شرح كتاب " علل الترمذي " للحافظ ابن رجب الحنبلي ( 31) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,961 مشاهدة
318 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الحادي والثلاثون من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وهو الدرس السادس في شرح القواعد. يواصل فيه الشيخ الكلام عن الثقات الذين ضُعِّفوا في بعض الأحوال دون بعض. ومنهم الرواة الذين اختلطوا أو تغيّر حفظهم في آخر أعمارهم، ومنهم من أضرّ (أي فقد بصره) في آخر أمره وكان يعتمد على كتابه ولا يحفظ حفظًا جيدًا.

ولهذا الباب أهمية كبيرة في علم الحديث، لأن الحكم على الراوي لا يكون بإطلاق دائمًا. فقد يكون حديث الراوي صحيحًا إذا رواه عنه من سمع منه قديمًا، ويكون ضعيفًا إذا رواه من سمع منه بعد تغيّره. فمعرفة أحوال الرواة وأوقات سماع تلاميذهم منهم من أدقّ أبواب علم العلل، وبها يُميَّز الصحيح من السقيم.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم تراجم عدد من الأئمة الذين وُصفوا بالاختلاط أو التغيّر، وأقوال النقاد فيهم ومناقشتها، والفرق بين المتشددين والمعتدلين من أئمة الجرح والتعديل. كما يهدف إلى غرس الإنصاف والعدل في الحكم على الرجال، وبيان خطورة التلقين والاعتماد على الكتاب دون حفظ.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: افتتاح الدرس بخطبة الحاجة والتمسك بالسنة

افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمها أصحابه، وهي سنة ماضية في افتتاح الدروس والمجالس. وفيها التذكير بتقوى الله، والتحذير من المحدثات في الدين، وبيان أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن الآيات التي تُتلى في هذه الخطبة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

ومن الحديث: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: ثقات تغيّروا في آخر أعمارهم ولم يضرّ ذلك حديثهم

أول من ذُكر عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي البصري، وهو أحد الحفاظ المشهورين، تغيّر حفظه في آخر عمره. قال أبو داود: «جرير بن حازم وعبد الوهاب الثقفي تغيّرا فحُجب الناس عنهم». وعلّق الشيخ بأن هذا كلام عظيم، لأن الراوي إذا تغيّر أو اختلط ولم يحدّث بعد اختلاطه بقي حديثه على السلامة. فيكون حديثه صحيحًا إذا كان من روى عنه ثقة، وكان من روى هو عنه ثقة أيضًا.

ثم ذُكر الإمام الكبير سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي، إمام أهل مكة. نقل ابن عمار الموصلي عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: «أشهد أن ابن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها فسماعه لا شيء». فاستبعد الحافظ الذهبي هذا القول من القطان، لأن القطان مات في صفر سنة ثمان وتسعين، وذلك قبل وصول الحجاج وأخبارهم. ثم بيّن الشيخ أن القطان من المتشددين في الجرح ويقابله من المعتدلين عبد الرحمن بن مهدي، وأن ابن معين من المتشددين ويقابله الإمام أحمد. وقرّر أن ما حدث لابن عيينة إنما هو تغيّر في الحفظ قرب الموت، وهو أمر يعرض للإنسان في الكِبَر، وليس اختلاطًا يُسقط حديثه.

ومنهم أبان بن صمعة، وهو ثقة اختلط بأخرة كما ذكر يحيى وابن مهدي وأحمد. لكن ابن عدي ذكر في «الكامل» أنه لم يجد له حديثًا منكرًا، فدلّ ذلك على أنه لم يحدّث في حال اختلاطه. ونبّه الشيخ هنا إلى ضرورة التفريق في كتب الرجال بين يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين عند إطلاق اسم «يحيى».

المحور الثالث: رواة اختلطوا فيُفرَّق بين قديم حديثهم وحديثه بعد الاختلاط

ومنهم صالح بن نبهان مولى التوأمة، اختلط بأخرة، فمن سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، قاله الإمام أحمد وغيره. ومن هؤلاء محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، الإمام القوّال بالحق الآمر بالمعروف. أما سفيان الثوري فسمع منه بعد أن خرف. وقول مالك فيه إنه «ليس بثقة» سببه أنه أدركه وقد اختلط. وقال ابن حبان: اختلط حديثه القديم بالحديث ولم يتميّز فاستحق الترك. وأنصف الشيخ هنا فقرر أن رواية ابن أبي ذئب وموسى بن عقبة عنه من صالح حديثه. ونبّه إلى أن العدل والإنصاف في الحكم على الرجال شيء، وأن بدعة «الموازنات» شيء آخر.

ومنهم محمد بن الفضل السدوسي الملقّب بـ«عارم»، شيخ البخاري، وهو أحد الثقات المتفق على تخريج حديثهم، اختلط في آخر عمره. قال العقيلي: سمع منه علي بن عبد العزيز البغوي بعد اختلاطه. ومثّل ابن رجب لذلك بحديث رواه عارم في حال اختلاطه عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس مرفوعًا. ورواه قبل اختلاطه عن حماد عن حميد عن الحسن مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا رواه عفان عن حماد، وهو الصواب. والحديث معروف من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». ونبّه الشيخ على أن صحة متن الحديث من وجه آخر لا تعني صحة كل إسناد يُروى به، وهذه هي صنعة الحديث.

ومنهم أبو قلابة الرقاشي عبد الملك بن محمد، وفرّق الشيخ بينه وبين أبي قلابة الجرمي عبد الله بن زيد التابعي الذي فرّ من القضاء. قال ابن خزيمة: «حدثنا أبو قلابة بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد»، فحديثه بالبصرة أمثل من حديثه ببغداد. وذكر ابن رجب أنه كان كثير الوهم قبل اختلاطه أيضًا لسوء حفظه.

المحور الرابع: من أضرّ في آخر عمره ولم يكن يحفظ جيدًا (يزيد بن هارون)

ويلتحق بالمختلطين من أضرّ في آخر أمره وكان لا يحفظ حفظًا جيدًا، فربما حدّث من حفظه فغلط، أو لُقِّن فتلقّن. ومن هنا تظهر خطورة الاعتماد على ضبط الكتاب وحده إذا لم يكن الراوي حافظًا لما فيه، فضبط الصدر أرفع من ضبط الكتاب.

ومن هؤلاء يزيد بن هارون رحمه الله، وكان المأمون يهابه ويخشى أن يجهر بالقول بخلق القرآن في حياته، فلم يجهر بذلك إلا بعد موته. وأخذ الشيخ من هذا درسًا عظيمًا: العالم إذا أصلح ما بينه وبين الله أخاف الله منه الخلق. ثم ذكر أن يزيد كان يُعاب عليه أنه لمّا أضرّ كانت جاريته تلقّنه الأحاديث من كتابه، وقد عاب ذلك عليه أبو خيثمة. وقرّر ابن رجب أن هذا لا يوجب تضعيفه ولا تليينه، فقد احتج به الجماعة كلهم. وناقش الشيخ المسألة فقال: إن كانت تلقّنه من أحاديثه هو فلا شيء عليه، لأنه كان ضابطًا لكتابه.

وفي أثناء الكلام استطرد الشيخ إلى بيان خطورة مخالفة الإجماع المنقول نقلًا وعملًا، كالإجماع الذي نقله الجويني في أن الولاية العامة ليست من شأن النساء. وقرّر أن نقض الإجماع لا يكون بالطعن في معتقد ناقله، وإنما يكون بإثبات المخالف المعتبر.

المحور الخامس: الإمام عبد الرزاق الصنعاني وتلقينه بعد العمى

ومنهم الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب «المصنَّف». رُحل إليه رحلة لم تكن لأحد مثلها حتى قيل إنه لم يُرحل إلى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رُحل إليه. توفي سنة إحدى عشرة ومئتين عن خمس وثمانين سنة. قال الإمام أحمد: من سمع منه بعد ما ذهب بصره فلا يُعبأ بحديثه، كان يُلقَّن أحاديث باطلة. وذكر أنه وُجدت عنه أحاديث عن الزهري على خلاف ما في أصل كتابه. وقال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بأخرة. ونبّه الشيخ إلى ترجمة أحمد بن الأزهر النيسابوري وحديثه عن عبد الرزاق في الحب والبغض، وإلى أن ما رُوي عنه من أحاديث مناكير في فضل علي وأهل البيت قد يكون مما لُقِّنه بعد العمى.

وذكر عبد الله بن أحمد أنه سمع يحيى بن معين يقول في حديث عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه في المسح على الجبائر: «باطل، ما حدّث به معمر قط». والحديث إنما يُعرف من رواية عمرو بن خالد الواسطي، وهو متروك. وقال ابن معين: «عليه مائة بدنة مقلّدة مجلّلة إن كان معمر حدّث بهذا». وقال: «لو حدّث بهذا عبد الرزاق كان حلال الدم». وبيّن الشيخ أن هذا من باب المبالغة في التنفير والتحذير، لا على ظاهره، ونظيره قول شعبة في أبان بن أبي عياش. وكلام الأئمة يُحمل على أحسن محامله، وفيه بيان لعظم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

ثم ختم الشيخ بالمقارنة: إذا كانت هذه شدة الأئمة على من أخطأ في حديث واحد، فكيف بمن غيّر في دين الله، وخالف منهج السلف، وأضلّ الأمة عن منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

النقاط الرئيسية

  • الراوي الثقة الذي تغيّر أو اختلط ولم يحدّث بعد اختلاطه يبقى حديثه على السلامة، كعبد الوهاب الثقفي وأبان بن صمعة.
  • ما وقع لسفيان بن عيينة إنما هو تغيّر في الحفظ قرب الموت، وقد استبعد الذهبي دعوى القطان أنه اختلط سنة سبع وتسعين.
  • معرفة المتشددين والمعتدلين من أئمة الجرح والتعديل ضرورية، فالقطان يقابله ابن مهدي، وابن معين يقابله أحمد.
  • في المختلطين يُفرَّق بين من سمع منهم قديمًا ومن سمع بعد الاختلاط، كما في صالح مولى التوأمة وعارم وأبي قلابة الرقاشي.
  • صحة متن الحديث من طريق آخر لا تعني صحة كل إسناد يُروى به، ومثاله حديث «اتقوا النار ولو بشق تمرة».
  • من أضرّ في آخر عمره وكان لا يحفظ جيدًا يُخشى عليه التلقين، كما وقع لعبد الرزاق بعد العمى، أما يزيد بن هارون فلا يُضعَّف بذلك.
  • عبارات الأئمة الشديدة في الجرح تُحمل على المبالغة في التحذير، ولا تؤخذ على ظاهرها.

الفوائد والعبر

  • العدل والإنصاف في الحكم على الرجال، فيُقبل صالح حديث الراوي ويُترك ما أخطأ فيه، دون تعميم الحكم.
  • من أصلح ما بينه وبين الله أخاف الله منه الخلق، كما كان المأمون يهاب يزيد بن هارون ولم يجهر ببدعته إلا بعد موته.
  • ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالحفظ مع الكتاب، فضبط الصدر أرفع من ضبط الكتاب، وبه يأمن الإنسان التلقين والخطأ.
  • ينبغي الحذر من مخالفة الإجماع المنقول، ونقضه لا يكون إلا بإثبات المخالف المعتبر، لا بالطعن في ناقله.
  • غيرة الأئمة الشديدة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم تدعو المسلم إلى التثبت قبل نسبة أي حديث إليه صلى الله عليه وسلم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات