح خاص يختلف عن الاصطلاح الذي استقر عند المتأخرين، وقد بسط ابن رجب الكلام فيه في موضع آخر من الكتاب عند الكلام على المنكر واختلاف الحفاظ فيه.
المحور الرابع: الضعفاء في قتادة وتلخيص طبقات أصحابه
بعد ذكر الثقات انتقل ابن رجب إلى من في روايته عن قتادة ضعف، يسير أو شديد. ومن الفوائد هنا أن الراوي قد يكون ثقة إمامًا في شيخ، ضعيفًا في شيخ آخر:
- حماد بن سلمة: ذكر الإمام مسلم في كتاب «التمييز» أنه يخطئ في حديث قتادة كثيرًا.
- معمر بن راشد: قال الدارقطني إنه سيئ الحفظ لحديث قتادة والأعمش، مع أنه من أثبت الناس في الزهري. وقال معمر عن نفسه: «جلست إلى قتادة وأنا صغير فلم أحفظ عنه الأسانيد».
- عمرو بن الحارث المصري: روى عن قتادة مناكير، كما نقل الأثرم عن أحمد.
- جرير بن حازم: كان يحدّث عن قتادة بأشياء يتوهّمها، يُسند ما ليس بمسند.
- سليمان التيمي: حديثه عن قتادة مضطرب.
- يزيد بن إبراهيم التستري: ليس بذاك في قتادة.
وخلص الشيخ إلى تلخيص طبقات أصحاب قتادة على ثلاث مراتب:
- الطبقة الأولى: هشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة. وشعبة أتقنهم في تمييز ما سمعه قتادة مما لم يسمعه.
- الطبقة الثانية (الشيوخ): همّام بن يحيى، وأبان بن يزيد العطار، وحماد بن سلمة، وأبو عوانة، ونحوهم.
- الطبقة الثالثة (الضعفاء في قتادة): معمر، وجرير بن حازم، وسليمان التيمي، ويزيد بن إبراهيم، وعمرو بن الحارث.
المحور الخامس: أصحاب أيوب السختياني والمفاضلة بين حماد بن زيد وابن عُليّة
انتقل الشرح إلى أصحاب الإمام أيوب السختياني. فنقل عن الإمام أحمد قوله: «ما أحد أعلم بحديث أيوب من حماد بن زيد»، مع إقراره بأنه قد أخطأ في أشياء كما يخطئ سائر الرجال. وقال يحيى بن معين: «ليس أحد أثبت في أيوب من حماد بن زيد». وقال أيضًا: «إذا خالف سفيانُ الثوري حمادَ بن زيد في أيوب فالقول قول حماد»، بل قال: «ومن خالفه من الناس جميعًا في أيوب فالقول قوله». وهذا اختيار ابن عدي وغيره.
وذكر أن الجمهور يجعلون حماد بن زيد أثبت أصحاب أيوب، ويليه عبد الوارث بن سعيد التنوري وإسماعيل بن عُليّة. ورجّحت طائفة ابنَ عُليّة على حماد، فقال البرديجي: «ابن عُليّة أثبت من حماد في أيوب»، وقال آخرون: حماد مقدَّم. ثم مثّل بحديث اختلفا فيه، رواه أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه، فوقفه ابن عُليّة ورفعه حماد، وهو قوله ﷺ:
«لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ»
وبيّن ابن رجب أن وقف هذا الحديث لا يضرّه. فقد كان ابن سيرين كثيرًا ما يقف الأحاديث تورّعًا، والناس يخالفونه فيرفعونها. فالوقف في رواية ابن سيرين ليس علّة قادحة دائمًا، بل هو من عادته المعروفة. وهذا مثال على أن معرفة عادات الرواة وطرائقهم في التحديث أصل في الحكم على الاختلاف.
النقاط الرئيسية
- أوثق أصحاب قتادة ثلاثة: هشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة بن الحجاج.
- شعبة أتقنهم في تمييز سماع قتادة من تدليسه، وهشام وسعيد أكثر منه مجالسة وحفظًا لحديث قتادة.
- إذا اتفق اثنان من الحفاظ الثلاثة على مخالفة الثالث قُدِّم قولهما. وإذا خالف حافظٌ واحدٌ شيخًا واحدًا قُدِّم الحافظ. وإذا اجتمع ثلاثة من الشيوخ على مخالفة حافظ يُتوقف.
- المنكر عند البرديجي هو الحديث الفرد الذي لا يُعرف إلا من طريق راويه.
- الراوي قد يكون ثقة في شيخ وضعيفًا في آخر، كمعمر: إمام في الزهري، ضعيف في قتادة والأعمش.
- حماد بن زيد أثبت أصحاب أيوب السختياني عند أحمد وابن معين وابن عدي، ويليه عبد الوارث التنوري وإسماعيل بن عُليّة.
- وقف ابن سيرين للأحاديث من عادته المعروفة، فلا يُعلّ به المرفوع بالضرورة.
الفوائد والعبر
- دقة منهج المحدّثين: لم يكتفِ الأئمة بالحكم على الراوي توثيقًا وتضعيفًا مطلقًا، بل فصّلوا حاله في كل شيخ. وهذا يعلّم طالب العلم التأنّي والتفصيل قبل إطلاق الأحكام.
- الإنصاف وأدب الأقران: شهادة شعبة بأن هشامًا أعلم منه بحديث قتادة درس في التواضع والاعتراف بفضل الآخرين.
- الترجيح بالقرائن: علم العلل لا يقوم على قواعد جامدة، بل على الموازنة بين العدد والحفظ والملازمة وعادات الرواة. فينبغي للباحث أن يجمع الطرق ويوازن بينها قبل الحكم.
- أهمية الضبط والتثبّت: تحرّي شعبة لألفاظ السماع يحثّ طالب العلم على التثبّت في النقل، وألا ينسب إلى أحد إلا ما تحقّق منه.
- التواضع في العمل: في حديث «لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ» تذكير بأن النجاة برحمة الله تعالى، فيجتهد المسلم في العمل ولا يغترّ به، ويرجو رحمة ربه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات