شرح كتاب " علل الترمذي " للحافظ ابن رجب الحنبلي ( 28 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثامن والعشرون من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس بابًا مهمًا من أبواب علم العلل، وهو معرفة طبقات أصحاب الأئمة المكثرين من الرواية، وترتيبهم في الضبط والإتقان، وكيف يرجّح الناقد بينهم إذا اختلفوا في رواية حديث واحد عن شيخهم.
ويبدأ الشيخ بالتذكير بما سبق من طبقات أصحاب ثابت البناني، ثم ينتقل إلى أصحاب الإمام قتادة بن دعامة السدوسي، فيذكر أوثقهم والشيوخ الذين يلونهم ومن تُكلِّم في روايته عنه، ويشرح قواعد الحافظ البرديجي في الترجيح عند الاختلاف. ثم يدخل في أصحاب أيوب السختياني، ويعرض أقوال الأئمة في المفاضلة بين حماد بن زيد وإسماعيل ابن علية.
والمقصود من الدرس أن يعرف طالب العلم مراتب الرواة عن الشيخ الواحد، وأن يتعلم طريقة النقاد في الموازنة بين الروايات المختلفة، وأن يفهم أن الحكم على الحديث بالصحة أو العلة يقوم على معرفة واسعة بالرجال وأحوالهم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تذكير بطبقات أصحاب ثابت البناني والتعريف بالإمام قتادة
بدأ الشيخ بمراجعة ما سبق من أن أصحاب ثابت البناني ثلاث طبقات. الأولى طبقة الثقات المتقنين، ومنهم حماد بن سلمة وسليمان بن المغيرة وشعبة وحماد بن زيد. والثانية طبقة الشيوخ الذين ليسوا من كبار الحفاظ فيه، ويقع في حديثهم شيء من الوهم، مثل معمر وحماد بن يحيى الأبحّ، ولكنهم ليسوا من الضعفاء. والثالثة طبقة الضعفاء والمتروكين، مثل يوسف بن عطية.
ثم عرّف بالإمام قتادة بن دعامة السدوسي أبي الخطاب، وهو من الأئمة الكبار المكثرين من الرواية. وُلد أكمه، أي أعمى منذ ولادته، فكان علمه علم حفظ لا علم كتابة، وقد عوّضه الله سبحانه بقوة الحفظ وسعته.
المحور الثاني: أوثق أصحاب قتادة والمفاضلة بينهم
نقل ابن رجب أقوال الأئمة في أوثق الناس في قتادة. فقال يحيى بن معين: أثبت الناس في قتادة سعيد بن أبي عروبة، وقال إن همام بن يحيى العوذي أحب إليه فيه من أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري. وذكر أن يحيى القطان كان يقدّم أبان بن يزيد العطار على همام، أما ابن معين فكان همام أحب إليه.
ونقل عن الإمام أحمد أنه إذا وافق أبو عوانة أو أبان العطار سعيدًا أعجبه ذلك، لأن الاتفاق يدل على أن الحديث محفوظ. وذكر قصة أبي عوانة: كان قتادة ينهاه عن الكتابة عنه، فحفظ ثم نسي بعض ما حفظ، فجلس إلى سعيد بن أبي عروبة فذكّره به. ونقل عن عبد الرحمن بن مهدي أن سعيدًا كان يحدّث بحديث قتادة كأنه يسمعه منه، وأن شعبة ثبت، وأن هشامًا الدستوائي كذلك.
وخلاصة هذا المحور أن أثبت أصحاب قتادة شعبة وسعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي. ويمتاز شعبة بالإتقان، لأنه كان لا يكتب عن قتادة إلا ما قال فيه «حدثنا»، فيميّز المسموع من المدلَّس. ويمتاز سعيد بسعة الحفظ، ويمتاز هشام بكثرة الملازمة. ولذلك قال شعبة نفسه: هشام الدستوائي أعلم بقتادة وأكثر مجالسة له مني.
المحور الثالث: قواعد الحافظ البرديجي في الترجيح عند الاختلاف على قتادة
عرض ابن رجب منهج البرديجي في الموازنة بين الحفاظ الثلاثة (شعبة وسعيد وهشام) والشيوخ (حماد بن سلمة وهمام وأبان ونحوهم). وأهم قواعده ما يلي:
- إذا اتفق الحفاظ الثلاثة على حديث فهو صحيح.
- إذا اختلفوا فالقول قول اثنين منهم على أي واحد يخالفهما.
- إذا اختلف الثلاثة، فقال أحدهم بالوصل والآخر بالإرسال والثالث بالوقف مثلًا، يُتوقف في الحديث.
- إذا انفرد واحد من الشيوخ وخالف واحدًا من الحفاظ، فالقول قول الحافظ.
- إذا اتفق الشيوخ على وجه وخالفهم واحد من الحفاظ أو خالفهم الحفاظ كلهم، يُتوقف في الحديث، لاحتمال أن قتادة رواه على الوجهين.
وبيّن الشيخ أن هذا القول يخالف ما نقل عن الإمام أحمد من تقديم قول الاثنين إذا وافق واحد من الشيوخ واحدًا من الحفاظ. وذكر أن المنكر عند البرديجي هو الحديث الفرد الذي ينفرد به الثقة ولا يُعرف متنه إلا من ذلك الطريق. وأما أحاديث الشيوخ عن قتادة، فإن عُرف متنها من وجه آخر عن النبي ﷺ أو عن أنس لم يُتكلم فيها، وإن لم يُعرف إلا من طريقهم كان منكرًا.
المحور الرابع: من تُكلِّم في روايته عن قتادة
بعد ذكر الثقات انتقل ابن رجب إلى من في روايتهم عن قتادة ضعف يسير أو شديد:
- حماد بن سلمة: ذكر مسلم في كتاب «التمييز» أنه يخطئ كثيرًا في حديث قتادة.
- معمر: قال الدارقطني إنه سيئ الحفظ لحديث قتادة والأعمش. وقال معمر عن نفسه إنه جلس إلى قتادة وهو صغير فلم يحفظ عنه الأسانيد.
- عمرو بن الحارث المصري: روى عن قتادة مناكير.
- جرير بن حازم: كان يحدّث بأشياء عن قتادة على التوهم.
- سليمان التيمي: قال الأثرم إن حديثه عن قتادة مضطرب.
- يزيد بن إبراهيم: حديثه عن قتادة ليس بذاك.
ويدل هذا على أن الراوي قد يكون ثقة في شيخ ضعيفًا في غيره. فمعمر مثلًا من أوثق الناس في الزهري وهمام بن منبه، لكنه سيئ الحفظ في قتادة والأعمش.
المحور الخامس: أصحاب أيوب السختياني
انتقل ابن رجب إلى أصحاب أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني. فنقل عن الإمام أحمد أنه ما أحد أعلم بحديث أيوب من حماد بن زيد، وقال ابن معين: ليس أحد أثبت في أيوب من حماد بن زيد. وقال يحيى إن خالفه سفيان الثوري فالقول قول حماد في أيوب. وهذا اختيار ابن عدي وجمهور النقاد. وقال النسائي إن أثبت أصحاب أيوب حماد بن زيد، ثم عبد الوارث بن سعيد التنوري، ثم إسماعيل ابن علية.
ورجّح طائفة من النقاد إسماعيل ابن علية على حماد، ومنهم البرديجي، وقال غندر: ليس أحد يُقدَّم في الحديث على إسماعيل ابن علية. وذكر ابن رجب أنهما اختلفا في أحاديث، منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رفعه حماد ووقفه ابن علية. وبيّن أن وقفه لا يضر، لأن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرًا، وغيره من الرواة يرفعونها. والحديث هو قوله ﷺ:
«لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُنْجِيهِ عَمَلُهُ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ» (متفق عليه).
ومن مواضع اختلافهما أثر تقبيل عمر رضي الله عنه الحجر الأسود، فقد رواه حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، ورواه ابن علية عن أيوب فقال: «نُبِّئتُ أن عمر قبّل الحجر». وحكى ابن رجب أيضًا أن أهل البصرة اجتمعوا مع أهل الكوفة، فقال لهم أهل الكوفة: نحّوا عنا إسماعيل ابن علية وهاتوا من شئتم. ونقل عن ابن معين أن ما يقع من اختلاف بين حماد وابن علية يرجع إلى أيوب نفسه، لأنه كان يحفظ وربما نسي الشيء. ونقل عن أحمد أن عبد الوارث التنوري روى عن أيوب أحاديث لم يروها أحد من أصحابه، وأنه مع ذلك ثقة ثبت، إذ لا يشترط في الثقة ألّا يخطئ.
النقاط الرئيسية
- أصحاب الأئمة المكثرين مراتب: حفاظ متقنون، ثم شيوخ يقع منهم الوهم، ثم ضعفاء ومتروكون.
- أثبت أصحاب قتادة شعبة وسعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي. ولشعبة مزية الإتقان وتمييز المسموع، ولسعيد مزية الحفظ، ولهشام مزية الملازمة.
- يلي الحفاظ في قتادة همام بن يحيى وأبان العطار وحماد بن سلمة وأبو عوانة.
- عند البرديجي: قول اثنين من الحفاظ الثلاثة مقدَّم على قول الثالث، وإذا اختلف الثلاثة يُتوقف في الحديث.
- الراوي قد يكون ثقة في شيخ ضعيفًا في غيره، كمعمر في قتادة والأعمش.
- أثبت أصحاب أيوب السختياني عند الجمهور حماد بن زيد، وقدّم بعضهم إسماعيل ابن علية.
- الاختلاف بين الثقات قد يكون سببه الشيخ نفسه، كأن يحدّث بالحديث على وجهين أو ينسى بعضه.
الفوائد والعبر
- لا يُحكم على الحديث بالنظر إلى ظاهر الإسناد وحده، فلا بد من معرفة مراتب الرواة عن شيوخهم وأحوالهم في كل شيخ.
- ينبغي الإنصاف عند الحكم على الرواة، فوقوع الخطأ من الثقة لا يُسقط ثقته، إذ ليس من شرط الثقة ألّا يخطئ.
- في قصة قتادة الذي وُلد أعمى فعوّضه الله بقوة الحفظ مثال على أن الله يجبر النقص بفضله، وأن العزيمة تفتح أبواب العلم.
- من كمال الأمانة العلمية تمييز المسموع من غيره، كما كان شعبة يفعل مع قتادة.
- في الحديث المذكور تذكير بأن النجاة برحمة الله لا بمجرد العمل، فيجتهد المسلم في الطاعة ولا يغترّ بها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات