شرح كتاب "إرشاد الفحول " للشوكاني(3) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس «البحث الثالث في المحكوم به»، وهو فعل المكلف الذي يتعلق به خطاب الشرع. وهذا من أهم أبواب أصول الفقه، لأنه يبيّن ما يصح أن يُكلَّف به العبد وما لا يصح، ويكشف عن عدل الله تعالى وحكمته في تشريعه.
ويعرض الشيخ في هذا المجلس مسألتين كبيرتين: الأولى مسألة «التكليف بما لا يُطاق» وأقسامه وأقوال الطوائف فيه، مع الرد على الأشاعرة الذين جوّزوه عقلًا. والثانية مسألة «حصول الشرط الشرعي هل هو شرط في التكليف؟»، وتتفرع عنها مسألة مخاطبة الكفار بفروع الشريعة. ويمهّد الشيخ لذلك بالتنبيه على مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وأن الحق فيها وسط بين غلو المعتزلة ونفي الأشاعرة.
ويهدف هذا المجلس إلى أن يعرف طالب العلم شروط الفعل المكلف به، وأن يميز بين المستحيل لذاته والمستحيل لغيره، وأن يفهم الفرق بين نظر الأصوليين ونظر الفقهاء في تكليف الكفار. كما يرسّخ عقيدة أهل السنة في علم الله الأزلي ومشيئته، وفي اختيار العبد وإرادته.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: المحكوم به وتمهيد في التحسين والتقبيح العقليين
بدأ الشيخ بالتنبيه على مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وذكر أن المعتزلة والأشاعرة ضلّوا فيها. فالأشاعرة نفوا أن يكون للعقل إدراك لحسن الأفعال وقبحها. وأما المعتزلة فقالوا إن الحسن والقبح يُعرفان بالعقل، ورتّبوا على ذلك الثواب والعقاب، وجعلوا الشرع تابعًا لما يقتضيه العقل.
ثم عرّف الشوكاني المحكوم به بأنه فعل المكلف، والمكلف هو المسلم العاقل البالغ. فما تعلّق به الإيجاب يسمى واجبًا، وما تعلّق به الندب يسمى مندوبًا، وما تعلّقت به الإباحة يسمى مباحًا، وما تعلّقت به الكراهة يسمى مكروهًا، وما تعلّق به التحريم يسمى حرامًا. وقد سبق حدّ كل واحد منها عند الكلام على الأحكام التكليفية.
المحور الثاني: الشرط الأول للمحكوم به أن يكون ممكنًا، وأقسام ما لا يُطاق
قرّر الشوكاني أن الفعل المكلف به يُشترط فيه أن يكون ممكنًا، فلا يجوز التكليف بالمستحيل عند الجمهور، وهو الحق. وهذا ما يسميه طوائف من العلماء «التكليف بما لا يُطاق». ويستوي في ذلك ما كان مستحيلًا لذاته، كالجمع بين الضدين، وما امتنع لأن قدرة المكلف لا تتعلق به، كإدخال وقت الصلاة أو وقت الحج.
ونقل الشيخ عن «المسوَّدة» لآل تيمية أن التكليف بما لا يُطاق على خمسة أقسام:
- الممتنع في نفسه، كالجمع بين الضدين: أن يكون صائمًا مفطرًا، أو قائمًا قاعدًا، في وقت واحد.
- الممتنع في العادة، كصعود السماء بغير آلة، إلا ما كان معجزة خارقة للعادة كالإسراء والمعراج.
- ما تعلّق به علم الله وخبره ومشيئته بأنه لا يكون، كإسلام أبي لهب بعد نزول قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، وكفر أبي بكر رضي الله عنه.
- جميع أفعال العباد، لأنها مخلوقة لله تعالى وموقوفة على مشيئته.
- ما يتعسّر فعله ولا يتعذّر، أي ما فيه مشقة شديدة لكنه غير مستحيل.
والقسم الأول ممتنع سمعًا باتفاق، وإنما الخلاف في جوازه عقلًا. وأما الأقسام الثلاثة الأخيرة فواقعة جائزة بلا شك.
المحور الثالث: أقوال الطوائف في التكليف بما لا يُطاق والرد على المجوّزين
ذهب جمهور الأشاعرة إلى جواز التكليف بما لا يُطاق مطلقًا. وفصّل جماعة منهم، فقالوا: يمتنع في المستحيل لذاته، ويجوز فيما امتنع لعدم تعلق قدرة المكلف به. واحتج الجمهور بأن المكلَّف به مطلوب حصوله، والمستحيل لا يُتصوَّر حصوله، فالقول بطلبه يلزم منه قلب الحقائق. فالعقل لا يتصور ماهية اجتماع النقيضين، وإنما يعقله بالتشبيه، كاجتماع السواد والحلاوة، أو بالنفي، كأن يعقل أنه لا يمكن اجتماع السواد والبياض.
ثم قرر الشوكاني أن قبح التكليف بما لا يُطاق معلوم بالضرورة، فلا يحتاج إلى استدلال، وأن المجوّز لم يأتِ بما يستحق التحرير والرد. ونبّه الشيخ إلى أن هذا الكلام يوافق مذهب أهل السنة في إثبات التحسين والتقبيح، لأن التكليف بما لا يُطاق ينافي حكمة الله عز وجل. واستدل الشوكاني على المسألة بقوله تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7]
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286]
وثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى قال عند كل دعوة من هذه الدعوات: «قَدْ فَعَلْتُ». ونبّه الشيخ إلى أن الحاكم أخرجه في المستدرك من طريق مسلم نفسه، فوهم في استدراكه. وكثير من المجوّزين يوافقون على أن هذا التكليف لا يقع، فيصير الخلاف في مجرد الجواز العقلي خلافًا لفظيًا لا فائدة منه. وهو ما قرّرته المسوّدة: «الخلاف عند التحقيق يرجع إلى الجواز العقلي أو إلى الاسم اللغوي، وأما الشرع فلا خلاف فيه البتة».
واحتج المثبتون بأن العاصي مأمور بالإيمان، والله قد علم أنه لا يؤمن، وكذلك أبو جهل كُلِّف بالإيمان. وردّ الشيخ ذلك بأن الكافر يطيق الإيمان وهو في قدرته، وقد جعل الله له إرادة واختيارًا، فاختار الكفر منشرح الصدر به، وكان ذلك وفق علم الله الأزلي لا قهرًا منه سبحانه. وأمره بالإيمان إعذار وإقامة للحجة، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]. وما علم الله أنه لا يقع ممتنع لغيره لا لذاته، فليس هو محل النزاع. ونبّه الشيخ كذلك إلى أن تعريف الإيمان بالتصديق وحده فيه لوثة إرجاء، والصواب أن الإيمان تصديق مع الانقياد والعمل.
المحور الرابع: هل حصول الشرط الشرعي شرط في التكليف؟ ومسألة خطاب الكفار بالفروع
ذهب أكثر الشافعية والعراقيون من الحنفية إلى أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطًا في التكليف. وقال جماعة إنه شرط، منهم الفخر الرازي وأبو حامد الإسفراييني، ونبّه الشيخ إلى أن المقصود الإسفراييني لا الغزالي كما ترجم بعضهم، وأبو زيد الدبوسي وشمس الأئمة السرخسي. والمسألة ليست على عمومها، إذ لا خلاف في أن الجنب والمحدث مأموران بالصلاة. وإنما تُفرض المسألة في جزئية منها، هي: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ والحق ما عليه الجمهور، وهو أنهم مخاطبون بها، ولا خلاف في أنهم مخاطبون بالإيمان.
ثم نقل الشيخ تحرير الإمام النووي في «المجموع»، ومفاده أن الفقهاء والأصوليين لا يتعارضون في هذه المسألة. فالفقهاء نظروا إلى أحكام الدنيا: لا يُطالَب الكافر بالعبادات في حال كفره، ولا تصح منه لفقد شرط الإيمان، ولا يقضي ما فاته إذا أسلم. والأصوليون نظروا إلى حكم الآخرة: يُعذَّب الكافر على ترك الفروع زيادة على عذاب الكفر. فذكر كل فريق حكم أحد الطرفين.
واستدل الجمهور بالأوامر العامة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21]. واستدلوا بالوعيد على ترك الفروع، كقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: 42-43]، ولو كذبوا في قولهم لكذّبهم الله تعالى. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 6-7]، وقوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 68-69].
وبيّن الشيخ أن عذاب الكفار يتفاوت بحسب أعمالهم. واستشهد بحديث العباس رضي الله عنه في شأن أبي طالب، وفيه قول النبي ﷺ: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» [متفق عليه]. وفي رواية مسلم: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ».
النقاط الرئيسية
- المحكوم به هو فعل المكلف، والمكلف هو المسلم العاقل البالغ، ويُسمّى الفعل بحسب ما تعلّق به من الأحكام الخمسة.
- يُشترط في الفعل المكلف به أن يكون ممكنًا، فلا يجوز التكليف بالمستحيل، وهو قول الجمهور والحق.
- ما لا يُطاق خمسة أقسام: الممتنع لذاته، والممتنع عادة، وما علم الله أنه لا يكون، وأفعال العباد المخلوقة لله، والشاق المتعسّر غير المتعذّر.
- قبح التكليف بما لا يُطاق معلوم بالضرورة، والخلاف في جوازه العقلي مع امتناع وقوعه خلاف لفظي لا ثمرة له.
- تكليف الكافر بالإيمان ليس تكليفًا بما لا يُطاق، لأنه قادر عليه مختار للكفر، وذلك كله وفق علم الله الأزلي.
- الكفار مخاطبون بفروع الشريعة عند الجمهور، بمعنى أنهم يعاقبون على تركها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر.
- لا تعارض بين الفقهاء والأصوليين في المسألة: الفقهاء نظروا إلى أحكام الدنيا، والأصوليون نظروا إلى حكم الآخرة.
الفوائد والعبر
- يطمئن المسلم إلى عدل ربه ورحمته، فالله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والشريعة كلها في حدود الطاقة، فيُقبل على الطاعة بانشراح لا بضيق.
- يكثر المسلم من الدعاء بخواتيم سورة البقرة، فقد أخبر الله تعالى أنه استجاب لها بقوله: «قد فعلت».
- يحذر المسلم الخذلان بعد الهداية، ويسأل الله الثبات، فالتوفيق والعصمة بيد الله وحده يهبهما من يشاء.
- يدرك المسلم أن للعبد إرادة واختيارًا يحاسَب عليهما، فلا يحتج بالقدر على المعصية، بل يجتهد في العمل الصالح.
- يعتاد طالب العلم تحرير محل النزاع والجمع بين أقوال العلماء قبل الحكم بالتعارض، كما فعل النووي في التوفيق بين الفقهاء والأصوليين، ويترك الجدل الذي لا ثمرة له.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات