شرح كتاب " علل الترمذي " للحافظ ابن رجب الحنبلي ( 27 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,559 مشاهدة
93 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس السابع والعشرون من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس بابًا دقيقًا من أبواب علم العلل، وهو معرفة طبقات أصحاب الأئمة المكثرين، ومن هو أوثق الناس وأثبتهم في كل شيخ منهم. وبهذه المعرفة يميز الناقد الرواية المحفوظة من غيرها عند اختلاف الرواة.

ويقف الشيخ في هذا الدرس عند أصحاب ثلاثة من كبار الأئمة: يحيى بن أبي كثير، وهشام بن عروة، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. فيعرض أقوال الأئمة النقاد فيهم، كالإمام أحمد وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأبي حاتم الرازي، ويوازن بينها ويشرح ما تحمله من قواعد نقدية.

والمقصود من الدرس أن يعرف طالب العلم مراتب الرواة في شيوخهم، وأن يفهم أسباب اختلافهم في الوصل والإرسال والرفع والوقف، وأن يعرف متى ينسب الخطأ إلى الشيخ ومتى ينسب إلى تلاميذه. ويتعلم كذلك كيف يفرق بين زيادة الثقة المقبولة والشذوذ المردود.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الافتتاح بخطبة الحاجة وموقع الدرس من الشرح

افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلمها أصحابه، وفيها الآيات الثلاث التي تأمر بتقوى الله، والتذكير بأن خير الحديث كتاب الله، وأن البدع في الدين محدثات مردودة.

ثم بيّن أن هذا هو الدرس الثاني في باب الفوائد. وكان الكلام قبله عن أوثق أصحاب ابن عمر، كسالم ونافع وعبد الله بن دينار، ثم عن أصحاب نافع، كمالك وعبيد الله بن عمر وأيوب، وأن الحديث الآن ينتقل إلى أصحاب يحيى بن أبي كثير.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

وفي الحديث: «فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: أوثق أصحاب يحيى بن أبي كثير

ذكر الشيخ اتفاق الأئمة على أن هشامًا الدستوائي هو أثبت الناس في يحيى بن أبي كثير على الإطلاق. فقد قال فيه الإمام أحمد: ليس منهم أصح حديثًا ولا أحب إليّ منه. وجعله علي بن المديني أثبت أصحاب يحيى، وقال إنه أعلى أصحابه في قتادة أيضًا.

وتأتي بعده طبقة تضم أبان بن يزيد العطار، وهمام بن يحيى، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي، وحرب بن شداد، وحسين المعلم، وغيرهم. وقد قدّم بعض الأئمة أبان العطار على همام، وقالوا إن هشامًا كان يذاكر يحيى ويتثبت في حديثه.

ثم عرض الشيخ الخلاف في الأوزاعي. فالإمام أحمد يرى أنه لم يضبط حديث يحيى بن أبي كثير، لأنه لم يكن عنده كتاب، وكان يحدث من حفظه فيهم، ومثّل لذلك بوهمه في اسم بعض الرواة. أما علي بن المديني فجعله في المرتبة التي تلي هشامًا. وبيّن الشيخ أن الخلاف بينهما في درجته بعد هشام، لا في أصل إمامته.

المحور الثالث: أصحاب هشام بن عروة واختلاف حديث المدنيين والعراقيين عنه

نقل الشيخ قول الإمام أحمد إن رواية أهل المدينة عن هشام أصح من رواية أهل العراق. وجعل ذلك مدخلًا إلى الباب الذي سيعقده ابن رجب، وفيه أن حديث بعض الرواة في بعض البلدان أصح من حديثهم في غيرها. وقد حدّث هشام بالكوفة في آخر عمره من حفظه، فوصل أحاديث كان يرسلها، وتساهل في صيغ السماع.

ولما سئل الإمام أحمد هل تغيّر هشام قال: ما بلغنا أنه تغيّر. ورأى أن الاختلاف عنه في الوصل والإرسال يرجع إلى النشاط، فهو يسند الحديث مرة ويرسله مرة كعادة الأئمة المكثرين. ونبّه الشيخ إلى أن الإمام مالكًا كان إذا شك في حديث أرسله، ولذلك يرسل أشياء يسندها غيره.

وأوثق الناس في هشام بن عروة: سفيان الثوري، ومالك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن نمير، والليث بن سعد، وأبو أسامة حماد بن أسامة. ونقل الشيخ قول الزهري إنه أعلم بعروة من ابنه هشام، وأن من الأئمة من جعل أبا الأسود يتيم عروة أوثق في عروة من هشام. وذكر حديث أم زرع والخلاف في رفعه، وأن رفعه صحيح لا شك فيه.

وردّ الشيخ زعم ابن خراش أن مالكًا لم يكن يرضى هشامًا، وقال إنه من مجازفاته. وبيّن أن الرفض عند المتقدمين كان في الغالب تفضيلًا لعلي رضي الله عنه على الشيخين، أو تنقصًا لهما دون سب ولا لعن. أما الرافضة المتأخرون الذين يقولون بتحريف القرآن، ويطعنون في الصحابة وفي عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فلا يشك عاقل في كفرهم بعد أن تتضح عقيدتهم.

المحور الرابع: قاعدة نسبة الاختلاف إلى الراوي أو إلى تلاميذه

قرر الشيخ قاعدة مهمة: إذا اختلفت الرواية عن الراوي في الوصل والإرسال، أو في الرفع والوقف، فلا بد أن يُنظر هل الاختلاف منه هو أم من الرواة عنه.

فإن كان الاختلاف منه، وكان من الأئمة المكثرين الذين يحتمل منهم ذلك، ولم يُعرف أنه تغيّر، حُمل الأمر على أنه رواه على الوجهين. وإن كان ممن لا يحتمل منه ذلك، دلّ الاختلاف على ضعفه وعلى أنه لم يضبط حديثه. أما إن كان الاختلاف من تلاميذه فيرجع الناقد إلى الترجيح بين أصحابه بحسب منازلهم.

وتكلم الشيخ كذلك عن تفرد أحد أوثق الناس في شيخ بما يخالف فيه غيره من الأثبات. فالناقد يبحث بدقة: هل هي زيادة ثقة مقبولة أم شذوذ؟ فإذا خالف ولم يمكن الجمع بين الروايتين حُكم بالشذوذ، ولو كان المخالِف من الأثبات. وهذا الباب موضع اجتهاد عند أهل العلم.

المحور الخامس: أصحاب ابن جريج وأثر الكتاب في الضبط

نقل الشيخ قول يحيى بن معين: رأيت أصحاب ابن جريج فما رأيت فيهم أثبت من حجاج بن محمد المصيصي الأعور. وأثبت أصحابه ثلاثة: حجاج بن محمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وهو أعلم الناس بحديث ابن جريج.

وذكر قول القطان إن ابن جريج كان يحدّث أحيانًا من كتب الناس. وشرح الشيخ خطورة ذلك، فالكتاب الذي يحفظه صاحبه بنفسه مأمون، أما كتب الغير فلا يُدرى أصينت كما صانها أصحابها أم لا.

ثم بيّن أن رواية أبي عاصم الضحاك بن مخلد عن ابن جريج فيها كلام، إلا كتاب المناسك، لأن ابن جريج كان يقرؤه عليهم من كتابه أيام الحج. فروايته فيه من صحيح حديث ابن جريج.

النقاط الرئيسية

  • هشام الدستوائي أثبت الناس في يحيى بن أبي كثير، ويليه أبان العطار وهمام وشيبان وحرب بن شداد وحسين المعلم.
  • اختلف أحمد وابن المديني في الأوزاعي: أحمد يرى أنه لم يضبط حديث يحيى لأنه لم يكن له كتاب، وابن المديني يجعله بعد هشام مباشرة.
  • رواية أهل المدينة عن هشام بن عروة أصح من رواية أهل العراق، وأوثق أصحابه الثوري ومالك والقطان وابن نمير وأبو أسامة.
  • الاختلاف على الراوي يُنظر في مصدره: إن كان منه وهو إمام مكثر حُمل على الوجهين، وإن كان ممن لا يحتمل منه ذلك دلّ على ضعف ضبطه.
  • مخالفة الثقة للأثبات دون إمكان الجمع شذوذ، والتمييز بينها وبين زيادة الثقة يحتاج إلى نظر دقيق.
  • أثبت أصحاب ابن جريج: حجاج بن محمد المصيصي، ويحيى القطان، وعبد المجيد بن أبي رواد.
  • رواية أبي عاصم عن ابن جريج صحيحة في كتاب المناسك خاصة، لأن ابن جريج قرأه عليهم من كتابه.

الفوائد والعبر

  • معرفة طبقات أصحاب الشيوخ ضرورية لكل باحث في الحديث، لأنها أداة الترجيح الأولى عند اختلاف الروايات.
  • للكتاب المضبوط أثر كبير في حفظ السنة، فينبغي لطالب العلم أن يعتني بتقييد ما يسمعه ويصونه.
  • الإنصاف في نقد الرجال واجب، فلا يُقبل جرح المجازفين، ولا يُتّهم الإمام بالتغيّر دون بيّنة.
  • ينبغي فهم المصطلحات في سياقها التاريخي، كالفرق بين التشيع والرفض عند المتقدمين والرفض الغالي عند المتأخرين.
  • لا ينبغي التسرع في الحكم بالشذوذ أو بقبول الزيادة، بل يُجمع بين الروايات ما أمكن ويُرجع إلى مناهج الأئمة النقاد.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات