شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(28) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثامن والعشرون من مجالس شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، يشرحه ويعلّق عليه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويبدأ فيه المقصد الخامس من مقاصد الكتاب، وهو باب القياس وما يتصل به من الاستدلال، كالتلازم والاستصحاب وشرع من قبلنا والاستحسان والمصالح المرسلة. وقد جعل المؤلف الكلام في القياس في سبعة فصول.
والقياس من أعظم أبواب أصول الفقه وأوسعها أثرًا، فبه يُلحق ما سكت عنه الشرع بما نصّ عليه، ويُعرف حكم النوازل والحوادث المتجددة. ولذلك كثر فيه كلام الأصوليين تعريفًا واحتجاجًا وردًّا، وتنوعت فيه المذاهب بين المثبتين والنافين.
ويتعلم المشاهد في هذا المجلس معنى القياس في اللغة والاصطلاح، وأشهر التعريفات وما ورد عليها من اعتراضات، ومذاهب العلماء في حجية القياس الشرعي وأقوال النافين له، ثم أول الأدلة النقلية التي استدل بها الجمهور على حجيته ومناقشتها.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعريف القياس في اللغة
القياس في اللغة تقدير الشيء على مثال شيء آخر وتسويته به. ومنه سُمّي المكيال مقياسًا، وكذلك ما تُقدَّر به النعال. ويقال: فلان لا يُقاس بفلان، أي لا يساويه. وضرب الشيخ مثلًا بمن يقيس القماش بالمتر ليقدّره بالقدر المطلوب.
ويقال: قِسْتُ الشيء إذا اعتبرته، أقيسه قَيْسًا وقياسًا. ومنه قيس الرأي، وقيل إن امرأ القيس سُمّي بذلك لأنهم كانوا يعتبرون الأمور برأيه. وذكر الجوهري في «الصحاح» وأبو البقاء العكبري أن فيه لغة بضم القاف: قُسْتُه أقوسه قَوْسًا. فهو على اللغة الأولى من ذوات الياء، وعلى الثانية من ذوات الواو، والغالب في الاستعمال الأولى.
المحور الثاني: تعريف القياس في الاصطلاح وما ورد عليه من اعتراضات
عرّفه القاضي أبو بكر الباقلاني بأنه: «حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة». واختاره الفخر الرازي في «المحصول» وجمهور المحققين. وإنما قال «معلوم» ليشمل الموجود والمعدوم، لأن القياس يجري فيهما. ومثّل له الشيخ بإلحاق الأرز بالبُرّ المنصوص عليه في الربا، لعلة جامعة كالقوت والادخار.
وقد اعتُرض على هذا التعريف بثلاثة أمور:
- فيه تكرار بلا فائدة، لأن «الحمل» يغني عن قوله «في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما».
- قوله «إثبات حكم لهما» يُشعر بأن الحكم ثابت في الأصل والفرع معًا بالقياس، وهذا باطل، لأن حكم الأصل ثابت بالنص أو الدليل، وحكم الفرع وحده هو الثابت بالقياس.
- الإتيان بـ«أو» في الحد يفيد الإبهام، وهو ينافي التعيين المقصود من الحد.
ومن التعريفات الأخرى: مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو زيادته عليه في المعنى المعتبر في الحكم. ومثّل الشيخ للمساواة بقياس كل ما يشوّش الفكر على الغضب في نهي القاضي عن القضاء وهو غضبان، وللزيادة بقياس الضرب على التأفيف في حق الوالدين. وعرّفه أبو الحسين البصري بأنه: تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد.
وذكر المؤلف تعريفات أخرى، منها: إدراج خصوص في عموم، وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق، واستنباط الخفي من الجلي، والجمع بين النظيرين، وبذل الجهد في طلب الحق. وبيّن أن على كل منها اعتراضات. ثم اختار الشوكاني أن يقال: «استخراج مثل حكم المذكور لما لم يُذكر بجامع بينهما». ونبّه الشيخ إلى أن أسلم التعريفات من الاعتراض: «إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر بأمر جامع».
ونقل المؤلف عن إمام الحرمين أن الحد الحقيقي للقياس متعذر، لاشتماله على حقائق مختلفة: فالحكم قديم، والأصل والفرع حادثان، والجامع علة. وقال الأبياري: الحد الحقيقي لا يُتصوَّر إلا فيما تركّب من جنس وفصل، وهذا لا يتصور في القياس.
المحور الثالث: مذاهب العلماء في حجية القياس
وقع الاتفاق على حجية القياس في الأمور الدنيوية كالأدوية والأغذية، وعلى حجية القياس الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما الخلاف في القياس الشرعي، فذهب الصحابة والتابعون وجمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه أصل يُستدل به على الأحكام التي لم يرد بها السمع.
ونقل المؤلف تقسيم الرازي في «المحصول»: فطائفة قالت إن العقل يقتضي جواز التعبد بالقياس، وطائفة قالت إنه يقتضي المنع. والمجوّزون منهم من قال وقع التعبد به، ومنهم من قال لم يقع. والقائلون بالوقوع اتفقوا على أن السمع دل عليه، واختلفوا في ثلاثة مواضع:
- هل يدل العقل على وجوب العمل به؟ قال بذلك القفال وأبو الحسين البصري، وأنكره الباقون.
- هل دلالة السمع عليه ظنية أم قطعية؟ قال أبو الحسين والآمدي إنها ظنية، وقال الأكثرون إنها قطعية.
- قصر القاساني والنهرواني العمل به على صورتين: العلة المنصوصة صراحةً أو إيماءً، وقياس الأَولى كقياس الضرب على التأفيف.
ونقل عن الأستاذ أبي منصور البغدادي أربعة مذاهب: إثباته في العقليات والشرعيات وهو قول الجمهور، وإثباته في العقليات دون الشرعيات، وإثباته في الشرعيات فيما لا نص فيه ولا إجماع دون العقليات، ونفيه فيهما جميعًا وهو قول أبي بكر بن داود الأصفهاني. وذكر أن ابن قدامة في «روضة الناظر» جعل العمل به مذهب الإمام أحمد لقوله: «لا يستغني أحد عن القياس». وأما قوله «يجتنب المتكلم في الفقه المجمل والقياس» فقد حمله القاضي أبو يعلى على القياس المخالف للنص، لأنه فاسد الاعتبار، إذ لا قياس مع النص. ونبّه الشيخ إلى أن أول من قاس قياسًا فاسد الاعتبار إبليس حين قال: ﴿أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾.
المحور الرابع: منكرو القياس ومذهب الظاهرية
أول من باح بإنكار القياس النظّام، وتابعه قوم من المعتزلة كجعفر بن حرب وجعفر بن مبشر ومحمد بن عبد الله الإسكافي. وتابعهم على نفيه في الأحكام داود الظاهري. ونقل ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» عن أبي القاسم البغدادي قوله: «ما علمتُ أحدًا سبق النظّام إلى القول بنفي القياس». ونقل ابن عبد البر أيضًا أنه لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام، إلا داود فإنه نفاه فيهما جميعًا. وبيّن الشيخ أن القياس الجائز في باب الصفات هو قياس الأولى بشروطه، فكل كمال ثبت للمخلوق وجاز أن يوصف به الرب سبحانه فهو أولى به.
وزعم داود أنه ما من حادثة إلا وفيها حكم منصوص عليه في الكتاب أو السنة، أو مدلول عليه بفحوى النص ودليله، وذلك يغني عن القياس. وقال ابن حزم في «الإحكام»: «ذهب أهل الظاهر إلى إبطال القول بالقياس جملة، وهو قولنا الذي ندين الله به، والقول بالعلل باطل». وعلّق الشيخ متعجبًا من جمود ابن حزم رحمه الله على الظاهر إلى هذا الحد، حتى أنكر تعليل الأحكام، وتساءل: ماذا يصنع في جزاء الصيد، وفي العلل المنصوصة؟ وبيّن أن الظاهرية في طرف والأحناف في الطرف المقابل. وذكر أن الشوكاني تأثر برأي الظاهرية في هذا الباب، فلم يحتج بالقياس إلا في حالتين: أن تكون العلة منصوصًا عليها، أو أن يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل.
المحور الخامس: الاستدلال بآية الاعتبار على حجية القياس ومناقشته
استدل الجمهور على حجية القياس بالكتاب والسنة والإجماع. ومن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿فَٱعْتَبِرُوا۟ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ﴾ [الحشر: 2]. ووجه الاستدلال أن الاعتبار مشتق من العبور، وهو المجاوزة. يقال: عبرتُ النهر، والمِعبر موضع العبور أو السفينة التي يُعبر فيها، والعَبرة الدمعة التي تعبر من الجفن، وعبارة الرؤيا مجاوزتها إلى ما يلازمها. فالاعتبار حقيقة في المجاوزة، والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع، فيدخل تحت الأمر.
ثم أورد صاحب «المحصول» اعتراضات على هذا الاستدلال، منها أن الاعتبار يُطلق على الاتعاظ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةً﴾، وقولهم: «السعيد من اعتبر بغيره». ومنها أن سياق الآية في إخراب بني النضير بيوتهم بأيديهم، فلو قيل عقبه «فقيسوا الذرة على البر» لكان ركيكًا لا يليق بالشرع. ومنها أن مطلق المجاوزة مشترك بين أنواع الاستدلال كلها، من الدليل العقلي والنص والبراءة الأصلية والقياس، والمشترك لا يدل على نوع بعينه. فاللفظ عند هذا المعترض محتمل بين المعنيين، ويحتاج إلى مرجّح.
النقاط الرئيسية
- القياس لغةً تقدير الشيء على مثال شيء آخر وتسويته به، وفيه لغتان: من ذوات الياء ومن ذوات الواو.
- أسلم تعريفات القياس من الاعتراض: «إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر بأمر جامع»، واختار الشوكاني: «استخراج مثل حكم المذكور لما لم يُذكر بجامع بينهما».
- حكم الأصل ثابت بالنص، وحكم الفرع هو الثابت بالقياس، ولذلك انتُقد تعريف الباقلاني.
- جمهور الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين على حجية القياس الشرعي، والخلاف إنما هو في التفاصيل.
- أول من أنكر القياس النظّام، وتابعه بعض المعتزلة وداود الظاهري، وبالغ ابن حزم فأنكر التعليل أيضًا.
- لا قياس مع النص، والقياس المخالف للنص فاسد الاعتبار، وأول من قاس هذا القياس إبليس.
- استدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَٱعْتَبِرُوا۟ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ﴾، ونوقش هذا الاستدلال بأن الاعتبار قد يكون بمعنى الاتعاظ.
الفوائد والعبر
- يكشف القياس عن سعة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، فبه يُعرف حكم النوازل والمستجدات.
- ينبغي تقديم النص على الرأي دائمًا، فمن عارض النص بقياسه وقع في مسلك إبليس حين قال: ﴿أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾.
- من آداب طالب العلم أن يحرّر الحدود والتعريفات ويعرف ما يرد عليها، فذلك يضبط الفهم ويمنع الخلط.
- الإنصاف مع العلماء واجب، فيُذكر قولهم ويُعرف قدرهم وإن خالفناهم، كما صنع الشيخ مع ابن حزم والشوكاني رحمهما الله.
- الاعتبار بأحوال الأمم والأحداث من مقاصد القرآن، فالسعيد من اعتبر بغيره واتعظ.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات