شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(21) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الحادي والعشرون من سلسلة شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، بشرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري وتعليقه. وقد أُلقي الدرس يوم الاثنين التاسع من شهر شوال سنة 1433هـ، الموافق للسابع والعشرين من أغسطس 2012م. وهو أول دروس المجلد الثاني من الكتاب، ويفتتح الباب الرابع في «الخاص والتخصيص والخصوص». يذكر الشوكاني أن هذا الباب يشتمل على ثلاثين مسألة.
لهذا الباب أهمية كبيرة في علم أصول الفقه. فأكثر العمومات الواردة في الكتاب والسنة دخلها التخصيص، ولا يمكن فهم الأحكام الشرعية فهمًا صحيحًا دون معرفة حدّ التخصيص وضوابطه. ويحتاج طالب العلم كذلك إلى التفريق بين التخصيص والنسخ لشدة الشبه بينهما. وتنفع هذه المباحث في أصول الفقه وفي أصول الحديث جميعًا.
ويهدف الدرس إلى تعريف الطالب بالحدود الاصطلاحية للخاص والتخصيص والخصوص والمخصِّص، وما ورد عليها من اعتراضات. ثم يعرض الفروق التي ذكرها الأصوليون بين النسخ والتخصيص، ثم يقرر جواز تخصيص العمومات ويرد على من خالف فيه. ويتعرف الطالب أثناء ذلك على منهج الشوكاني في سوق الأقوال ومناقشتها ثم ترجيح ما يراه صوابًا.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الافتتاح بخطبة الحاجة والتأسيس للدرس
افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يفتتح بها كلامه. وفيها الحمد والاستعانة والاستغفار، والشهادتان، والآيات الآمرة بالتقوى، ثم التحذير من المحدثات. وهذه سنة حرص عليها أهل العلم في مجالسهم.
ومما ورد فيها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
ومن الحديث قوله ﷺ: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» [رواه النسائي].
المحور الثاني: حدّ الخاص والتخصيص والخصوص والمخصِّص (المسألة الأولى)
عرض الشوكاني تعريفات الخاص، ومنها قولهم: «اللفظ الدال على مسمى واحد». واعتُرض عليه بأن التقييد بالوحدة غير صحيح، لأن تخصيص العام قد يكون بإخراج أفراد كثيرة أو نوع أو صنف. ومن تعريفاته أيضًا: «ما دل على كثرة مخصوصة». واعتُرض عليه بأن التخصيص قد يكون بفرد واحد، كقولك: «أكرم القوم إلا زيدًا».
والتخصيص في اللغة هو الإفراد، ومنه «الخاصة». أما في الاصطلاح فقد تعددت فيه الحدود:
- تعريف السمعاني: «تمييز بعض الجملة بالحكم».
- تعريف العبادي: «بيان المراد بالعام».
- تعريف ابن الحاجب: «قصر العام على بعض مسمياته».
- تعريف أبي الحسين البصري: «إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه».
ونقل الشوكاني على كل تعريف ما ورد عليه من الاعتراضات والأجوبة. ونقل عن القفال الشاشي أن المخصوص غير مقصود بالخطاب أصلًا. ولا يقال إنه دخل في الخطاب ثم خرج منه بدليل، وإلا لكان ذلك نسخًا لا تخصيصًا.
وفرّق العسكري بين الخصوص والخاص. فالخصوص ما يُراد به بعض ما ينطوي عليه اللفظ بحسب الوضع، أما الخاص فمختص بالوضع لا بالإرادة. ويُطلق «المخصِّص» على أربعة معانٍ:
- المتكلم الذي أراد بكلامه بعض ما يتناوله اللفظ.
- الناصب لدلالة التخصيص.
- الدليل نفسه، كما يقال: «السنة تخصص الكتاب».
- المعتقد للتخصيص.
ثم اختار الشوكاني في حدّ التخصيص أنه: «إخراج بعض ما كان داخلًا تحت العموم على تقدير عدم المخصِّص».
المحور الثالث: الفروق بين النسخ والتخصيص (المسألة الثانية)
لما كان التخصيص شديد الشبه بالنسخ، إذ يشتركان في اختصاص الحكم ببعض ما يتناوله اللفظ، احتاج الأصوليون إلى بيان الفرق بينهما. وقد جمع الشوكاني عشرين فرقًا. ومن أبرزها:
- التخصيص ترك بعض الأعيان، والنسخ ترك بعض الأزمان، وهو قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.
- التخصيص لا يكون إلا لبعض الأفراد، والنسخ قد يكون لكل الأفراد.
- النسخ رفع للحكم بعد ثبوته، والتخصيص بيان للمراد باللفظ العام.
- يجوز تأخير الناسخ عن وقت العمل بالمنسوخ، ولا يجوز تأخير المخصِّص عن وقت العمل بالعام.
- يجوز أن يكون المخصِّص مقترنًا بالعام أو متقدمًا عليه أو متأخرًا عنه، أما الناسخ فلا بد أن يتأخر عن المنسوخ.
- النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب، والتخصيص يكون بأدلة العقل والقرائن وسائر الأدلة.
- يجوز التخصيص بالإجماع، ولا يجوز النسخ به.
- التخصيص يدخل الأخبار والأحكام، أما النسخ فمختص بالأحكام. ولو دخل النسخ الأخبار لكان الخبر الأول كذبًا، وأخبار الله ورسوله ﷺ أصدق الأخبار.
ومن أمثلة التخصيص بدلالة العقل قوله تعالى في الريح: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25]، والمراد كل شيء يقبل التدمير. ومنها قوله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23]، والمراد من كل شيء مما يكون في عصرها.
وذكر الشوكاني ما ورد على بعض هذه الفروق من الاعتراضات. ومنها اعتراض الغزالي على الفرق الثاني، واعتراض إمام الحرمين على تعريف النسخ بأنه «تخصيص للحكم بزمان معين». ومنها أيضًا اعتراض القرافي على قولهم: «يجوز نسخ شريعة بشريعة»، فالمراد نسخ بعض أحكام الشريعة السابقة لا كلها، لأن أصول العقائد وأصول المحرمات لم تُنسخ. وختم الشوكاني بأن بعض هذه الفروق غير مسلَّم، وبعضها يمكن أن يدخل في بعض.
المحور الرابع: جواز تخصيص العمومات (المسألة الثالثة)
اتفق أهل العلم سلفًا وخلفًا على جواز تخصيص العمومات، ولم يخالف في ذلك أحد ممن يُعتد به. وهو أمر معلوم من الشريعة لا يخفى على من له أدنى تمسك بها، حتى قيل: «ما من عام إلا وقد خُصّ». ونقل الشيخ قول علم الدين العراقي، وهو عبد الكريم بن علي الأنصاري المفسر الفقيه الشافعي، إن العام غير المخصوص في القرآن في أربعة مواضع:
- ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23].
- ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26]، ومثله ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185].
- ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282].
- ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 189].
واعتُرض على الموضع الرابع بأن القدرة لا تتعلق بالمستحيلات. وأُلحق بهذه المواضع قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].
ثم ردّ الشوكاني شبهة من زعم أن التخصيص يستلزم الكذب أو البَداء. وبيّن أن النفي يكون بقيد العموم، والإثبات بقيد الخصوص، فلا يتوارد النفي والإثبات على محل واحد. وبيّن كذلك أن البداء لا يلزم إلا لو أُريد العموم الشامل ابتداءً ثم خُصّ، والواقع أنه لم يُرد ذلك من الأصل. ونبّه الشارح إلى أن الشوكاني تأثر في مسألة المجاز بواقع عصره ومدرسته. ونبّه أيضًا إلى أهمية الاعتناء بالنسخ المحققة من الكتاب، لكثرة الأخطاء في بعض المطبوعات.
النقاط الرئيسية
- الباب الرابع من «إرشاد الفحول» في الخاص والتخصيص والخصوص، ويشتمل على ثلاثين مسألة.
- التخصيص في اللغة الإفراد. وحدّه المختار عند الشوكاني: إخراج بعض ما كان داخلًا تحت العموم على تقدير عدم المخصِّص.
- يُطلق المخصِّص على المتكلم، وعلى الناصب للدلالة، وعلى الدليل نفسه، وعلى المعتقد للتخصيص.
- النسخ رفع للحكم بعد ثبوته، والتخصيص بيان لما أُريد باللفظ العام. وقد ذكر الشوكاني بينهما عشرين فرقًا.
- النسخ لا يدخل الأخبار ولا يكون بالإجماع ولا بالعقل، والتخصيص يكون بها جميعًا.
- اتفق العلماء على جواز تخصيص العمومات، وقلّ في القرآن عام باقٍ على عمومه.
- التخصيص لا يستلزم كذبًا ولا بداءً، لأن العام المخصوص لم يُرد به العموم ابتداءً.
الفوائد والعبر
- لا يتعجل طالب العلم في إطلاق الحكم بعموم نص حتى يبحث عن مخصِّصاته في الكتاب والسنة والإجماع ودلالة العقل.
- التفريق الدقيق بين النسخ والتخصيص يحمي المتعلم من دعوى النسخ بلا دليل، ويعينه على الجمع بين النصوص بدل إهمال بعضها.
- منهج الشوكاني في عرض الأقوال وإيراد الاعتراضات ثم الترجيح يربّي الطالب على البحث الحر والتحقيق، والبعد عن التقليد المحض.
- العناية بالنسخ المحققة من كتب العلم ضرورية، فالتصحيف والأخطاء في المطبوعات قد تفسد المعنى.
- من العمومات الباقية على عمومها ما يتعلق بسعة علم الله وفناء الخلق، وفي استحضارها تعظيم للخالق سبحانه وتذكير بالآخرة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات