شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(30) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,808 مشاهدة
398 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثلاثون من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، ويشرحه ويعلّق عليه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس بابًا مهمًّا في القياس، وهو «مسالك العلة»، أي الطرق التي يُعرف بها أن الوصف علةٌ للحكم الشرعي. فالقياس مبنيٌّ على العلة، ومن أحسن معرفة طرق إثباتها عرف كيف يُلحق الفرع بالأصل على وجه صحيح.

ويشرح المجلس مسلكين كبيرين. أولهما المسلك الخامس، وهو «السبر والتقسيم»، فيبيّن معناه وأقسامه وشروطه وأقوال العلماء في حجيته. وثانيهما المسلك السادس، وهو «المناسبة» أو «الإخالة»، وقد وصفها الشوكاني بأنها «عمدة كتاب القياس ومحلّ غموضه ووضوحه». ثم يذكر أقسام المناسب: الضروري والحاجي والتحسيني، ومعها مقاصد الشريعة الكلية.

والمقصود أن يفهم طالب العلم كيف يستخرج العلماء علل الأحكام، وكيف يُبطلون الأوصاف التي لا تصلح للتعليل، وأن يعرف ضوابط المناسبة وحفظ الشريعة للضروريات الخمس، فيقوى عنده الفهم الأصولي ويحسن تعامله مع النصوص والمسائل.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: السبر والتقسيم، معناه وأقسامه وطرق الإبطال فيه

السبر في اللغة هو الاختبار، ومنه «المِسبار»، وهو الميل الذي يُختبر به عمق الجرح. وسُمّي هذا المسلك بذلك لأن الناظر يجمع الصفات ويقسّمها، ثم يختبر كل واحدة منها: هل تصلح أن تكون علةً أم لا؟ وذكر الشيخ أن من أدلته في القرآن قوله تعالى في سورة الطور، فإذا بطل أن يكونوا خُلقوا من غير شيء، وبطل أن يكونوا هم الخالقين، لم يبق إلا أن الله هو الخالق سبحانه.

قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ۝ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35-36]

وهو في الاصطلاح قسمان:

  • المنحصر: وهو ما دار بين النفي والإثبات. فتُحصر الأوصاف التي يمكن التعليل بها في الأصل، ثم يُبطل ما لا يصلح منها بدليله، فيتعيّن الباقي علةً.
  • المنتشر: وهو ما لم يدر بين النفي والإثبات.

ويكون إبطال الوصف بأحد هذه الطرق: أن يكون الوصف ملغًى، أو أن يكون وصفًا طرديًّا لا أثر له كالطول والقِصَر، أو أن يرد عليه نقض أو كسر، أو أن يكون خفيًّا أو مضطربًا.

ويقع السبر والتقسيم في القطعيات، كقول المناظر: العالم إما قديم وإما حادث، وقد بطل أن يكون قديمًا، فثبت أنه حادث. ويقع في الظنيات، كقياس الذرة على البُرّ في الربا: فيقول المستدل إنه بحث في أوصاف البر فلم يجد ما يصلح للربوية إلا الطعم والقوت والكيل، ثم أبطل الطعم والقوت بدليل، فتعيّن الكيل.

المحور الثاني: شروط صحة السبر والتقسيم وأقوال العلماء في حجيته

ذكر الشوكاني شروطًا لصحة هذا المسلك:

  • أن يكون الحكم في الأصل معلَّلًا بمناسب، خلافًا للغزالي.
  • أن يُتّفق على أن العلة لا تركيب فيها. فإن لم يُتّفق على ذلك لم يصح المسلك، لأن الوصف إذا بطل كونه علةً مستقلة جاز أن يكون جزءًا من علة، فلا بد من إبطال كونه علةً أو جزءَ علة.
  • أن يكون السبر حاصرًا لجميع الأوصاف. ويثبت الحصر بأن يوافق الخصم عليه، أو يعجز عن إبراز وصف زائد، أو يقول المستدل: «بحثتُ فلم أجد سوى ما ذكرت»، إذا كان أهلًا للبحث.

ونازع في ذلك بعض الأصوليين، منهم الأصفهاني، فقالوا: إن قول المعلِّل «بحثت فلم أجد» لا يُلزم خصمه، لأن الدليل هو ما يُعلم به المدلول، وجهلُ الطالب بغير ما ذكر لا يوجب على خصمه شيئًا. وفرّق بعضهم بين المجتهد وغيره: فقول المجتهد «بحثت» معتبر، وقول غيره لا عبرة به.

أما السبر المنتشر ففي حجيته أقوال:

  • أنه ليس بحجة مطلقًا، لا في القطعيات ولا في الظنيات.
  • أنه حجة في العمليات فقط لأنه يفيد غلبة الظن، وهو اختيار إمام الحرمين وابن برهان وابن السمعاني، وصححه الصفي الهندي.
  • أنه حجة للناظر دون المناظر، وهو اختيار الآمدي.
  • أنه دليل قطعي، حكاه ابن العربي ونسبه إلى أبي الحسن والقاضي وأصحاب الشافعي.

واستدلوا بأن القرآن نطق به ضمنًا في مواضع وصرّح به في أخرى. فمن الضمني قوله تعالى في سورة الأنعام:

﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 139]

ومن الصريح قوله تعالى:

﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: 143]

وبيّن الشيخ وجه التقسيم في الآية: هل المحرَّم هو الذكر، أم الأنثى، أم ما اشتملت عليه الأرحام؟ وقد بطلت الأقسام كلها، فلم يحرّم الله شيئًا من ذلك. ثم ذكر أن بعض الأصوليين أنكر أن يكون السبر والتقسيم مسلكًا مستقلًا، ومنهم الأبياري في شرح البرهان. وذكر اعتراض ابن المنيّر، وحاصله أن الوصف المنفي لا يخلو أن يكون مناسبًا أو شبهًا أو طرديًّا، فيرجع الأمر إلى المناسبة.

المحور الثالث: المسلك السادس، المناسبة وتعريفاتها

المسلك السادس هو المناسبة. ويُعبَّر عنها بـ«الإخالة»، لأن بها يُخال أي يُظن أن الوصف علة. ويُعبَّر عنها أيضًا بالمصلحة والاستدلال ورعاية المقاصد، ويسمى استخراجها «تخريج المناط». ومعناها تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة مع سلامتها من القوادح، من غير نص ولا غيره. والمناسبة في اللغة هي الملاءمة.

ونقل الشوكاني عن «المحصول» تعريفين للمناسب:

  • أنه ما يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلًا وإبقاءً. والتحصيل هو جلب المنفعة، والإبقاء هو دفع المضرة. وكل منهما قد يكون معلومًا أو مظنونًا، دينيًّا أو دنيويًّا.
  • أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات، كما يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة في نظمها في سلك واحد.

واختلف التعريف بحسب الموقف من تعليل أفعال الله بالحِكَم. فمن منع ذلك عرّف المناسب بأنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات، ومن أجازه عرّفه بأنه ما يجلب للإنسان نفعًا أو يدفع عنه ضرًّا. وقيل: هو ما لو عُرض على العقول لتلقّته بالقبول. وقال أبو زيد الدبوسي: هو حجة للناظر لا للمناظر، لأن الإنسان لا يكابر نفسه. وقال الغزالي: إذا أبدى المعلِّل المناسبة على وجه منضبط فلا يُلتفت إلى جحود الجاحد.

وعرّفه ابن الحاجب بأنه وصف ظاهر منضبط، يحصل عقلًا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا من حصول مصلحة أو دفع مفسدة. فإن كان الوصف خفيًّا أو غير منضبط اعتُبرت مظنّته، كالسفر الذي هو مظنة المشقة، والقتل العمد العدوان الذي هو مظنة إرادة إزهاق النفس. وضعّف الصفي الهندي هذا التعريف لأنه أدخل الاقتران في ماهية المناسبة، والاقتران أمر خارج عنها، فهو دليل على العلية وليس جزءًا من المناسبة.

المحور الرابع: مراتب حصول المقصود من شرع الحكم

احتج إمام الحرمين لإفادة المناسبة العلية بعمل الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا يُلحقون غير المنصوص بالمنصوص إذا غلب على ظنهم أنه يشبهه في المعنى. ثم رأى أن الأَولى الاعتماد على العمومات الدالة على الأمر بالقياس.

ويحصل المقصود من شرع الحكم على مراتب:

  • يقينًا: كمصلحة البيع في حصول الحل والملك.
  • ظنًّا: كمصلحة القصاص في حفظ النفوس.
  • مع تساوي الاحتمالين: كحدّ الخمر لحفظ العقل، لأن الإقدام على الشرب يساوي الإحجام عنه.
  • مع رجحان عدم الحصول: كنكاح الآيسة من الحيض لطلب النسل، فعدم الحمل فيها أرجح.

وأنكر بعضهم التعليل بالقسم الثالث، وبعضهم بالقسم الرابع. والأصح عند الصفي الهندي جوازه إذا كان ذلك في بعض الصور الشاذة، وكان الوصف في أغلب صور الجنس مفضيًا إلى المقصود. أما إذا قُطع بانتفاء المقصود فقد اعتبره الحنفية، والأصح أنه لا يُعتبر. ومثّلوا له بإلحاق نسب ولدِ رجل في المشرق بامرأة تزوجها في المغرب ولم يلتقيا قط.

المحور الخامس: أقسام المناسب ومقاصد الشريعة

ينقسم المناسب إلى حقيقي وإقناعي، والحقيقي ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: الضروري، وهو حفظ المقاصد الخمس التي لم تختلف فيها الشرائع، وهي:

  • حفظ النفس: بشرع القصاص، ولولاه لتهارج الخلق واختل نظام المصالح.
  • حفظ المال: بإيجاب الضمان على المتعدي، وقطع يد السارق.
  • حفظ النسب: بتحريم الزنا وإيجاب الحد عليه.
  • حفظ الدين: بقتل المرتد وقتال الكفار.
  • حفظ العقل: بحد شرب المسكر، لأن العقل قوام كل فعل تتعلق به مصلحة.

واعتُرض على دعوى اتفاق الشرائع على هذه الخمسة بأن الخمر كانت مباحة في الشرائع السابقة وفي صدر الإسلام. فأجاب الغزالي بأن المباح كان ما لا يبلغ حد السكر المزيل للعقل. ورجّح الشوكاني أن الإباحة كانت مطلقة، وذكر أنه تأمل التوراة والإنجيل وكتب أنبياء بني إسرائيل فلم يجد فيها تقييد الإباحة بعدم السكر، فلا يتم دعوى اتفاق الملل على التحريم.

وزاد بعض المتأخرين مقصدًا سادسًا هو حفظ العِرض بحد القذف، لأن العقلاء يبذلون نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم. ويلتحق بالضروري مكمِّلُه، كتحريم قليل المسكر، وتحريم البدع والمبالغة في عقوبة المبتدع الداعية، وتحريم النظر واللمس المحرمين حفظًا للنسب.

المرتبة الثانية: الحاجي، وهو ما يقع في محل الحاجة لا الضرورة. ومثاله الإجارة، فهي مبنية على حاجة الناس إلى المساكن مع عجزهم عن تملّكها وامتناع ملّاكها عن بذلها عارية. ومثله المساقاة والقِراض. وقد تكون المناسبة جلية فتلتحق بالضروريات، وقد تكون خفية.

المرتبة الثالثة: التحسيني، ومنه ما لا يعارض القواعد، كتحريم القاذورات. وقال الشاطبي في «الموافقات» إنه الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنّسات، ويجمع ذلك قسمُ مكارم الأخلاق.

النقاط الرئيسية

  • السبر والتقسيم هو حصر الأوصاف الصالحة للتعليل، ثم إبطال ما لا يصلح منها بدليل، فيتعيّن الباقي علةً.
  • ينقسم السبر إلى منحصر يدور بين النفي والإثبات، ومنتشر لا يدور بينهما. وفي حجية المنتشر أقوال، أشهرها أنه حجة في العمليات لأنه يفيد غلبة الظن.
  • من شروط صحة السبر أن يكون الحكم معلَّلًا، وأن تكون العلة غير مركبة، وأن يكون الحصر تامًّا بموافقة الخصم أو عجزه أو بحث المجتهد.
  • القرآن الكريم استعمل طريقة السبر والتقسيم في إبطال تحريم المشركين لبعض الأنعام كما في سورة الأنعام، وفي إثبات الخالق كما في سورة الطور.
  • المناسبة هي عمدة القياس، وهي وصف ظاهر منضبط يترتب عليه جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وتُعتبر مظنّته إذا كان خفيًّا أو غير منضبط.
  • يحصل المقصود من شرع الحكم يقينًا أو ظنًّا أو مع تساوي الاحتمالين أو مع رجحان عدم الحصول، ولكل مرتبة حكمها عند الأصوليين.
  • المناسب الحقيقي ثلاث مراتب: ضروري لحفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال، وزاد بعضهم العرض، ثم حاجي، ثم تحسيني.

الفوائد والعبر

  • إحكام الشريعة وشمولها: أحكام الشريعة معلَّلة بمصالح العباد في دينهم ودنياهم، وقد جاءت لحفظ الضروريات الخمس، فيزداد المسلم يقينًا بأن هذه الشريعة من عند حكيم عليم.
  • منهج علمي في التفكير والحوار: يعلّم السبر والتقسيم طالب العلم أن يحصر الاحتمالات ويختبر كلًّا منها بالدليل قبل أن يحكم، وهذا نافع في المناظرة وفي حل المسائل.
  • التواضع في دعوى الإحاطة: قول «بحثت فلم أجد» لا يُقبل إلا من أهل الاجتهاد، فلا ينبغي لطالب العلم أن يجزم بالحصر وهو لم يستوفِ البحث.
  • تعظيم الأعراض والأنفس والأموال: جعلت الشريعة الحدود والعقوبات حفظًا لهذه المقاصد، فعلى المسلم أن يصون عرضه وأعراض الناس، ويحفظ عقله من كل ما يذهبه.
  • الأمانة العلمية في التحقيق: رجع الشوكاني إلى التوراة والإنجيل وكتب أنبياء بني إسرائيل بنفسه ليتحقق من مسألة إباحة الخمر، وفي ذلك قدوة لطالب العلم في الرجوع إلى المصادر والتثبت من الدعاوى قبل قبولها.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات