شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(17) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السابع عشر من مجالس شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى، ويقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ فيه الشيخ الباب الثاني من أبواب الكتاب، وهو «باب النواهي»، ويتناول فيه ثلاثة مباحث: معنى النهي في اللغة والاصطلاح، ومعناه الحقيقي، ومسألة اقتضاء النهي الفساد.
لهذا الباب أهمية كبيرة في استنباط الأحكام الشرعية. فالنصوص التي فيها نهيٌ كثيرة في الكتاب والسنة، ومعرفة دلالة النهي تفصل بين التحريم والكراهة، وتبيّن هل العبادة أو المعاملة المنهي عنها صحيحة أم باطلة. ويترتب على ذلك أحكام عملية كثيرة في الصلاة والصيام والبيوع والأنكحة والذبائح والطلاق.
بعد هذا المجلس يستطيع المتعلم أن يعرّف النهي لغةً واصطلاحًا ويشرح قيود تعريفه، وأن يعرف صيغ النهي والمعاني المجازية التي يخرج إليها، وأن يميّز أقوال الأصوليين في معناه الحقيقي، وأن يفهم الخلاف في اقتضاء النهي الفساد والفرق بين النهي عن الشيء لذاته والنهي عنه لوصفه أو لأمر خارج عنه.
المحور الأول: تعريف النهي لغةً واصطلاحًا وصيغه
النهي في اللغة هو المنع. يقال: نهاه عن كذا، أي منعه منه. ومن ذلك تسمية العقل «نُهية»، لأنه ينهى صاحبه عن الوقوع فيما يخالف الصواب ويمنعه منه.
وفي الاصطلاح هو: القول الإنشائي الدال على طلب كفٍّ عن فعلٍ على جهة الاستعلاء. ولكل قيد في التعريف وظيفة. فقوله «الإنشائي» يُخرج الخبر. وقوله «طلب كفّ» يُخرج الأمر، لأن الأمر طلب فعل غير كفّ. وقوله «على جهة الاستعلاء» يُخرج الالتماس والدعاء، لأنه لا استعلاء فيهما.
واعتُرض على التعريف بقول القائل: «كُفَّ نفسك عن كذا». وأُجيب بأن هذا يُلتزم به لأنه من أفراد النهي، فلا يُنقض به التعريف. وقيل إن الأمر والنهي يختلفان باختلاف الحيثيات والاعتبارات. فقولنا: «كُفَّ عن الزنا» أمرٌ باعتبار إضافته إلى الكفّ، ونهيٌ باعتبار إضافته إلى الزنا، فصورته صورة الأمر وحقيقته حقيقة النهي.
وأوضح صيغ النهي: «لا تفعل كذا» وما يشبهها من الصيغ التي تدخل عليها «لا» الناهية. ويلحق بها اسم الفعل الذي بمعنى «لا تفعل»، مثل «صَهْ» ومعناه: لا تتكلم. وما ذُكر في الأمر من اعتراضات وأجوبة يُقال مثله هنا، والفرق أن الأمر طلب فعل والنهي طلب كفّ.
المحور الثاني: المعاني المجازية التي يخرج إليها النهي
الأصل في النهي التحريم، لكنه قد يأتي في السياق ما يدل على أن المراد غير التحريم، فيُستعمل حينئذ مجازًا في معانٍ كثيرة. وضرب الشيخ لذلك أمثلة من القرآن والسنة وكلام الناس.
- الكراهة: كقوله ﷺ: «لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ».
- الدعاء: كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8].
- الإرشاد: كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101].
- التهديد: كقول السيد لعبده الذي لم يمتثل أمره: «لا تمتثلْ أمري».
- التحقير: كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: 131].
- بيان العاقبة: كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42].
- التيئيس: كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ [التحريم: 7].
- الالتماس: كقولك لمن يساويك: «لا تفعل».
والخلاصة أن النهي يُستعمل مجازًا في نظير ما يُستعمل فيه الأمر. لكنه يخالف الأمر في أمرين. الأول أنه يقتضي التكرار في جميع الأزمنة، فمن نُهي عن الخمر أو السرقة لا يكفيه تركها مرة واحدة. والثاني أنه يقتضي الفور، فيجب ترك الفعل في الحال.
وقيل إنه يخالف الأمر أيضًا في أن تقدّم الوجوب ليس قرينة على الإباحة، بخلاف الأمر بعد الحظر. ونقل الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الإجماع على ذلك، وتوقف الجويني في هذا النقل. وقال الشوكاني إن مجرد توقف الجويني ليس طعنًا في الإجماع المنقول.
المحور الثالث: المعنى الحقيقي للنهي
اختلف الأصوليون في المعنى الحقيقي للنهي على أقوال:
- القول الأول، وهو قول الجمهور: أنه حقيقة في التحريم، وهو الحق. واستدلوا بدليلين. الأول لغوي، وهو أن العقلاء يفهمون الحتم من الصيغة المجردة عن القرائن، والتبادر علامة الحقيقة. والثاني شرعي، وهو أن السلف كانوا يستدلون بصيغة النهي المجردة على التحريم.
- القول الثاني: أنه حقيقة في الكراهة، لأنه إنما يدل على أن ترك المنهي عنه أرجح من فعله، ولا يدل على التحريم. وأُجيب بأن المتبادر إلى الفهم عند تجرد الصيغة عن القرائن هو التحريم.
- القول الثالث: أنه مشترك بين التحريم والكراهة، فلا يُحمل على أحدهما إلا بدليل. وأُجيب بأن المتبادر عند الإطلاق هو التحريم.
- القول الرابع، وهو قول الحنفية: أنه للتحريم إن كان الدليل قطعيًا، وللكراهة التحريمية إن كان الدليل ظنيًا، وهي عندهم في معنى الحرام عند الجمهور. ورُدّ هذا التفريق بأن الخلاف إنما هو في دلالة الصيغة على طلب الترك. وهذا الطلب قد يُستفاد من دليل قطعي فيكون قطعيًا، وقد يُستفاد من دليل ظني فيكون ظنيًا، وثبوت الدليل مسألة غير دلالته.
فالصواب أن النهي يفيد التحريم، إلا إذا وُجدت قرينة تصرفه عن التحريم إلى غيره.
المحور الرابع: اقتضاء النهي الفساد إذا كان لذات المنهي عنه
ذهب الجمهور إلى أن النهي إذا تعلّق بعين الفعل أو بجزء منه اقتضى فساده، والمراد بالفساد البطلان. ويكون ذلك حين يكون سبب النهي قبحًا ذاتيًا في الفعل، كالشرك والزنا. ولا فرق بين أن يكون الفعل حسيًا كالزنا وشرب الخمر، أو شرعيًا كالصلاة والصوم، كمن صلى لصنم أو صام لغير الله. والمراد عند الجمهور أن النهي يقتضي الفساد شرعًا لا لغة. وفي المسألة أقوال أخرى:
- أنه يقتضي الفساد لغةً كما يقتضيه شرعًا.
- أنه يقتضي الفساد في العبادات دون المعاملات، وهو قول أبي الحسين البصري والغزالي والرازي وابن الملاحمي والرصاص.
- أنه لا يقتضي الفساد مطلقًا، لا لغةً ولا شرعًا، لا في العبادات ولا في المعاملات. وهو قول جماعة من الشافعية والحنفية والمعتزلة، واحتجوا بأنه لو دل على الفساد لتناقض مع التصريح بالصحة.
- تفريق الحنفية بين نوعين. الأول ما لا تتوقف معرفته على الشرع، كالزنا وشرب الخمر، فالنهي عنه لعينه ويقتضي الفساد. والثاني الأفعال الشرعية، فالنهي عنها لغيرها ولا يقتضي الفساد. وذكر الشوكاني أنهم لم يستدلوا على ذلك بدليل مقبول.
واستدل الجمهور بدليلين. الأول أن العلماء في جميع الأمصار ما زالوا يستدلون بالنهي على الفساد في أبواب الربا والأنكحة والبيوع، كمن باع دينارًا بدينارين، أو تزوجت بغير ولي ولا شهود. والثاني دليل الحكمة: لو لم يفسد المنهي عنه، فإما أن تتساوى حكمة النهي وحكمة الصحة فتتعارضا وتتساقطا، وإما أن تكون حكمة النهي مرجوحة، وإما أن تكون راجحة. وفي كل الأحوال تمتنع الصحة.
ورجّح الشوكاني أن كل نهي، في العبادات والمعاملات، يقتضي تحريم المنهي عنه وفساده المرادف للبطلان اقتضاءً شرعيًا، إلا ما قام الدليل على خلافه، فيكون ذلك الدليل قرينة صارفة. ونقل عن الخطابي أن هذا مذهب العلماء قديمًا وحديثًا. ومما يُستدل به عليه:
- قوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه مسلم، وأصله في الصحيحين بلفظ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»). والمنهي عنه ليس عليه أمر الشرع، فهو مردود، أي باطل.
- قوله ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» (متفق عليه). فدل على وجوب اجتناب المنهي عنه.
المحور الخامس: النهي عن الشيء لوصفه أو لأمر خارج عنه
استدل من قصر الفساد على العبادات بأمثلة من المعاملات صحّت مع وجود النهي: الغسل بماء مغصوب يُزيل النجاسة، والذبح بسكين مغصوبة تحلّ به الذبيحة، والطلاق البدعي يقع، والبيع وقت النداء للجمعة يُفيد الملك، والوطء في الحيض تترتب عليه أحكام الوطء. وأجاب الجمهور بأن النهي في هذه الأمثلة ليس لذات الشيء ولا لجزئه، وإنما لأمر خارج عنه، كالغصب في الماء والسكين. فالماء يحصل به التطهير، والذبح ذبح شرعي، والطلاق طلاق، والإثم واقع بسبب الوصف الخارج. ولو سُلّم أن هذه الأمثلة لم تفسد، فذلك لدليل خارجي، فلا يُنقض بها الأصل.
أما النهي عن الشيء لوصفه، كالنهي عن عقد الربا لاشتماله على الزيادة، فذهب الجمهور إلى أنه لا يدل على فساد أصل العقد، وإنما يدل على فساد الوصف نفسه. فأصل البيع والشراء مشروع، والمحرّم هو وصف الزيادة. واحتجوا بأنه لو دل على فساد الأصل لتناقض مع التصريح بالصحة، وبأنه يلزم منه ألا يُعتدّ بطلاق الحائض ولا بذبح ملك الغير، وقد ثبت الإجماع على خلاف ذلك.
وذهبت جماعة إلى أن النهي لوصف الشيء يقتضي فساد أصله أيضًا، لأن النهي ظاهر في الفساد سواء كان لذات الشيء أو لوصفه. وقالوا إن التصريح بالصحة، إن وقع، يكون دليلًا صارفًا عن الظاهر، ولا ينفي أن الظاهر هو الفساد.
النقاط الرئيسية
- النهي لغةً المنع، واصطلاحًا: القول الإنشائي الدال على طلب كفٍّ عن فعل على جهة الاستعلاء.
- أوضح صيغ النهي «لا تفعل»، ويلحق بها اسم الفعل الذي بمعناها مثل «صَهْ».
- يخرج النهي مجازًا إلى معانٍ منها الكراهة والدعاء والإرشاد والتهديد والتحقير وبيان العاقبة والتيئيس والالتماس.
- يخالف النهي الأمر في أنه يقتضي التكرار في جميع الأزمنة ويقتضي الفور.
- الراجح قول الجمهور: النهي المجرد عن القرائن حقيقة في التحريم، وتفريق الحنفية بين القطعي والظني غير مُسلَّم.
- رجّح الشوكاني أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه وبطلانه شرعًا في العبادات والمعاملات، إلا ما دل الدليل على خلافه.
- يُفرَّق بين النهي لذات الشيء أو جزئه، فيقتضي الفساد، والنهي لوصفه أو لأمر خارج عنه، فيتوجه الفساد عند الجمهور إلى الوصف دون الأصل.
الفوائد والعبر
- الأصل في نواهي الكتاب والسنة التحريم، فلا يتساهل المسلم فيها بحجة أنها قد تكون للكراهة ما لم تقم قرينة صحيحة على ذلك.
- ترك المنهي عنه يجب فورًا وعلى الدوام، فالتوبة من المحرم تعني الإقلاع عنه في الحال وترك العودة إليه.
- العبادة أو المعاملة التي يخالف فيها المسلم نهي الشرع في ذاتها مردودة عليه، فينبغي أن يتعلم أحكام عبادته وبيعه وشرائه ونكاحه قبل أن يُقدم عليها.
- التمييز بين ما نُهي عنه لذاته وما نُهي عنه لوصف أو أمر خارج يعين على فهم أقوال الفقهاء في صحة العقود والعبادات أو بطلانها.
- يُقدَّم الدليل الشرعي على الآراء المجردة، كما وجّه الشوكاني إلى ترك الآراء والأخذ بالأحاديث الدالة على فساد المنهي عنه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات