شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(15) شرح لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

5,002 مشاهدة
161 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الخامس عشر من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ المجلس بالمقصد الرابع من الكتاب، وهو من أهم أبواب أصول الفقه، لأنه يتناول دلالات الألفاظ الشرعية: الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والإجمال والتبيين، والظاهر والمؤول، والمنطوق والمفهوم، والناسخ والمنسوخ.

ويركز هذا المجلس على باب الأمر، فيعرض الفصل الأول في حقيقة لفظ الأمر وما يُطلق عليه، ثم الفصل الثاني في حدّ الأمر وتعريفه. ويذكر الشيخ أقوال الأصوليين من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، والاعتراضات عليها والأجوبة عنها، ثم يبيّن القول الذي اختاره الشوكاني.

والهدف أن يعرف طالب العلم المعنى الحقيقي للفظ الأمر، وأن يعرف تعريفاته المختلفة وأسباب الاعتراض عليها، وأن يتدرّب على طريقة الأصوليين في نقد الحدود وتحريرها. وهذه المعرفة يحتاجها كل من يريد أن يفهم نصوص الكتاب والسنة ويستنبط منها الأحكام.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تقسيم المقصد الرابع وحقيقة لفظ الأمر

افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، وفيها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]، وقول النبي ﷺ: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

ثم بيّن أن الشوكاني جعل لكل قسم من أقسام المقصد الرابع بابًا مستقلًا. فللأوامر والنواهي بابان: باب في مباحث الأمر، وباب في مباحث النهي. وقسّم باب الأمر إلى أحد عشر فصلًا.

ونقل الشوكاني في الفصل الأول عن «المحصول» أن العلماء اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص، مثل: «افعل» و«قم» و«اجلس». واختلفوا هل هو حقيقة في غيره:

  • قال بعض الفقهاء: هو حقيقة في الفعل أيضًا.
  • قال الجمهور: إطلاقه على الفعل مجاز.
  • قال أبو الحسين البصري المعتزلي في «المعتمد»: هو مشترك بين القول المخصوص، والشيء، والصفة، والشأن والطريق.

واستدل من قصره على القول المخصوص بأن المتبادر إلى الفهم عند إطلاق كلمة «أمر» هو القول المخصوص، والتبادر علامة الحقيقة، والأصل عدم الاشتراك. واستدلوا أيضًا بأنه لو كان حقيقة في الفعل لسُمّي الأكل أمرًا والشرب أمرًا، ولاشتُق للفاعل اسم «آمر»، وليس الأمر كذلك. فمن قام أو قعد لا يُسمّى آمرًا. ويصح كذلك أن يُنفى الأمر عن الفعل، فيقال: «ما أمر به ولكن فعله».

المحور الثاني: أدلة القائلين بأن الأمر حقيقة في الفعل والجواب عنها

استدل القائلون بأن الأمر حقيقة في الفعل بوجهين. الأول: أن أهل اللغة استعملوا لفظ الأمر في الفعل، والأصل في الاستعمال الحقيقة. ومن أمثلة ذلك:

  • ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40]
  • ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: 73]، أي من فعله.
  • ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: 50]
  • ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [الحج: 65]
  • ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: 12]
  • ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: 97]
  • من كلام العرب: «لِأَمْرٍ مَا يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ»، و«لِأَمْرٍ مَا جَدَعَ قَصِيرٌ أَنْفَهُ».

والوجه الثاني: أن العرب فرّقت في الجمع، فجمعت الأمر بمعنى القول على «أوامر»، والأمر بمعنى الفعل على «أمور»، والاشتقاق علامة الحقيقة.

وأُجيب عن الوجه الأول بأن الأمر في هذه النصوص يُحمل على الشأن والطريقة، أو على القول. فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ يحتمل القول أو الشأن. ويدل سياق قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ على أن المراد القول، لأن الآية تقول قبله: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أي أطاعوه فيما أمرهم به. وأما الجري والتسخير فإنما حصلا بقدرة الله، فوجب حمل الأمر فيهما على الشأن. وأُجيب أيضًا بأن الأصل عدم الاشتراك. وعن الوجه الثاني بأن «أمور» قد تكون جمع الأمر بمعنى الشأن لا بمعنى الفعل، ولا يُسلَّم أن الجمع من علامات الحقيقة.

واستدل أبو الحسين البصري لقوله بأن السامع إذا سمع «هذا أمر» توقف ولم يدر أي المعاني أراد المتكلم، والتوقف دليل الاشتراك. وأُجيب بأن هذا التوقف غير مسلَّم، فالذي يُفهم عند الإطلاق هو القول، إلا إذا وُجدت قرينة تصرف عنه. والخلاصة أن العلماء اتفقوا على أن الأمر حقيقة في القول المخصوص، واختلفوا في إطلاقه على الفعل.

المحور الثالث: حدّ الأمر عند الأصوليين والاعتراضات عليه

عقد الشوكاني الفصل الثاني لبيان حدّ الأمر بمعنى القول، وأورد عدة تعريفات مع ما ورد عليها من اعتراضات:

  • تعريف القاضي أبي بكر: الأمر هو «القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به». واعترض عليه صاحب «المحصول» بأنه يلزم منه الدور، لأن لفظَي «المأمور» و«المأمور به» مشتقان من الأمر، فلا يُعرفان إلا بعد معرفته. وبأن الطاعة عند الأشاعرة هي موافقة الأمر، فتعريف الأمر بها دور أيضًا.
  • تعريف أكثر المعتزلة: الأمر هو «قول القائل لمن دونه: افعل، أو ما يقوم مقامه». واعترض عليه الرازي بثلاثة أوجه. الأول: لو كانت صيغة «افعل» من المهملات لما سُمّي النطق بها أمرًا، وكذلك إذا صدرت من النائم أو الساهي أو الحاكي. الثاني: الأمر حقيقة واحدة لا تختلف باختلاف اللغات، فقصر التعريف على الصيغة العربية لا يصح. الثالث: اشتراط الرتبة لا يُسلَّم. ويرد عليه أيضًا أن «افعل» قد تأتي للتهديد أو التعجيز أو الإباحة، وقد يصدر الأمر من الأدنى على سبيل الاستعلاء.
  • تعريف الرازي: الأمر هو «طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء». ومن العلماء من لم يعتبر قيد الاستعلاء.
  • تعريف من قال إنه «اقتضاء فعل غير كفّ على جهة الاستعلاء»: واعتُرض عليه بصيغ مثل «كُفَّ» و«انتهِ» و«اترك» و«ذَرْ»، فهي أوامر لكنها طلب كفّ، فلا يشملها التعريف. وأُجيب بأن المحدود هو الكلام النفسي، فمعنى «كُفَّ» نهي في الحقيقة.
  • تعريف من قال إنه «صيغة افعل بإرادات ثلاث»: وهي إرادة وجود اللفظ، وإرادة دلالته على الأمر، وإرادة الامتثال. فالقيد الأول يُخرج كلام النائم، والثاني يُخرج التهديد والتعجيز ونحوهما، والثالث يُخرج المبلِّغ والحاكي.
  • تعريف من قال إنه «إرادة الفعل»: واعتُرض عليه بمسألة السيد الذي يأمر عبده أمام من توعّده بالهلاك إن ثبت أن العبد لا يخالفه، فهو يأمر عبده ولا يريد منه الفعل. وبما ذكره الآمدي من أن الأمر لو كان إرادة لوقعت المأمورات بمجرد الأمر، ومن المعلوم أن الله أمر بالإيمان من علم أنه لا يؤمن.

وبيّن الشيخ أثناء الشرح الفرق بين الكلام النفسي عند الأشاعرة والكلام اللفظي، وأن بعض الاعتراضات تُبنى على أن المحدود هو المعنى القائم بالنفس لا الصيغة.

المحور الرابع: ترجيح الشوكاني والخلاف في اشتراط العلو والاستعلاء

ردّ الشوكاني على الأوجه التي اعترض بها الرازي على تعريف المعتزلة. فالنائم والساهي ونحوهما لا يُنقض بكلامهم، لأنه ليس كلامًا معتبرًا عند أهل اللغة. والاعتراض باختلاف اللغات غير وارد، لأن المقصود في هذا العلم ما تقتضيه لغة العرب. وردّ اعتبار الرتبة مصادرة على المطلوب. واعترض كذلك على قيد الاستعلاء بقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: 35]، فقد سمّى طلبه من قومه أمرًا مع علوّه عليهم، والأصل في الإطلاق الحقيقة.

ثم اختار الشوكاني أن الأولى في علم الأصول تعريف الأمر الصيغي، أي الصيغة اللفظية لا المعنى النفسي. وعلّل ذلك بأن هذا العلم يبحث في الأدلة السمعية، وهي الألفاظ الموصلة إلى الأحكام، من جهة عمومها وخصوصها وسائر أحوالها.

والأمر في اصطلاح أهل العربية صيغته المعلومة، سواء صدرت على سبيل الاستعلاء أم لا. وفعل الأمر نحو «اضرب» يصدق مع العلو ومع عدمه، وعلى هذا أكثر الأصوليين. ثم ذكر الخلاف في اشتراط العلو: فلم يعتبره الأشعري وتابعه أكثر الشافعية، واعتبره المعتزلة جميعًا إلا أبا الحسين البصري، ووافقهم من الشافعية أبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ وابن السمعاني.

النقاط الرئيسية

  • يتناول المقصد الرابع من «إرشاد الفحول» دلالات الألفاظ، وأوّل أبوابه بابا الأمر والنهي، وقد قسّم الشوكاني باب الأمر إلى أحد عشر فصلًا.
  • اتفق الأصوليون على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص، واختلفوا في إطلاقه على الفعل: هل هو حقيقة أم مجاز أم مشترك.
  • من علامات الحقيقة التبادر إلى الفهم، والأصل في الألفاظ عدم الاشتراك.
  • حُمل لفظ الأمر في الآيات التي احتج بها القائلون بأنه حقيقة في الفعل على معنى الشأن أو القول.
  • وردت على تعريفات الأمر المشهورة اعتراضات كثيرة، منها لزوم الدور، وعدم جمع التعريف لكل أفراد الأمر، وعدم منعه دخول غيرها، كالتهديد والتعجيز وكلام الحاكي والمبلِّغ.
  • اختار الشوكاني أن المقصود بالتعريف في علم الأصول هو الأمر الصيغي اللفظي، لأن موضوع هذا العلم الأدلة السمعية.
  • اختلف العلماء في اشتراط العلو والاستعلاء في الأمر: فلم يشترطه الأشعري وأكثر الشافعية، واشترطه المعتزلة إلا أبا الحسين البصري.

الفوائد والعبر

  • فهم حقيقة الأمر وصيغه يعين المسلم على فهم أوامر الله ورسوله ﷺ فهمًا صحيحًا، وعلى المسارعة إلى امتثالها.
  • يتعلم طالب العلم من هذا الدرس منهج النقد العلمي للتعريفات، وأن التعريف الصحيح يجب أن يشمل كل أفراد المعرَّف ويمنع دخول غيرها.
  • يدل الدرس على أهمية السياق والقرائن في تحديد معنى اللفظ، كما ظهر في حمل الأمر على الشأن أو القول بحسب السياق.
  • عرض أقوال المخالفين، كالمعتزلة، ومناقشتها بالحجة والبرهان يربي طالب العلم على الإنصاف وتحرير محل النزاع.
  • تذكّر خطبة الحاجة في أول كل مجلس بأن العلم الشرعي وسيلة إلى تقوى الله، وإلى لزوم السنة واجتناب البدع.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات