شرح كتاب "إرشاد الفحول " للشوكاني(2) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

2,727 مشاهدة
53 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثاني من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس بابًا من أهم أبواب أصول الفقه، وهو باب الأحكام. ففيه تعريف الحكم وأقسامه، ثم الحكم الشرعي وأنواعه التكليفية والوضعية، ثم مبحث الحاكم ومسألة التحسين والتقبيح العقليين.

ويبدأ الشيخ ببيان المقصود من دراسة أصول الفقه، وينقل فيه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «مجموع الفتاوى»: أن المقصود من أصول الفقه أن يُفقَه مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالكتاب والسنة. فهذا العلم ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة لفهم الخطاب الشرعي فهمًا صحيحًا منضبطًا.

وبعد مشاهدة هذا الدرس يتوقع أن يتمكن الطالب من التفريق بين الحكم العادي والعقلي والشرعي، وأن يفهم قيود تعريف الحكم الشرعي، وأن يعرف حد الواجب والمندوب والمكروه والمحرم والمباح، وأن يدرك الفرق بين الأحكام التكليفية والوضعية. ويتعلم كذلك أهمية تحرير ألفاظ العلماء المتقدمين وفهم مرادهم قبل نسبة الخلاف إليهم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: معنى الحكم وأقسامه العامة

يعرّف الشيخ الحكم في الاصطلاح العام بأنه إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، كإثبات الإسلام للمسلم ونفي الكفر عنه، وإثبات الجلوس لقوم ونفي القيام عنهم. وهذا المعنى العام يشمل كل حكم يصدره الإنسان على الأشياء.

والحكم ثلاثة أقسام. الأول الحكم العادي، وهو ما يُعرف بالعادة والتجربة، ومثاله كثير من أمور الطب، فمعظم الطب البشري ثبت بالتجربة والخبرة. والثاني الحكم العقلي، وهو ما يدركه العقل دون حاجة إلى تجربة أو شرع، كقولنا: الكل أكبر من الجزء، والعشرة أكبر من السبعة. والثالث الحكم الشرعي، وهو موضوع علم الأصول ومحور هذا الباب.

ويلاحظ الشيخ على الإمام الشوكاني أنه دخل مباشرة في تعريف الحكم الاصطلاحي دون أن يمهّد بهذه المعاني. ولعلها كانت في عصره من البدهيات المعروفة، ويعدّ الشيخ ذلك من المؤاخذات على الكتاب، لأن المؤلف لا يكتب لأهل عصره وحدهم.

المحور الثاني: تعريف الحكم الشرعي وشرح قيوده

عرّف الشوكاني الحكم الشرعي بأنه: «الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع». فالخطاب هو كلام الله تعالى، ويدخل فيه خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وحي، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي صاغ لفظه. ويخرج بهذا القيد كلام الملائكة وكلام البشر فيما بينهم، فليس شيء منه حكمًا شرعيًا.

وقوله «بأفعال المكلفين» يخرج الملائكة والجمادات والحيوانات. و«الاقتضاء» هو الطلب، فيشمل طلب الفعل جزمًا وهو الواجب، أو مع جواز الترك وهو المندوب، ويشمل طلب الترك جزمًا وهو المحرم، أو مع جواز الفعل وهو المكروه. و«التخيير» هو الإباحة. ويبيّن الشيخ أن الإباحة ليست تكليفًا على الحقيقة، لكنها تتحول بالنية والقصد إلى أحد الأحكام الأربعة. ومثّل لذلك بالأكل: فهو مباح في ذاته، ويجب لحفظ النفس، ويُستحب إذا قُصد به التقوّي على الطاعة، ويحرم إذا قُصد به الإعانة على الحرام. قال تعالى:

﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]

وأما «الوضع» فهو جعل الشارع شيئًا علامة على حكم، وهو ثلاثة: السبب، والشرط، والمانع. ومثال السبب أن زوال الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر، وأن ملك النصاب مع حولان الحول سبب لوجوب الزكاة. والشرط هو ما يلزم من عدمه عدم الحكم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، كالطهارة للصلاة. والمانع كالحيض يمنع صحة الصلاة والصيام. وسُمّيت هذه الثلاثة وضعية لأن الشارع وضعها علامات على أحكام التكليف وجودًا أو انتفاءً. وبعض الأصوليين يُدخل فيها الرخصة والعزيمة والصحة والفساد، على خلاف بينهم في ذلك.

المحور الثالث: الواجب وأقسامه والفرق بينه وبين الفرض

الواجب في اللغة اللازم والساقط، ومنه قول الله تعالى:

﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا﴾ [الحج: 36]

أي سقطت. وفي الاصطلاح: ما يُمدح فاعله ويُذم تاركه على بعض الوجوه. وقيد «على بعض الوجوه» يُدخل الواجب المخيَّر والواجب الكفائي. فالواجب المخيّر لا يُذم تاركه إلا إذا ترك جميع الخصال، كما في كفارة اليمين:

﴿فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89]

وأما الواجب الكفائي، كتجهيز الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، فإذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين. ويُقسم الواجب باعتبار وقته إلى مضيّق وموسّع. والحج يشبه الموسّع من جهة، ويضيق وقته من جهة أخرى، قال تعالى:

﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]

ويُقسم كذلك باعتبار فاعله إلى عيني وكفائي، وباعتبار ذاته إلى معيّن ومخيّر. ويستدرك الشيخ تقسيمًا رابعًا لم يذكره الشوكاني، وهو تقسيمه باعتبار مقداره إلى مقدّر وغير مقدّر. ثم يقرر أن الفرض والواجب مترادفان عند جمهور العلماء، وأن الأحناف، وهي رواية في مذهب الإمام أحمد، فرّقوا بينهما فجعلوا الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني. ويبيّن الشيخ أنهم اختلفوا في التأصيل واتفقوا في المآل، فإذا صح الدليل وجب العمل به، ولذلك يرى أن هذا التفريق في جملته غير صحيح.

المحور الرابع: المندوب والمكروه والمباح وتحرير لفظ الكراهة عند السلف

المندوب في اللغة هو المدعوّ إليه، وفي الاصطلاح ما يُمدح فاعله ولا يُذم تاركه. والمباح ما لا يُمدح على فعله ولا على تركه، ويرى الشيخ أنه لو زيد في التعريف قيد «لذاته» لكان أفضل، لأن المباح قد يُمدح أو يُذم بحسب النية والقصد.

ويقف الشيخ وقفة مهمة عند لفظ «الكراهة» في كلام المتقدمين، فينبّه إلى أنهم قد يطلقونه ويريدون به التحريم. ومن لا يدقق في ذلك قد يحكي خلافًا لا وجود له. ومثّل بالإمام أحمد رحمه الله حين سُئل عن الذبح لغير الله فقال: «أكره ذلك»، مع أن له أقوالًا صريحة في أنه من الشرك، فلا يصح حمل لفظه هنا على كراهة التنزيه.

ويقرر أن كلام العالم يُحمل على كلامه الآخر، أو على ما بيّنه تلاميذه والمقرّبون منه. ويضرب لذلك مثلًا بمسألة المعازف والغناء، فيحذّر من ادعاء الخلاف فيها بناءً على ألفاظ لم تُحرَّر. ويذكر قول الإمام مالك حين سُئل عن الغناء: «إنما يفعله عندنا الفساق». ويشير إلى أنه بسط هذه المسألة في كتابه «نيل الحسنيين»، وأن للعلامة ابن القيم فيها بحثًا نفيسًا.

المحور الخامس: الحاكم ومسألة التحسين والتقبيح

ينتقل الشوكاني إلى المبحث الثاني، وهو الحاكم، ويقرر أنه لا خلاف في أن الحاكم هو الشرع بعد البعثة وبلوغ الدعوة. ثم يعرض الشيخ الأقوال في التحسين والتقبيح العقليين. فالأشاعرة يقولون إنه لا فرق في ذات الأفعال بين الصدق والكذب ولا بين النكاح والسفاح، وإنما معنى حُسن الشيء كونه مأمورًا به، ومعنى قبحه كونه منهيًا عنه.

والقول الوسط الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله أن في الأفعال حُسنًا وقبحًا يدركه العقل، لكن الحاكم القاضي في ذلك هو الشرع. فالعقل عندهم مقيّد بالشرع لا حاكم بنفسه، ولا يترتب الثواب والعقاب إلا بالأمر والنهي. ويذكر الشيخ أن ابن القيم وصف مذهب نفي الحُسن والقبح الذاتيين بأن العقل يجزم ببطلانه بعد تصوره وتصور لوازمه، وأن القرآن دل على فساده في غير موضع.

ومن أمثلة الشيخ على ذلك أن الصدق حسن في ذاته، ومع هذا أباح الشرع الكذب بين الزوجين لمقصد الإصلاح. ويُختم المبحث بتقرير أن الله سبحانه، وإن كانت القبائح تستحق العقوبة، لا يعذّب إلا بعد إرسال الرسل، كما قال تعالى:

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]

النقاط الرئيسية

  • المقصود من أصول الفقه أن يُفقه مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالكتاب والسنة.
  • الحكم ثلاثة أقسام: عادي يُعرف بالتجربة، وعقلي يدركه العقل، وشرعي مصدره خطاب الشارع.
  • الحكم الشرعي هو الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، ولكل قيد فيه ما يدخله وما يخرجه.
  • الأحكام التكليفية: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح. والأحكام الوضعية: السبب والشرط والمانع.
  • المباح يتحول بالنية والقصد إلى أحد الأحكام الأربعة الأخرى.
  • الفرض والواجب مترادفان عند الجمهور، والتفريق بينهما بقطعية الدليل وظنيته لا يغيّر وجوب العمل بالدليل الصحيح.
  • الحاكم هو الشرع، والعقل يدرك حُسن بعض الأفعال وقبحها، لكنه لا يستقل بالحكم، ولا عذاب إلا بعد إرسال الرسل.

الفوائد والعبر

  • استحضار النية الصالحة في المباحات اليومية كالأكل والنوم يجعلها قربات يؤجر عليها العبد.
  • على طالب العلم أن يحرّر ألفاظ العلماء المتقدمين، كلفظ الكراهة، قبل أن ينسب إليهم قولًا أو يحكي خلافًا.
  • يُحمل كلام العالم على مجموع أقواله وما نقله عنه تلاميذه، لا على عبارة مقتطعة من سياقها.
  • فهم الواجب الكفائي يدفع المسلم إلى المبادرة في القيام بفروض الكفاية، كتجهيز الموتى والصلاة عليهم، طلبًا للأجر وإسقاطًا للإثم عن الأمة.
  • جعل الشرع هو الحاكم والميزان الواحد في كل المسائل يعصم من اتباع الهوى ومن التذرّع بدعاوى الضرورة والمصلحة دون ضوابط شرعية.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات