شرح علل الترمذي " قواعد في علم الرجال "( 40) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الأربعون من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، ويقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يدور الدرس على باب مهم من «قواعد في علم الرجال»، وهو معرفة طبقات أصحاب الأئمة المكثرين، ومن أوثق الرواة في كل شيخ منهم، ومن يُقدَّم قوله إذا اختلف الرواة عليه.
وأهمية هذا الباب أن علم العلل يقوم في الغالب على أخطاء الثقات. فحديث الضعيف يظهر ضعفه بسهولة، أما خطأ الثقة فلا يكشفه إلا من عرف مراتب الرواة عن كل شيخ. ولهذا كان الأئمة كأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين يفاضلون بين تلاميذ الشيخ الواحد، ليحددوا من يُرجَّح قوله عند الاختلاف في الوصل والإرسال، والرفع والوقف.
ويريد الدرس أن يعرف الطالب أوثق الرواة عن يحيى بن أبي كثير، وهشام بن عروة، وابن جريج، وعمرو بن دينار، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وثابت البناني. وأن يعرف كذلك من في روايته عن هؤلاء ضعف يسير، حتى يستعمل ذلك عند تخريج الأحاديث ودراسة اختلاف طرقها.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: أصحاب يحيى بن أبي كثير وأصحاب هشام بن عروة
نقل ابن رجب عن إسحاق بن هانئ أن الإمام أحمد قدّم هشامًا الدستوائي على كل من روى عن يحيى بن أبي كثير، وقال في حسين المعلم وحرب بن شداد وشيبان: «هؤلاء ثقات». وهشام الدستوائي هو هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر، وتوفي سنة 154هـ. ونقل أبو حاتم الرازي عن علي بن المديني أن أثبت أصحاب يحيى هشام الدستوائي، ثم الأوزاعي، وحجاج الصواف، وحسين المعلم.
ثم انتقل إلى هشام بن عروة، وذكر ما قيل في اختلاف حديثه بين المدينة والعراق. فقد قدم الكوفة ثلاث مرات، وكان يتسامح في آخرها، فيرسل عن أبيه ما كان يذكر فيه السماع. ونبّه الشيخ إلى أن الاختلاف في الوصل والإرسال يُنظر فيه: هل هو من الراوي نفسه أم من تلاميذه؟ فإن كان منه وهو من الأئمة المكثرين، احتُمل ذلك منه. وضرب لذلك مثلًا بالإمام مالك، فقد كان إذا شكّ في حديث أرسله.
ورأى الشيخ أن ما قيل في تغيّر هشام بن عروة في آخر عمره لا يُعتمد عليه، إلا إن أُريد التغير الذي يصيب كل إنسان قرب موته. وخلص إلى أن أوثق الناس في هشام بن عروة: الثوري، ومالك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن نمير، والليث بن سعد، وأبو أسامة حماد بن أسامة. أما الرواية عن عروة نفسه، فقد قيل إن الزهري وأبا الأسود يتيم عروة أعلم بحديثه من ابنه هشام. وذكر كذلك حديث أم زرع، والصحيح أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وجاء في هذا الموضع ذكر ابن خراش، وقد نُسب إلى الرفض. فبيّن الشيخ أن الرفض عند المتقدمين كان يعني في الغالب تفضيل علي رضي الله عنه على الشيخين، أو الميل عنهما، من غير سبّ ولا تكفير. وفرّق بينه وبين العقائد الغالية التي ظهرت بعد ذلك، كالطعن في القرآن، وتكفير الصحابة، وقذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وحكم على أصحاب هذه العقائد حكمًا شديدًا.
المحور الثاني: أصحاب ابن جريج
ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز الأموي مولاهم المكي، وتوفي سنة 150هـ. وذكر ابن رجب أنه كان يحدّث أحيانًا من كتب الناس، فوقع لذلك كلام في رواية أبي عاصم النبيل عنه، إلا في كتاب المناسك، فقد كان ابن جريج يخرجه أيام الحج ويحدّث به من كتابه هو.
وأوثق الناس في ابن جريج: حجاج بن محمد، وقد قدّمه يحيى بن معين على أبي عاصم. ثم يحيى بن سعيد القطان، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وعبد الرزاق بن همام، وهشام بن سليمان. وذكر مسلم في «التمييز» أن ابن جريج أوثق من ابن عيينة. أما من في روايتهم عن ابن جريج شيء فهم: أبو عاصم النبيل، وعبد الله بن وهب لأنه سمع منه صغيرًا، وعبد الله بن فروخ الذي روى عنه أحاديث معضلة لا توجد عند غيره.
ونبّه الشيخ إلى الفرق بين سماع الصغير وسماع الكبير المتقن. فالصغير قد تشغله أمور أخرى عن الضبط، وهذا يدخل في الموازنة بين الرواة.
المحور الثالث: أصحاب عمرو بن دينار
قال الإمام أحمد: «ما أعلم أحدًا أعلم بعمرو بن دينار من ابن عيينة». فقيل له إن ابن عيينة كان صغيرًا، فقال: «وإن كان صغيرًا فقد يكون صغيرًا كيّسًا». وشرح الشيخ ذلك بالتاريخ: عمرو بن دينار توفي سنة 126هـ، وابن عيينة وُلد سنة 107هـ، فقد مات شيخه وهو دون العشرين، ومع ذلك أتقن حديثه.
ونقل عثمان الدارمي عن ابن معين أن ابن عيينة أعلم بحديث عمرو بن دينار من الثوري وشعبة وحماد بن زيد. والفائدة من هذا أن صغر السن لا يضر الراوي إذا كان فطنًا متقنًا ولازم شيخه.
المحور الرابع: أصحاب الحسن البصري ومحمد بن سيرين
قال الإمام أحمد: «ما في أصحاب الحسن أثبت من يونس، ولا أسند عن الحسن من قتادة». وقال علي بن المديني إن يونس بن عبيد أثبت في الحسن من ابن عون، وإن يزيد بن إبراهيم ثبت في الحسن. أما رواية هشام بن حسان عن الحسن، فقيل إن عامتها تدور على حوشب.
وأثبت أصحاب ابن سيرين: أيوب السختياني، وابن عون، وسلمة بن علقمة، ويونس بن عبيد، ثم خالد الحذاء، ويزيد بن إبراهيم، وهشام بن حسان، وعاصم الأحول. ويلحق بهم هشام الدستوائي، وهو دونهم. وقد تكلم بعضهم في رواية هشام بن حسان عن ابن سيرين. فكان شعبة يتقي حديثه عن عطاء وابن سيرين والحسن. وقال الإمام أحمد: «أيوب وابن عون أحب إلي». وأخذ عليه أنه رفع أحاديث وقفها غيره، مع أن مذهب المتقنين كان أن يقصروا بالحديث إذا شكّوا فيه.
أما عوف الأعرابي، فهو صدوق، وروايته عن ابن سيرين عن أبي هريرة فيها الصحيح وفيها المنكر والمعلول. وأما يزيد بن إبراهيم عن ابن سيرين عن أبي هريرة فصحيح، ما لم يكن الحديث منكرًا أو مضطربًا.
المحور الخامس: أصحاب ثابت البناني
ثابت البناني من أوثق الناس في أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو من المكثرين، وتوفي في العشرينات بعد المئة وقد قارب التسعين. وجعل ابن رجب أصحابه ثلاث طبقات. وأولهم حماد بن سلمة، فهو أثبت الناس في ثابت، وإذا خالفه غيره فيه فالقول قوله. ثم سليمان بن المغيرة، ثم حماد بن زيد، كما قال ابن المديني.
وذكر الشيخ أن السلف كانوا يفضلون حماد بن سلمة في باب السنة والاعتقاد، لشدته على المبتدعة، وقالوا: «الفرق بينهما كما بين جدّيهما»، يعني دينار ودرهم. ومع ذلك فحماد بن زيد إمام كبير.
النقاط الرئيسية
- علم العلل يقوم في الغالب على أخطاء الثقات، ولذلك يحتاج الناقد إلى معرفة مراتب الرواة عن كل شيخ.
- هشام الدستوائي أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير، ثم الأوزاعي وحجاج الصواف وحسين المعلم.
- أوثق الناس في هشام بن عروة: مالك والثوري والقطان وابن نمير والليث وأبو أسامة، ولم يُعتدّ بدعوى تغيّره المؤثر.
- حجاج بن محمد أوثق أصحاب ابن جريج، ويليه القطان وعبد المجيد بن أبي رواد وعبد الرزاق وهشام بن سليمان.
- ابن عيينة أعلم الناس بعمرو بن دينار مع صغر سنه، لأنه كان فطنًا متقنًا.
- يونس بن عبيد أثبت أصحاب الحسن، وأيوب وابن عون وسلمة بن علقمة ويونس أثبت أصحاب ابن سيرين.
- حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني، والقول قوله عند الخلاف، ثم سليمان بن المغيرة، ثم حماد بن زيد.
الفوائد والعبر
- يحسن بطالب الحديث أن يدوّن قائمة بأوثق الرواة عن كل إمام مكثر، وبمن في روايته عنه ضعف يسير، ثم يرجع إليها عند تخريج الأحاديث والموازنة بين طرقها.
- من ورع الأئمة أنهم كانوا يرسلون الحديث أو يوقفونه إذا شكّوا فيه. ومنه نتعلم الاحتياط في النقل، وألا نجزم إلا بما نتيقنه.
- مصطلحات المتقدمين، كلفظ «الرفض»، يجب أن تُفهم بمعناها في عصرهم، حتى لا نخطئ في الحكم على الرواة.
- صغر السن لا يمنع من الإتقان. فقد أتقن ابن عيينة حديث شيخه وهو دون العشرين، وفي هذا حث للشباب على الجد في طلب العلم مبكرًا.
- الأحلام والمنامات لا تثبت بها أحكام شرعية، وإنما يُستأنس بها في تأكيد ما قرره أهل العلم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات