شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(10) شرح لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,530 مشاهدة
364 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس العاشر من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس فرعًا مهمًا من مباحث السنة، وهو شروط العمل بخبر الواحد، وعليه تقوم معرفة ما يُقبل من الأخبار وما يُرد، ويُبنى عليه كثير من الأحكام الشرعية.

بدأ الشيخ بأن الأخبار نوعان: متواتر وآحاد. ثم ذكر أن شروط العمل بخبر الآحاد ثلاثة أقسام: قسم في المُخبِر وهو الراوي، وقسم في المُخبَر عنه وهو مدلول الخبر، وقسم في الخبر نفسه وهو اللفظ الدال. وبعد ذلك فصّل في شروط الراوي: التكليف والإسلام والعدالة، وذكر خلاف العلماء في رواية الصبي والمجنون والكافر المتأوّل والمبتدع.

والهدف من المجلس أن يعرف طالب العلم الضوابط التي وضعها العلماء لحفظ السنة النبوية، والفرق بين حال التحمّل وحال الأداء، ومعنى العدالة والمروءة، ومسألة تقسيم المعاصي إلى صغائر وكبائر. ونبّه الشيخ أيضًا على وجوب التثبّت في الأخبار في واقعنا المعاصر.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: أقسام شروط العمل بخبر الواحد، والشرط الأول: التكليف

ذكر الشيخ أن المتواتر يشمل القرآن الكريم وبعض الأحاديث، ومثّل له بحديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». أما خبر الآحاد فله شروط، منها خمسة ترجع إلى الراوي، وأولها التكليف. فلا تُقبل رواية المجنون لا تحمّلًا ولا أداءً، لأنه لا يعقل ما يسمع، ومن لم يعقل الشيء لا يمكنه أن يؤدّيه.

أما الصبي فيصح تحمّله إذا كان مميزًا يفهم ما يسمع، ولا يُقبل أداؤه إلا بعد أن يبلغ. ونقل القاضي الباقلاني الإجماع على رد رواية الصبي، فاعترض عليه القشيري بأن للشافعي قولين في قبول خبره عن القبلة، وأن للشافعية خلافًا مشهورًا في قبول خبره عن هلال رمضان. وحجة من ردّ روايته أنه يعلم أنه غير مكلّف وأن القلم مرفوع عنه، فلا يؤمن أن يتساهل. وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على عدم الرجوع إلى الصبيان، مع أنهم رجعوا إلى النساء وسألوهن من وراء حجاب.

وأجمع السلف على قبول رواية من تحمّل صغيرًا وأدّى بالغًا، كابن عباس والحسن والحسين وعبد الله بن الزبير والنعمان بن بشير. ومن أمثلة ذلك حديث محمود بن الربيع رضي الله عنه: «عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ». وكان التابعون ومن بعدهم يُحضرون الصبيان مجالس الرواية ولم ينكر ذلك أحد. وذكر الشوكاني ما رُوي عن أهل المدينة من قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجنايات بشرط ألا يتفرقوا، ورجّح الشوكاني عدم القبول. أما الشيخ فمال إلى القبول عند الحاجة حتى لا تضيع الحقوق، ونبّه على أن هذه المسألة من باب الشهادة لا من باب الرواية.

المحور الثاني: الشرط الثاني: الإسلام، والتثبت في أخبار الكفار

لا تُقبل رواية الكافر، يهوديًا كان أو نصرانيًا أو غيرهما، وهذا بالإجماع. ونقل الرازي إجماع الأمة على ذلك سواء عُرف عن الكافر التحرّز من الكذب أو لم يُعرف، مع أن العرب في الجاهلية كانوا يعدّون الكذب عيبًا، ودليل ذلك قول أبي سفيان في حديث هرقل: «فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ».

وهنا نبّه الشيخ على من يعتمدون في ما يسمونه «فقه الواقع» على إذاعات الكفار ومذكراتهم وحدها. فالواجب أن نقرأ ما يكتبون عن أنفسهم وما يخططون ضد ديننا، لكن مع الحذر الشديد. فمنزلتهم في الأخبار منزلة أهل الكتاب: لا نصدّق كل ما يقولون ولا نكذّبه كله، بل نتريّث حتى لا نقبل باطلًا ولا نرد حقًا. والأصل في أخبارهم عن الدين الرد، قال تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. فإذا وجب التثبّت في خبر الفاسق المسلم، فالتثبّت في خبر الكافر أولى.

ثم ذكر الخلاف في الكافر المتأوّل من أهل القبلة. قال أبو الحسين البصري والرازي: تُقبل روايته إن كان يعتقد حرمة الكذب. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي عبد الجبار: لا تُقبل، ورجّح الشيخ هذا القول، لأن الكفر واحد، ولأن الطوائف الخارجة عن الملة وهي تنتسب إلى القبلة، كالنصيرية والدروز والبهائية وغلاة الرافضة، تستحل الكذب على المسلمين. وبيّن أيضًا أن قبول الرواية منصب شريف، والكفر يقتضي الإذلال، واستدل بقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، ونبّه على أن الجزية ليست ضريبة مالية فقط كما يقول بعض المنحرفين.

المحور الثالث: رواية المبتدع

خلاصة ما ذكره الشوكاني أن المبتدع إن عُرف من مذهبه أنه يجيز الكذب مطلقًا فلا تُقبل روايته قطعًا. وإن كان يجيز الكذب في أمر خاص، كنصرة مذهبه أو الترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية، فالجمهور على رد روايته في ذلك الأمر، ومنهم الباقلاني وعبد الجبار والغزالي والآمدي. أما إن كان المبتدع لا يستحل الكذب ففيه ثلاثة أقوال:

  • الرد مطلقًا، وبه قال القاضي والأستاذ أبو منصور البغدادي وأبو إسحاق الشيرازي.
  • القبول مطلقًا، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وقول ابن أبي ليلى والثوري وأبي يوسف.
  • التفصيل: تُرد رواية الداعية إلى بدعته وتُقبل رواية غير الداعية، وهو مذهب أحمد، ونسبه ابن الصلاح إلى الأكثرين، وقال إنه أعدل المذاهب وأولاها.

وفي الصحيحين أحاديث كثيرة لمبتدعة غير دعاة، رُويت احتجاجًا واستشهادًا، كعمران بن حطان وداود بن الحصين. ونقل ابن حبان الإجماع على هذا التفصيل، فاعترض عليه ابن دقيق العيد بأن المسألة ليست متفقًا عليها. ونقل الشيخ قول الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب: «فلنا صدقه وعليه بدعته»، أي إذا كان صادقًا لا يكذب، ولم تكن بدعته مكفّرة، ولم يكن داعية إليها.

المحور الرابع: الشرط الثالث: العدالة والمروءة

عرّف الرازي العدالة بأنها: «هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، حتى تحصل ثقة النفس بصدقه». ويدخل فيها اجتناب الكبائر، واجتناب صغائر الخسّة كالتطفيف في حبة أو سرقة باقة من البقل، واجتناب المباحات التي تخرم المروءة كالأكل في الطريق والبول فيه وصحبة الأراذل والإفراط في المزاح. والضابط أن كل ما لا يؤمن معه الجرأة على الكذب تُرد به الرواية. ونبّه الشيخ على أن هذا الكلام في الرواة وطلاب العلم، لا في عامة الناس.

والعدالة في اللغة الاستقامة. قال الزركشي: العدالة شرط بالاتفاق، لكن اختُلف في معناها، فهي عند الحنفية الإسلام مع عدم الفسق، وعند الشافعية ملكة تمنع من اقتراف الكبائر وصغائر الخسّة والرذائل المباحة. ونقل ابن القشيري عن الشافعي أن الناس لا يخلو أحد منهم من طاعة ومعصية، فلا يُرد الكل ولا يُقبل الكل، والحكم للغالب: فمن غلبت عليه الطاعة والمروءة قُبلت شهادته وروايته، ومن غلبت عليه المعصية رُدّتا.

واختار الشوكاني أن العدالة هي التمسك بآداب الشرع فعلًا وتركًا. فمن أخلّ بشيء منها إخلالًا يقدح في دينه، كفعل الحرام أو ترك الواجب، فليس بعدل. أما العادات الجارية بين الناس، وهي تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فلا مدخل لها في الأمر الديني الذي تقوم عليه قنطرتان عظيمتان هما الرواية والشهادة. فقد يخالف الإنسان المروءة العرفية دون أن تذهب مروءته الشرعية.

المحور الخامس: تقسيم المعاصي إلى صغائر وكبائر

ذهب الجمهور إلى أن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]، وبقوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: 7]، ففرّقت الآية بين الكفر والفسوق والعصيان. واستدلوا أيضًا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتًا متواترًا من تسمية بعض الذنوب كبائر وبعضها أكبر الكبائر.

وذهبت جماعة، منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني والجويني وابن فورك، إلى أن المعاصي كلها كبائر، وأن ما يُسمّى صغيرة إنما هو صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه. ولهذه المسألة أثر مباشر في باب العدالة، لأن الحكم على الراوي بالفسق يتوقف على ضابط الكبيرة والصغيرة.

النقاط الرئيسية

  • شروط العمل بخبر الآحاد ثلاثة أقسام: شروط في الراوي، وشروط في مدلول الخبر، وشروط في لفظ الخبر.
  • من شروط الراوي التكليف: فالمجنون لا يُقبل تحمّله ولا أداؤه، والصبي المميز يصح تحمّله ولا يُقبل أداؤه إلا بعد البلوغ.
  • أجمع السلف على قبول رواية من تحمّل صغيرًا وأدّى بالغًا، كابن عباس والحسنين ومحمود بن الربيع رضي الله عنهم.
  • لا تُقبل رواية الكافر بالإجماع، ورجّح الشيخ رد رواية الكافر المتأوّل من أهل القبلة.
  • أعدل الأقوال في المبتدع الذي لا يستحل الكذب: تُقبل روايته إن لم يكن داعية إلى بدعته ولم تكن بدعته مكفّرة.
  • العدالة هي التمسك بآداب الشرع فعلًا وتركًا، والحكم على الراوي يكون بالغالب على حاله من طاعة أو معصية.
  • الجمهور على أن المعاصي صغائر وكبائر، بدلالة القرآن والسنة المتواترة.

الفوائد والعبر

  • دقة منهج المحدثين والأصوليين في حفظ السنة، فقد وضعوا شروطًا محكمة لقبول الأخبار، وهذا يزيد المسلم ثقة بدينه.
  • وجوب التثبّت في الأخبار، وخاصة ما يصدر عن الكفار ووسائل إعلامهم، فلا نصدّق كل ما يقال ولا نكذّبه كله، بل نتريّث ونتحقق.
  • على طالب العلم أن يحافظ على مروءته ويتجنب ما يخرمها، لأنه قدوة لغيره ومحل ثقة الناس.
  • الإنصاف مع المخالف من أهل القبلة: نأخذ بصدقه ونحذر بدعته، ولا نقبل رواية الداعية إلى ضلالته.
  • تربية الأبناء صغارًا على حضور مجالس العلم والصدق، فقد يتحمّلون العلم في صغرهم ثم يؤدونه في كبرهم، كما فعل صغار الصحابة رضي الله عنهم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات