شرح كتاب "إرشاد الفحول " الشوكاني(39، والأخير) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,824 مشاهدة
173 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس التاسع والثلاثون، وهو المجلس الأخير الذي يختم به فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للإمام العلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله. افتتحه الشيخ بخطبة الحاجة، ثم تناول فيه باب الترجيح بين الأقيسة عند تعارضها. ويُعدّ هذا الباب من أدق مباحث أصول الفقه، لأن المجتهد يحتاج إليه حين تتزاحم الأدلة وتتعارض العلل، فيلزمه أن يقدّم الأقوى منها على الأضعف بمسالك معتبرة.

عرض الشيخ في هذا المجلس أنواع المرجّحات بين الأقيسة، وهي: الترجيح بحسب العلة، وبحسب الدليل الدال على وجود العلة، وبحسب الدليل الدال على علية الوصف للحكم، وبحسب دليل حكم الأصل، وبحسب كيفية الحكم، وبحسب الأمور الخارجة، وبحسب الفرع. وأورد في ذلك أقوال الأئمة الأصوليين، ومنهم إمام الحرمين الجويني، والغزالي، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو إسحاق الإسفراييني، وأبو منصور البغدادي، والبيضاوي، والصفي الهندي، وابن السمعاني، والزركشي.

ويهدف هذا الدرس إلى تمكين طالب العلم من فهم قواعد الموازنة بين الأقيسة المتعارضة، ومعرفة أسباب قوة العلة وضعفها، وتنمية الملكة الاجتهادية التي تعينه على النظر في الأدلة الشرعية وفق منهج علمي منضبط.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الترجيح بين الأقيسة بحسب العلة

بيّن الشيخ أن أول هذه المرجحات تقديم القياس المعلَّل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة الحكمة على القياس المعلَّل بنفس الحكمة. ومثّل لذلك بالسفر في قصر الصلاة، فالسفر مظنة المشقة، والمشقة هي الحكمة. وقد توجد المشقة بلا سفر، كمن يعمل في الأعمال الشاقة وهو مقيم في بلده، فلا يجوز له القصر. فيُقدَّم التعليل بالسفر لإجماع أهل القياس على صحة التعليل بالمظنة.

ثم ذكر جملة من المرجحات في هذا النوع:

  • تقديم التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف العدمي.
  • تقديم المعلَّل بالوصف العدمي على المعلَّل بالحكم الشرعي.
  • الخلاف في تقديم العلة المتعدية على القاصرة: فالمتعدية أكثر فائدة، والقاصرة معتضدة بالنص.
  • تقديم المتعدية الكثيرة الفروع على القليلة الفروع.
  • تقديم العلة البسيطة على المركبة.
  • تقديم العلة القليلة الأوصاف على الكثيرة الأوصاف.
  • تقديم الوصف الوجودي على العدمي.
  • تقديم العلة المطردة المنعكسة على المطردة غير المنعكسة.
  • تقديم العلة الموجبة للحكم على المقتضية للتسوية بين حكمين.

ومعنى المطردة المنعكسة أن الحكم يوجد حيث وُجدت العلة، وينتفي حيث انتفت.

المحور الثاني: الترجيح بحسب دليل وجود العلة ودليل عليتها

أولاً: دليل وجود العلة. تُقدَّم العلة المعلوم وجودها على المظنون وجودها، كالإسكار في الخمر. وتُقدَّم العلة المعلومة بالبديهة أو الضرورة على الثابتة بالنظر والاستدلال عند جماعة، وذهب الأكثرون إلى أنه لا ترجيح بين علتين معلومتين. والحاصل أن ما كان دليل وجوده أجلى وأظهر فهو أرجح.

ثانياً: دليل علية الوصف للحكم. تُقدَّم العلة الثابتة عليتها بالدليل القاطع على غيرها، وخالف في ذلك صاحب المحصول، ووصف الشيخ خلافه بأنه لا وجه له. ثم تُقدَّم الثابتة بالدليل الظاهر على المستنبطة التي لا يدل عليها نص ولا ظاهر. وتُقدَّم الثابتة بالمناسبة على الثابتة بالشبه والدوران لقوة المناسبة واستقلالها بإثبات العلية.

ومن المرجحات في هذا الباب أيضاً:

  • تقديم ما وقع من المناسبة في محل الضرورة على ما وقع في محل الحاجة.
  • تقديم الضرورة الدينية على الضرورة الدنيوية.
  • تقديم ما اعتُبر نوعه في نوع الحكم على ما اعتُبر نوعه في جنسه. ومثّل الشيخ للجنس والنوع بالحيوان والإنسان.
  • تقديم المعلَّل بالسبر على الشبه، والشبه على الطرد.
  • تقديم العلة الثابتة بنفي الفارق بين الأصل والفرع على غيرها.

وأورد في مسألة الإيماء ما ادّعاه صاحب المحصول من اتفاق الجمهور على تقديمه على الوجوه العقلية من المناسبة والدوران والسبر. ونقل تفصيل الصفي الهندي: إن قلنا لا تُشترط المناسبة في الوصف المومأ إليه فتقديم الإيماء ظاهر، وإن قلنا تُشترط فالظاهر ترجيح بعض الطرق العقلية عليه كالمناسبة، لأنها تستقل بإثبات العلية، والإيماء لا يستقل بذلك بدونها.

المحور الثالث: الترجيح بحسب دليل حكم الأصل وكيفية الحكم

أولاً: دليل حكم الأصل. يُقدَّم ما كان دليل أصله قطعياً على ما كان ظنياً. ويُقدَّم ما دليل أصله الإجماع على ما دليل أصله النص، لأن النص يقبل التخصيص والتأويل والنسخ، والإجماع لا يقبلها. وذكر إمام الحرمين احتمال تقديم النص لأن الإجماع فرع عنه، وبه جزم صاحب المنهاج.

ومن المرجحات كذلك:

  • تقديم القياس المخرَّج من أصل منصوص عليه على غيره.
  • تقديم القياس الخاص بالمسألة على القياس العام.
  • تقديم ما كان على سنن القياس على ما خالفه.
  • تقديم ما لم يدخله النسخ اتفاقاً على ما اختُلف في نسخه.

والحاصل من ذلك كله أن يُقدَّم ما كان دليل أصله أقوى بوجه من الوجوه المعتبرة.

ثانياً: كيفية الحكم. تُقدَّم العلة الناقلة عن حكم العقل على المقررة له عند الغزالي وابن السمعاني وأكثر الأصحاب، لأنها تفيد حكماً شرعياً زائداً. وتُقدَّم المثبتة على النافية على خلاف في ذلك. ويُقدَّم ما يقتضي الحظر على ما يقتضي الإباحة، وصححه ابن السمعاني. ويُقدَّم ما يُسقط الحد احتياطاً، وما يقتضي العتق. ثم ذكر الخلاف بين ما يُبقي العموم على عمومه وما يوجب تخصيصه، وحكى الزركشي عن الجمهور تقديم المخصِّصة لأنها زائدة.

المحور الرابع: الترجيح بحسب الأمور الخارجة

يُقدَّم القياس الموافق لأصول كثيرة على الموافق لأصل واحد، لأن وجود العلة في أصول متعددة دليل على قوة اعتبارها في نظر الشرع، وبهذا قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن السمعاني. واختار القاضي في التقريب أنهما سواء.

ومن المرجحات الخارجة أيضاً:

  • تقديم ما كان أكثر فروعاً.
  • تقديم ما كان حكم أصله موافقاً للأصول.
  • تقديم ما كان مطرداً في الفروع.
  • تقديم ما انضمت إليه علة أخرى، لأن الانضمام يزيده قوة، وخالف في ذلك أبو زيد من الحنفية.
  • تقديم ما انضم إليه قول الصحابي.

وشبّه الشيخ انضمام قول الصحابي إلى العلة بالشواهد والمتابعات في تقوية الحديث عند المحدثين، فهو يزيد العلة قوة حتى لو لم نقل بحجية قول الصحابي.

المحور الخامس: الترجيح بحسب الفرع

يُقدَّم ما كان الفرع فيه مشاركاً للأصل في عين الحكم وعين العلة على ما شاركه في الجنس. ثم يُقدَّم المشارك في العين من وجه على المشارك في الجنسين. ويُقدَّم المشارك في عين العلة وجنس الحكم على المشارك في عين الحكم وجنس العلة، لأن العلة هي العمدة في التعدية، فكلما كان الفرع أقوى مشاركةً في العلة كان أقوى في الإلحاق.

ويُقدَّم أيضاً ما كان وجود العلة في الفرع مقطوعاً به على ما كان وجودها فيه مظنوناً، ويُقدَّم ما ثبت حكم الفرع فيه جملة لا تفصيلاً. ونبّه الشيخ على أن بعض هذه المرجحات قد دخل فيما تقدم، لصلاحية ذكرها في أكثر من موضع، ثم أشار إلى الانتقال إلى مبحث الترجيح بين الحدود السمعية.

النقاط الرئيسية

  • الترجيح بين الأقيسة يكون بحسب العلة، ودليل وجودها، ودليل عليتها، ودليل حكم الأصل، وكيفية الحكم، والأمور الخارجة، والفرع.
  • التعليل بالمظنة كالسفر مقدَّم على التعليل بنفس الحكمة كالمشقة، لإجماع القائسين على صحته وانضباطه.
  • اختلف الأصوليون في تقديم العلة المتعدية لكثرة فائدتها، أو القاصرة لاعتضادها بالنص.
  • ما كان دليل وجوده أو عليته أجلى وأظهر وأقطع فهو أرجح من غيره.
  • المناسبة أقوى مسالك العلة العقلية، فهي مقدَّمة على الشبه والدوران والطرد.
  • يُقدَّم ما يقتضي الحظر على ما يقتضي الإباحة، وما يُسقط الحد احتياطاً.
  • انضمام قول الصحابي أو علة أخرى أو موافقة الأصول الكثيرة يقوّي القياس، كما تقوّي الشواهد والمتابعات الحديث.

الفوائد والعبر

  • الشريعة مبنية على أوصاف منضبطة لا على أمور مضطربة، ولذلك عُلِّق الحكم على السفر لا على مجرد المشقة، ضبطاً للأحكام ودفعاً للفوضى.
  • من صفات المجتهد الناصح الاحتياط في الدين، كتقديم الحظر على الإباحة وإسقاط الحدود بالشبهات.
  • المنهج العلمي الصحيح يقتضي الموازنة بين الأدلة وتقديم الأقوى، لا الأخذ بأول دليل يعرض للناظر.
  • العلوم الشرعية يخدم بعضها بعضاً، كتشبيه تقوية القياس بقول الصحابي بالشواهد والمتابعات عند المحدثين، فيحسن بطالب العلم أن يجمع بين الفنون.
  • الصبر على إتمام المتون العلمية حتى ختمها من أعظم أسباب التحصيل، كما في ختم هذا الكتاب المبارك بعد تسعة وثلاثين مجلساً.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات