شرح علل الترمذي " قواعد في علم الرجال "( 39) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,295 مشاهدة
113 مشاركة
منذ 3 سنوات

المقدمة

يتناول هذا الدرس من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله قاعدةً من أدق قواعد علم الرجال والعلل، يشرحها فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وهذا الدرس هو المجلس الثالث والثلاثون من مجالس شرح الكتاب، والمجلس الثامن من قسم القواعد. وموضوعه النوع الثالث من الرواة: قومٌ ثقاتٌ في أنفسهم، غير أن حديثهم عن بعض الشيوخ بعينهم فيه ضعف، أما حديثهم عن سائر شيوخهم فمستقيم مقبول.

وتظهر أهمية هذا الباب في أن الحكم على الراوي لا يكون حكمًا مطلقًا في كل الأحوال. فقد يكون الراوي إمامًا حافظًا، ثم يضعف إذا روى عن شيخ معيّن. وسبب ذلك قد يكون ضياع كتابه، أو قلة ملازمته لذلك الشيخ، أو أنه سمع منه في وقت قصير. ومعرفة هذا التفصيل من أهم ما يحتاجه طالب الحديث، حتى لا يصحّح كل ما رواه الثقة، ولا يردّ كل ما رواه من تُكلّم فيه.

أهداف التعلم: أن يفهم المشاهد معنى التضعيف النسبي للراوي في شيخ بعينه، وأن يتعرّف على نماذج عملية من كبار الرواة الذين تُكلّم في روايتهم عن شيوخ مخصوصين، وأن يدرك أسباب هذا الضعف، وكيف تعامل معه صاحبا الصحيحين بالانتقاء والاعتماد على الشواهد والمتابعات.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حقيقة النوع الثالث من الرواة وحمّاد بن سلمة نموذجًا

قرّر الحافظ ابن رجب أن هذا النوع يشمل رواةً ثقاتٍ في أنفسهم، لكن حديثهم عن بعض الشيوخ ضعيف. ومثّل الشيخ لذلك بيحيى بن عبد الله بن بكير، فحديثه عن مالك فيه ضعف، وهو ثقة في الليث بن سعد. فالحكم على الراوي يتغيّر بحسب الشيخ الذي يروي عنه.

وأول من ذُكر في هذا الباب حمّاد بن سلمة البصري (ت 167هـ). وهو أثبت الناس في ثابت البُناني، وحافظ لحديث علي بن زيد بن جُدعان. أما أيوب السختياني فقد جالسه حمّاد بن سلمة أول أمره ثم ترك مجالسته، فصار حمّاد بن زيد أعلم منه بحديث أيوب. ولهذا إذا اختلف الحمّادان في حديث أيوب، فالخطأ يُحمل على حمّاد بن سلمة. وقال الإمام أحمد: «حماد بن سلمة يُسند عن أيوب أحاديث لا يسندها الناس عنه».

وضعّف الأئمة روايته عن قيس بن سعد، لأن كتابه عنه ضاع فصار يحدّث من حفظه فيخطئ. وضعّف يحيى بن سعيد القطان روايته عن قيس بن سعد وزياد الأعلم. وقال البيهقي: إن حمّادًا ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما خالف فيه، ويجتنبون ما تفرّد به عن قيس خاصة. وذُكر أنه يخطئ كثيرًا إذا حدّث عن غير ثابت، كقتادة وأيوب وداود بن أبي هند والجُريري ويحيى بن سعيد الأنصاري وعمرو بن دينار. وبيّن الشيخ أن ما رواه من أصوله التي سمعها من شيوخه جيد، أما ما في مصنفاته ففيه أخطاء.

المحور الثاني: رواة ضعفوا في قتادة وفي غيره من الكبار

ذكر المصنف جرير بن حازم، وحديثه عن قتادة ضعيف. ويليه في الضعف حديثه عن أيوب ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو فيهما محتمل، لكن في النفس منه شيء إذا تفرّد. وأنكر الأئمة حديثه عن يحيى عن عمرة عن عائشة في أمرها بالقضاء لما أفطرت في صيام التطوع. ومن أوهامه أنه روى عن ثابت عن أنس رضي الله عنه حديث:

«إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي»

فأنكره حمّاد بن زيد، وبيّن أن جريرًا إنما سمعه من حجّاج الصوّاف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، وكان ذلك في مجلس ثابت، فظنّ أنه سمعه من ثابت.

ومنهم سليمان بن طرخان التيمي في روايته عن قتادة. فقد روى حديثًا عن قتادة عن يونس بن جبير عن رجل من الصحابة، والصواب أن قتادة رواه عن أنس. وروى عن قتادة أن أبا رافع حدّثه، وقتادة لم يسمع من أبي رافع شيئًا كما قال الإمام أحمد، وكان شعبة ينكر هذا السماع. ومع ذلك خرّج مسلم زيادة سليمان التيمي في الإنصات إذا قرأ الإمام. ويرى الشيخ أن مسلمًا أخرجها لما يشهد لها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وخرّج البخاري حديث سليمان عن قتادة أن أبا رافع حدّثه:

«إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»

وذُكر أيضًا عمر بن إبراهيم البصري، وفي حديثه عن قتادة مناكير. وهو راوي حديث العباس بن عبد المطلب في وقت المغرب:

«لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ»

وذُكر كذلك محمد بن عجلان في روايته عن سعيد المقبري، وعاصم بن بهدلة بن أبي النَّجود. قال فيه العجلي: «ثقة في الحديث، لكن يُختلف عليه في حديث زِرٍّ وأبي وائل».

المحور الثالث: رواة ضعفوا في الزهري وفي عطاء وفي ثابت

جعفر بن بُرقان الجزري (ت 150هـ): ثقة مشهور، لكن حديثه عن الزهري خاصة مضطرب. ومن ذلك حديث النهي عن لِبستين وبيعتين ونكاحين ومطعمين، ومنهما الجلوس على مائدة يُشرب عليها الخمر. قيل فيه: لا يُتابع عليه من حديث الزهري. وقد خرّج مسلم بعض حديثه، ومنه:

«لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يُخَالِفُ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا»

ويرى الشيخ أن مسلمًا أخرجه لأجل الشواهد والمتابعات، لا أنه اعتمد عليه وحده. وذُكر من أصحاب الزهري خاصة سفيان بن حسين، وإنما سمع من الزهري في موسم الحج ولم يجتمع به في غيره، فلم يُتقن حديثه. قال ابن معين: «هو عن غير الزهري أثبت منه عن الزهري». ويلحق بهم آخرون من أصحاب الزهري، مثل إسحاق بن راشد الجزري، وراوٍ دمشقي قال فيه أبو مسهر: ذهب سماعه من الزهري.

المضعّفون في عطاء بن أبي رباح: أولهم حبيب بن أبي ثابت (ت 119هـ)، وهو عالم كبير متفق على حديثه، لكن أحاديثه عن عطاء ليست محفوظة كما قال يحيى القطان، وحديثه عن عروة منكر عند أحمد ويحيى. ومن ذلك حديث تقبيل النبي ﷺ ثم صلاته دون وضوء، وحديث المستحاضة تصلي وإن قطر الدم على الحصير. ولم يُخرَّج له في الصحيح شيء عن عطاء. ومن الغريب أن عطاءً نفسه روى عنه. وثانيهم عبد الكريم بن مالك الجزري، ثقة كبير روى عنه مالك، وقال ابن معين: «أحاديثه عن عطاء رديئة». وثالثهم مطر الورّاق، ضعّفه أحمد ويحيى في عطاء خاصة.

معمر بن راشد: ضُعّف حديثه عن ثابت البناني خاصة. ومثاله قصة جُليبيب، فقد رواها عن ثابت عن أنس، والصواب أنها عن ثابت عن كنانة بن نعيم عن أبي برزة، وكذا رواها حمّاد بن سلمة عن ثابت.

المحور الرابع: أثر صغر الشيوخ ونزول الراوي إليهم في الضبط

نبّه المصنف إلى أن الراوي قد يُتقن حديث كبار شيوخه الذين لازمهم، ثم لا يُتقن حديث الشيوخ الصغار. فالأعمش يضطرب في حديث أبي إسحاق كما قال ابن المديني. وحديث الأعمش عن الصغار، كأبي إسحاق وحبيب وسلمة بن كهيل، ليس بذاك. بخلاف سفيان الثوري الذي كان يحفظ عن الصغار والكبار. ولهذا فرّق الأئمة بين رواية شعبة عن الحكم ورواية الأعمش عن الحكم.

ومنصور بن المعتمر من أثبت الناس في مجاهد. لكن قال الإمام أحمد: إذا نزل منصور إلى المشايخ اضطرب، يعني أبا إسحاق والحكم وحبيب بن أبي ثابت وسلمة بن كهيل. ومن ذلك أنه خالف في حديث أم سلمة في الوتر: كان رسول الله ﷺ يوتر بخمس وبسبع لا يفصل بينها بسلام ولا كلام. وبيّن الشيخ أن الشيوخ طبقات: كبار وأواسط وصغار. وأن الراوي إذا كبر واشتهر ثم روى عن الصغار، قد لا يُتقن حديثهم كما أتقن حديث من تلقّى عنهم في صغره.

وذُكر كذلك أبو معشر نجيح السندي المدني. يُكتب حديثه عن محمد بن قيس، وعن محمد بن كعب القرظي في التفسير، وأكثر ذلك من كلام محمد بن كعب غير مرفوع. أما حديثه عن المقبري ونافع وهشام فضعيف لا يُكتب.

المحور الخامس: الضعفاء في عبيد الله بن عمر وعكرمة ومنهج الشيخين في الانتقاء

تناول المصنف من تُكلّم في روايتهم عن عبيد الله بن عمر العمري. فمنهم عبد الرزاق، واختُلف عليه في حديث النزول بالأبطح وصلًا وإرسالًا، وفي لفظه أيضًا. وقد خرّج مسلم والترمذي حديث عبد الرزاق، وخرّج البخاري رواية خالد بن الحارث المرسلة. ومنهم عبد العزيز بن محمد الدراوردي. قال أحمد إن أحاديثه عن عبيد الله بن عمر تشبه أحاديث أخيه عبد الله العمري المضعَّف. وظهر مصداق ذلك عند أبي حاتم في حديث:

«مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»

والصحيح أن عبيد الله بن عمر رواه عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي ﷺ، كما قاله ابن المديني. وهكذا خرّجه مسلم من طريق يحيى القطان. وذُكر في الدرس أيضًا عكرمة بن عمار، فحديثه مضطرب عن غير إياس بن سلمة، وحديثه عن إياس صالح. ومما أُنكر في هذا الباب حديث:

«لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ»

ومنهم داود بن الحصين (ت 135هـ)، روى عنه مالك وخُرّج حديثه في الصحيحين، لكن تُكلّم في روايته عن عكرمة. وختم المجلس بذكر قبيصة بن عقبة السُّوائي. وفي هذا كله يظهر أن الشيخين ينتقيان من حديث هؤلاء ما توبعوا عليه أو قامت له الشواهد.

النقاط الرئيسية

  • من الرواة ثقات في أنفسهم، لكن روايتهم عن شيوخ معيّنين ضعيفة، فيُفرّق في الحكم بحسب الشيخ.
  • من أسباب هذا الضعف: ضياع الكتاب والتحديث من الحفظ، وقلة الملازمة، والسماع في مدة قصيرة كأيام الموسم، والنزول إلى الشيوخ الصغار.
  • حمّاد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وضعيف في قيس بن سعد وزياد الأعلم، ويخطئ في غير ثابت. أما في أيوب فحمّاد بن زيد مقدّم عليه.
  • جرير بن حازم وسليمان التيمي وعمر بن إبراهيم تُكلّم في روايتهم عن قتادة. وجعفر بن برقان وسفيان بن حسين تُكلّم في روايتهما عن الزهري.
  • حبيب بن أبي ثابت وعبد الكريم الجزري ومطر الورّاق ضعفاء في عطاء. ومعمر ضعيف في ثابت.
  • الأعمش ومنصور يتقنان حديث كبار شيوخهما، ويضطربان في حديث الشيوخ الصغار.
  • إخراج الشيخين لبعض هذه الروايات قائم على الانتقاء ووجود الشواهد والمتابعات، لا على الاعتماد على الراوي وحده.

الفوائد والعبر

  • التفصيل في الأحكام: لا يكفي أن يقال «فلان ثقة» للحكم بصحة كل حديثه. لا بد من النظر في شيخه الذي روى عنه، وفي حاله وقت التحديث.
  • أهمية الكتابة وحفظها: ضياع كتاب حمّاد بن سلمة عن قيس بن سعد أدخل الخطأ في روايته. وفي هذا حثّ لطالب العلم على تقييد العلم وحفظ أصوله.
  • قيمة ملازمة الشيوخ: من لازم شيخه طويلًا أتقن حديثه، ومن جالسه قليلًا لم يضبطه. فعلى الطالب أن يطيل صحبة العلماء.
  • إنصاف الأئمة ودقتهم: بيّن النقاد أوهام الكبار مع حفظ مكانتهم وتوثيقهم. وهذا منهج في العدل والأمانة العلمية يُقتدى به.
  • فهم منهج الصحيحين: معرفة أن الشيخين انتقيا من حديث بعض الرواة ما قامت له الشواهد، تحمي الطالب من الطعن في الصحيحين، ومن التوسّع في تصحيح كل ما رواه رجالهما.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات