شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(36) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السادس والثلاثون من مجالس شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله. يشرحه ويعلّق عليه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس مسألتين من أهم مسائل باب الاجتهاد. الأولى هي المسألة السادسة، وموضوعها ما ينبغي للمجتهد أن يعمل به في اجتهاده ويعتمد عليه، أي الترتيب الذي يسلكه في النظر في الأدلة. والثانية هي المسألة السابعة، وموضوعها المسائل التي يكون فيها كل مجتهد مصيبًا والمسائل التي يكون الحق فيها مع واحد.
لهذا الموضوع أثر كبير في المنهج العلمي لطالب العلم. فهو يرسم له طريق التعامل مع النوازل والوقائع، فيقدّم ما يستحق التقديم من نصوص الكتاب والسنة. ويضبط له موقفه من اختلاف العلماء، فلا يقع في التصويب المطلق الذي يجعل الحق متعددًا، ولا في التأثيم والتكفير والتبديع لمن اجتهد فأخطأ.
يهدف المجلس إلى أن يعرف المتعلم مراتب الأدلة التي ينظر فيها المجتهد، وأقسام الاجتهاد عند الماوردي، وموقف الأئمة من الخلاف في العقليات والشرعيات. ويهدف كذلك إلى تقرير القول الفصل المستند إلى حديث النبي ﷺ: الحق واحد، والمخطئ من المجتهدين معذور مأجور.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: ترتيب الأدلة التي ينظر فيها المجتهد
يقرر الشوكاني أن أول ما يجب على المجتهد أن ينظر في نصوص الكتاب والسنة، فإن وجد فيها النص قدّمه على غيره. فإن لم يجد أخذ بالظواهر منهما، وبما يُستفاد من منطوقهما ومفهومهما. ثم ينظر في أفعال النبي ﷺ، ثم في تقريراته لبعض أمته، ثم في الإجماع، ثم في القياس. وعلّق الشيخ على قول المصنف «إن كان يقول بحجيته» بأن الإجماع حجة لا ينبغي التردد فيها.
ونقل المصنف ما حكاه الغزالي عن الإمام الشافعي رحمه الله في ترتيب النظر عند وقوع الواقعات. يعرضها المجتهد أولًا على نصوص الكتاب، ثم على الخبر المتواتر، ثم على الآحاد. فإن لم يجد لم يخض في القياس مباشرة، بل يلتفت إلى ظواهر الكتاب وينظر في مخصصاتها. فإن لم يجد نظر في المذاهب، فإن وجد إجماعًا اتبعه، وإلا خاض في القياس. ويقدّم في ذلك القواعد الكلية على الجزئيات، كتقديم قاعدة الردع على مراعاة الآلة في القتل بالمثقل. فإن عدم ذلك كله تمسك بالبراءة الأصلية، وهي معتبرة جدًا عند الظاهرية. وعند تعارض الأدلة يقدّم الجمع على وجه مقبول، فإن تعذّر رجع إلى الترجيح.
وختم الشوكاني هذه المسألة بكلام نفيس. فمن أكثر من تتبع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وجعل ذلك دأبه، واستعان بالله، وكان مقصده الوقوف على الحق دون التعصب لمذهب، وجد فيهما كل ما يطلبه من أدلة الأحكام، فهما البحر الذي لا ينزف والنهر العذب الزلال. وردّ على من زعم أن أدلة الكتاب والسنة لا تفي بجميع الحوادث بأنه أُتي من قبل تقصيره. وبيّن الشيخ أن هذا هو شأن السلفيين ودعاة الكتاب والسنة: يدورون مع النصوص بالقواعد والأصول حيث دارت.
المحور الثاني: أقسام الاجتهاد عند الماوردي
نقل المصنف عن الماوردي أن الاجتهاد بعد النبي ﷺ ينقسم إلى ثمانية أقسام:
- المستخرج من معنى النص: كاستخراج علة الربا، وهو صحيح عند القائلين بالقياس.
- المستخرج من شبه النص: كالعبد، يشبه الحر في أنه يملك لأنه مكلف، ويشبه البهيمة في أنه لا يملك لأنه مملوك.
- المستخرج من عموم النص: كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]، فإنه يعم الأب والزوج، والمراد أحدهما، ويُتوصل إليه بالترجيح.
- المستخرج من إجمال النص: كقوله تعالى في المتعة: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]، فيصح الاجتهاد في قدر المتعة باعتبار حال الزوجين.
- المستخرج من أحوال النص: كقوله تعالى في التمتع: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]، فيحتمل الرجوع في الطريق أو إلى الأهل، فيُجتهد في تغليب أحد الحالين.
- المستخرج من دلائل النص: كقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7]. استُدل على نفقة الموسر بمُدَّين لأنه أكثر ما جاءت به السنة في فدية الأذى، وعلى نفقة المعسر بمُدٍّ لأنه أقل ما جاءت به في كفارة الوطء في رمضان. وبيّن الشيخ هنا قسمة الخمسة عشر صاعًا على ستين مسكينًا، فيكون لكل مسكين مُدّ.
- المستخرج من أمارات النص: كاستخراج دلائل القبلة لمن خفيت عليه، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16].
- المستخرج من غير نص ولا أصل: وقد اختُلف في صحته، فقيل لا يصح حتى يقترن بأصل، وقيل يصح لأن الاجتهاد في الشرع أصل.
المحور الثالث: الخلاف في المسائل العقلية وحكم المخطئ فيها
قسّم المصنف المسائل العقلية ثلاثة أنواع:
- ما يكون الغلط فيه مانعًا من معرفة الله ورسوله ﷺ: كإثبات العلم بالصانع والتوحيد والعدل. فالحق فيها واحد، ومن أخطأه فهو كافر.
- ما لا يمنع الغلط فيه من ذلك: كرؤية الله عز وجل في الآخرة، وخلق القرآن، وخروج الموحدين من النار. فالحق فيها واحد، واختُلف في تكفير المخطئ.
- ما ليس من المسائل الدينية: كتركب الأجسام من الأجزاء، وانحصار اللفظ في المفرد والمؤلف. فليس المخطئ فيها بآثم، ولا المصيب بمأجور.
ثم عرض المصنف قول العنبري إن كل مجتهد في العقليات مصيب، وقول الجاحظ إنه لا إثم على المجتهد فيها. ونقل ردود العلماء عليهما. فقد بيّن ابن السمعاني أنهما محجوجان بالإجماع قبلهما وبعدهما، وأن قولهما يقتضي تصويب اليهود والنصارى وسائر الكفار في اجتهادهم، وهذا من أبطل الباطل. وقال ابن دقيق العيد: إن أُريد أن كل مجتهد مصيب لما في نفس الأمر فباطل، وإن أُريد أن من بذل الوسع ولم يقصّر يكون معذورًا غير معاقب فهو أقرب، لأن تكليفه بعد استفراغ غاية الجهد تكليف بما لا يطاق.
ثم حذّر الشوكاني تحذيرًا شديدًا من التسرع في التكفير. فتكفير المجتهد من أهل الإسلام بمجرد الخطأ في مسألة عقلية عقبة كؤود لا يصعد إليها إلا من لا يبالي بدينه. وغالب القول به ناشئ عن العصبية، وبعضه عن شبه واهية. وبيّن الشيخ أن التبديع والتضليل للمخالف في أصول الاعتقاد قائم، أما التكفير فله ضوابطه، وموضع بسط ذلك علم الكلام والعقائد.
المحور الرابع: الخلاف في المسائل الشرعية وتصويب المجتهدين
قسّم الجمهور المسائل الشرعية قسمين. الأول ما كان قطعيًا معلومًا من الدين بالضرورة، يعرفه الصغير والكبير والذكر والأنثى والحاضر والبادي، كوجوب الصلوات الخمس وصوم رمضان وتحريم الزنا والخمر. فهذا ليس كل مجتهد فيه مصيبًا، بل الحق فيه واحد، والمخالف آثم غير معذور، وكفّره جماعة. وما كان فيه دليل قاطع وليس من الضروريات، فإن قصّر المخطئ فهو آثم، وإلا فهو مخطئ غير آثم. ونبّه ابن السمعاني إلى أن ذلك امتحان من الله لعباده ليفاضل بينهم في درجات العلم، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76].
والقسم الثاني المسائل الشرعية التي لا قاطع فيها، وقد كثر فيها الخلاف. فذهب جمع، منهم أبو الحسن الأشعري والمعتزلة، إلى أن كل مجتهد فيها مصيب. وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأكثر الفقهاء إلى أن الحق في أحد الأقوال، وهو متعيّن عند الله وإن لم يتعين لنا، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد حلالًا وحرامًا في زمان واحد ولشخص واحد. وكان الصحابة رضي الله عنهم يخطّئ بعضهم بعضًا، ولو كان كل اجتهاد حقًا لم يكن للتخطئة وجه.
ونقل المصنف عن ابن فورك ثلاثة أقوال في المسألة. ونقل كذلك قول من زعم أن الحق واحد وأن المخالف له آثم، ومن قال به الأصم والمريسي وابن عُليّة إبراهيم، لا الإمام إسماعيل. وبيّن الشيخ خطأ هذا القول. واستشهد بكلام الإمام الذهبي رحمه الله في السير: لو أنّا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له قمنا عليه وبدّعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده ولا من هو أكبر منهما.
المحور الخامس: القول الفصل بحديث «إذا اجتهد الحاكم»
بيّن الشوكاني أن الأصوليين أطالوا في هذه المسألة وأوردوا أدلة لا تقوم بها حجة، وأن الدليل الرافع للنزاع هو الحديث الثابت في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:
«إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» [متفق عليه].
فهذا الحديث يفيد أن الحق واحد. فبعض المجتهدين يوافقه فيقال له مصيب ويستحق أجرين، وبعضهم يخالفه فيقال له مخطئ ويستحق أجرًا واحدًا. واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيبًا، وإطلاق اسم الخطأ عليه لا يستلزم ألا يكون له أجر. فمن قال إن كل مجتهد مصيب وجعل الحق متعددًا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ خطأً بيّنًا، لأن النبي ﷺ جعل المجتهدين قسمين: مصيبًا ومخطئًا، ولو كان الجميع مصيبين لم يكن لهذا التقسيم معنى. ومن قال إن الحق واحد ومخالفه آثم فالحديث يردّ عليه ردًا بيّنًا، لأن النبي ﷺ سمّى من لم يوافق الحق مخطئًا ورتّب على ذلك استحقاقه للأجر.
فالحق الذي لا شك فيه أن الحق واحد، وأن مخالفه مخطئ معذور مأجور، بشرط أن يكون من أهل الاجتهاد، وأن يكون قد بذل وسعه ولم يقصّر في البحث بعد إحرازه لأدوات الاجتهاد.
النقاط الرئيسية
- أول ما يجب على المجتهد النظر في نصوص الكتاب والسنة. يليها الظواهر والمنطوق والمفهوم، ثم أفعال النبي ﷺ وتقريراته، ثم الإجماع، ثم القياس، ثم البراءة الأصلية.
- عند تعارض الأدلة يُقدَّم الجمع بينها على وجه مقبول، فإن تعذّر صير إلى الترجيح.
- قسّم الماوردي الاجتهاد ثمانية أقسام، تبيّن تنوع طرق استنباط الأحكام من النصوص.
- في الكتاب والسنة كفاية لمن أكثر من تتبعهما وتجرّد للحق، والقول بأنهما لا يفيان بجميع الحوادث ناشئ عن التقصير.
- الحق في المسائل العقلية الدينية واحد، وقول العنبري والجاحظ بتصويب الجميع باطل مردود بالإجماع.
- تكفير المجتهد المسلم بمجرد الخطأ في مسألة اجتهادية عقبة كؤود يجب الحذر منها.
- القول الفصل في المسألة: الحق واحد، والمجتهد المصيب له أجران، والمخطئ معذور له أجر واحد، بنص حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.
الفوائد والعبر
- تعظيم النصوص الشرعية وتقديمها: ينبغي لطالب العلم أن يجعل الكتاب والسنة أول مرجع، وأن يكثر من تتبعهما ويتجرد عن التعصب المذهبي، فهما البحر الذي لا ينزف.
- الإنصاف مع المخالف: العالم المجتهد إذا أخطأ بعد بذل وسعه معذور مأجور، فلا يجوز تبديعه ولا هجره لخطأ في آحاد المسائل، كما قرر الإمام الذهبي رحمه الله.
- الحذر من التكفير بغير بيّنة: التكفير حكم خطير لا يُقدِم عليه إلا من لا يبالي بدينه، والواجب التثبت وعدم التسرع فيه.
- الثبات على أن الحق واحد: اختلاف العلماء لا يجعل كل الأقوال صوابًا، والواجب على المسلم أن يطلب الحق بدليله ويتبعه، لا أن يتخيّر من الأقوال ما يوافق هواه.
- الإخلاص وبذل الوسع في طلب الحق: العذر والأجر مشروطان بالأهلية واستفراغ الجهد وعدم التقصير، فعلى المسلم أن يجتهد في معرفة الحق ويستعين بالله ويسأله التوفيق.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات