شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" ( 23 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,451 مشاهدة
344 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثالث والعشرون من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس مبحثًا دقيقًا من مباحث علوم الحديث، هو الحديث الغريب عند أهل الحديث، وما ذكره الحافظ ابن رجب من أنواعه ومعانيه، مع الأمثلة التطبيقية من كتب السنة، ولا سيما من جامع الإمام الترمذي والصحيحين.

وتنبع أهمية هذا الموضوع من أن الغرابة وصفٌ يتعلق بتفرد الراوي، وهو لا يلزم منه ضعف الحديث دائمًا ولا صحته دائمًا. ففي الصحيحين أحاديث غريبة صحيحة متلقاة بالقبول، وفي غيرهما غرائب ضعيفة ومنكرة. والتمييز بين هذا وذاك من صميم علم العلل الذي برع فيه الأئمة النقاد.

ومن أهداف هذا الدرس أن يعرف طالب العلم أقسام الغريب: الغريب متنًا وإسنادًا، والغريب إسنادًا مع شهرة السند، والغريب بسبب زيادة في المتن. وأن يفهم صلة الغريب بمبحث زيادة الثقات، وشرط الإمام الترمذي في قبول الزيادة. وأن يتعلم الأدب العلمي في التعامل مع كلام الأئمة وأحكامهم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: معاني الغريب عند أهل الحديث والغريب المطلق

بيّن الحافظ ابن رجب أن الغريب عند المحدثين يُطلق على معانٍ. أولها أن يكون الحديث لا يُروى إلا من وجه واحد، وهذا هو الغريب متنًا وإسنادًا، أو الغريب المطلق. ومثاله المشهور حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في النية، فإنه لم يصح إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر رضي الله عنه.

وقد نبّه الشيخ إلى خطأ من ضعّف هذا الحديث مستدلًا بقول الإمام أحمد في محمد بن إبراهيم التيمي إنه «يروي أحاديث مناكير». وبيّن الفرق بين قولهم في الراوي «منكر الحديث» وقولهم «يروي المناكير» أو «في حديثه مناكير». فالأول وصف للراوي يغلب على حديثه النكارة. والثاني قد يُراد به أنه يتفرد بأحاديث، إذ كان المتقدمون يطلقون «المنكر» أحيانًا على الفرد الغريب ولو كان راويه ثقة. وهذا الحديث قد أجمعت الأمة على قبوله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (متفق عليه).

المحور الثاني: الغريب إسنادًا ونوعه الأول، وحديث أبي العُشَراء في الذكاة

ذكر ابن رجب أن الغريب من جهة الإسناد نوعان. النوع الأول أن يكون الإسناد واحدًا لا يُروى به إلا ذلك الحديث، ولا يُعرف المتن إلا به. ومثّل له بحديث حماد بن سلمة، عن أبي العُشَراء الدارمي، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذكاة في الفخذ.

وقد خرّجه الترمذي في كتاب الصيد والذبائح وقال: «لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث». ونقل ابن رجب عن البخاري في «التاريخ الكبير» نحو ذلك. وأبو العشراء مجهول لم يرو عنه إلا حماد بن سلمة، ولذلك ضعّف الإمام أحمد هذا الحديث. ثم اشتهر الحديث عن حماد فرواه عنه جماعة، فصار أصل إسناده غريبًا ثم اشتهر عن حماد.

وبيّن الترمذي أن العمل ليس على هذا الحديث، فإن الذكاة لا تكون إلا في الحلق واللبة، إلا في حال الضرورة. وأشار الشيخ إلى أن الذكاة في اللغة تدل على التمام، ومنه تذكية الذبيحة.

المحور الثالث: الغريب مع شهرة الإسناد، وحديث النهي عن بيع الولاء وهبته

النوع الثاني من الغريب إسنادًا أن يكون الإسناد مشهورًا يُروى به أحاديث كثيرة، لكن هذا المتن بعينه لم يصح إلا بهذا الإسناد. ومثاله حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما في النهي عن بيع الولاء وعن هبته، فإنه لا يصح إلا من هذا الوجه، ومن رواه من غير هذا الوجه فقد وهم.

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» (متفق عليه).

ونقل ابن رجب أن الإمام أحمد تكلّم فيه، وأشار إلى أن نافعًا روى عن ابن عمر ما يخالفه موقوفًا. وناقش الشيخ هذا الإعلال، فبيّن أن الشيخين البخاري ومسلمًا اعتمدا حديث عبد الله بن دينار وأخرجاه. وحديث عبد الله بن دينار حديث قائم بذاته، وحديث نافع حديث قائم بذاته، ونافع وعبد الله بن دينار كلاهما من أوثق الناس في ابن عمر. وكذلك حديث «إِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» حديث مستقل.

واستفاد الشيخ من ذلك أن في التصحيح والتعليل ما هو محل اجتهاد بين الأئمة، وما أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول. وحذّر من التسرّع في تضعيف أحاديث الصحيحين بالتقاط عبارة لإمام دون فهم مقصوده. كما انتقد من يطعن في أحكام أهل العلم على أحاديث الصحيح بدافع الهوى، ومن يتوسع في تقوية الأحاديث بكثرة الطرق ولو كانت شديدة الضعف.

ومن أمثلة الغريب في الصحيح أيضًا حديث مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن أنس رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ» (متفق عليه)، فإنه لم يصح إلا من هذا الوجه.

المحور الرابع: الغريب بسبب الزيادة في المتن وصلته بزيادة الثقات

ذكر الترمذي ثم ابن رجب نوعًا آخر من الغريب، وهو أن يكون الحديث في نفسه معروفًا، لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تُستغرب. فإن قُبلت هذه الزيادة كانت من «زيادات الثقات»، وإن رُدّت كانت شاذة. وإنما تُقبل عند الترمذي إذا كانت ممن يُعتمد على حفظه وإتقانه من الأئمة الكبار.

ومثّل لذلك بزيادة الإمام مالك لفظة «من المسلمين» في حديث زكاة الفطر، من روايته عن نافع عن ابن عمر، وهي من أصح الأسانيد عند البخاري. فقد روى غيرُ واحد من الأئمة، كعبيد الله بن عمر، هذا الحديث عن نافع دون هذه الزيادة. وتابع مالكًا بعضُ من لا يُعتمد على حفظه.

«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (رواه مالك والشيخان).

وقد أخذ غيرُ واحد من الأئمة، منهم الشافعي وأحمد، بحديث مالك. فقالوا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين لم يؤدِّ عنهم زكاة الفطر. وهذا يدل على قبول زيادة الحافظ المتقن، وأن العبرة بإتقان الراوي وحفظه.

المحور الخامس: آداب طالب العلم والتحذير من أهل الدعاوى

تخلل الدرس توجيهات تربوية مهمة. منها التحذير من سرقة جهود الآخرين ونسبة الكتب إلى غير مؤلفيها طلبًا لتكثير المؤلفات. ومنها التحذير من الجماعات التي تدّعي أنها وحدها «جماعة المسلمين» وتعتزل مساجد المسلمين.

وبيّن الشيخ أن الأصل الستر وعدم التعرض للأشخاص بأسمائهم. أما من أظهر بدعته ودعا إليها فيجب بيان حاله نصحًا للأمة وحماية للسنة، مع الدعاء له بالتوبة والرجوع إلى الحق.

النقاط الرئيسية

  • الغريب عند المحدثين يطلق على معانٍ، أولها الغريب متنًا وإسنادًا (الغريب المطلق) كحديث «إنما الأعمال بالنيات».
  • الغريب إسنادًا نوعان: إسناد واحد لا يُروى به إلا حديث واحد (كحديث أبي العشراء)، وإسناد مشهور تفرد بمتن معين (كحديث النهي عن بيع الولاء وهبته).
  • الغرابة لا تستلزم الضعف، ففي الصحيحين أحاديث غريبة صحيحة، وأكثر الغرائب في غيرهما ضعيفة.
  • هناك فرق بين قولهم «منكر الحديث» وقولهم «يروي المناكير»، والمنكر عند المتقدمين قد يراد به مطلق التفرد.
  • حديث الثقة المتقن قائم بذاته، ولا يُعلّ بحديث ثقة آخر إذا أمكن أن يكونا حديثين مستقلين.
  • الزيادة في المتن إن قُبلت فهي من زيادات الثقات، وإن رُدّت فهي شاذة، والترمذي يقبلها ممن يُعتمد على حفظه.
  • زيادة مالك «من المسلمين» في زكاة الفطر مثال تطبيقي على زيادة الثقة، وقد عمل بها الشافعي وأحمد.

الفوائد والعبر

  • التثبت قبل الحكم: على طالب العلم ألا يتعجل في تضعيف حديث بمجرد عبارة لإمام، بل يفهم مراد الأئمة واصطلاحاتهم.
  • تعظيم الصحيحين: ما تلقته الأمة بالقبول من أحاديث الصحيحين لا يُطعن فيه بالهوى، مع الإقرار بأن بعض المواضع محل اجتهاد بين الأئمة النقاد.
  • الاعتدال في تقوية الأحاديث: جمع الطرق لا ينفع إذا كانت الطرق شديدة الضعف من رواية المتهمين أو كثيري الغلط.
  • الأمانة العلمية: نسبة جهود الآخرين إلى النفس خيانة علمية يجب الحذر منها.
  • لزوم جماعة المسلمين: ينبغي الحذر من دعاوى الجماعات التي تحتكر وصف «جماعة المسلمين» وتعتزل مساجدهم، مع النصح والدعاء لهم بالهداية.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات