شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(16) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,428 مشاهدة
163 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس عشر من مجالس شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، بشرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس الفصل الخامس من مباحث الأمر، وهو قولهم: هل يقتضي الأمر الفور أم التراخي؟ والمراد: إذا ورد الأمر الشرعي، فهل يجب على المكلف أن يبادر إلى امتثاله عند بلوغه إياه، أم يجوز له تأخيره ما دام لا يفوت المأمور به؟

وتظهر أهمية هذه المسألة في أبواب كثيرة من الفقه، كالحج والكفارات وقضاء الواجبات والعبادات التي لم يُحدَّد لها وقت مضيَّق. ويعرض الشيخ في هذا المجلس أقوال الأصوليين في المسألة، ويناقش أدلة القائلين بالفور، ويبيّن الإجابات عنها، ثم يذكر ترجيح الإمام الشوكاني.

ومن أهداف هذا المجلس: أن يتعرّف طالب العلم على مذاهب العلماء في دلالة صيغة «افعل» على الزمن، وأن يفرّق بين اعتقاد الوجوب وفعل الواجب، وأن يدرك الفرق بين الأمر والنهي وبين الخبر والإنشاء، وأن يتدرّب على طريقة الأصوليين في الاستدلال والمناقشة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تحرير محل النزاع والتفريق بين الاعتقاد والفعل

بيّن الشيخ أن القائلين بأن الأمر يقتضي التكرار يلزمهم القول بالفور، لأنهم يرون أن الفعل المأمور به يستغرق الأوقات على الدوام. أما غيرهم ففصّلوا: فإن كان المأمور به مقيدًا بوقت يفوت الأداء بفواته، فالحكم تابع لذلك الوقت. وإن لم يكن مقيدًا بوقت، فهو لمجرد الطلب، ويجوز تأخيره على وجه لا يفوت معه المأمور به.

ووضّح الشيخ المسألة بالتفريق بين أمرين: أمر الاعتقاد وأمر الفعل. فنحن نعتقد الآن وجوب صوم رمضان، لكنه لا يجب علينا فعله قبل دخول وقته. ونعتقد بعد صلاة العصر فرضية صلاة المغرب، لكن لا يلزمنا أداؤها قبل وقتها. فالاعتقاد واجب حالًا، وأما الفعل غير المقيد بوقت فيجوز تأخيره بشرط ألا يفوت.

وهذا القول هو الصحيح عند الحنفية، ونُسب إلى الشافعي وأصحابه، واختاره الفخر الرازي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي. وقال ابن برهان: لم يُنقل عن أبي حنيفة ولا عن الشافعي نصٌّ في المسألة، وإنما دلّت على ذلك فروعهم الفقهية، أي أن هذا القول مستنبط من تصرفاتهم في الفقه.

المحور الثاني: مذاهب الأصوليين في المسألة

القول الأول: أن الأمر موضوع لطلب الفعل فقط، وهو القدر المشترك بين الفور والتراخي. قال الرازي في «المحصول»: «والحق أنه موضوع لطلب الفعل، وهو قدر مشترك بين طلب الفعل على الفور وطلبه على التراخي، من غير أن يكون في اللفظ إشعار بخصوص كونه فورًا أو تراخيًا». فلا يُحمل على أحدهما إلا بقرينة أو لفظ صريح.

القول الثاني: أن الأمر يقتضي الفور، فيجب الإتيان بالمأمور به في أول أوقات الإمكان. ونُسب هذا القول إلى المالكية والحنابلة وبعض الحنفية والشافعية.

القول الثالث: قول القاضي الباقلاني: إن الأمر يوجب على المكلف أحد أمرين: إما الفعل على الفور، وإما العزم على الإتيان به في ثاني الحال. القول الرابع: توقّف الجويني في كون الأمر للفور أو للتراخي من جهة اللغة. ورأى أن المكلف ممتثل بكل منهما، وتوقّف في كونه ممتثلًا إن أخّر الفعل، لاحتمال وجوب الفور. وقيل بالوقف في الامتثال أصلًا. واستشهد الشيخ في هذا السياق بحديث: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ»، وبيّن أن الأمر فيه أمر إرشاد لا أمر وجوب.

المحور الثالث: أدلة القائلين بمطلق الطلب

استدل أصحاب هذا القول بأن صيغة «افعل» لا تدل إلا على طلب الفعل، لا من جهة المادة ولا من جهة الصيغة. فكون الفعل على الفور أو على التراخي أمر خارج عن مدلول اللفظ، يُعرف بالقرائن والأدلة الخارجية. ولذلك وجب جعل الصيغة حقيقة في القدر المشترك بين القسمين، دفعًا للمجاز والاشتراك.

ومن أدلتهم أيضًا أنه يحسن من السيد أن يقول لعبده: «افعل كذا في الحال» أو «افعله غدًا». ولو كانت الفورية داخلة في معنى «افعل» لكان قوله «في الحال» تكرارًا لا فائدة منه، ولكان قوله «غدًا» تناقضًا. وليس الأمر كذلك في لغة العرب.

واستدلوا كذلك بأن أهل اللغة لم يفرّقوا بين «تفعل» و«افعل» إلا في أن الأول خبر والثاني إنشاء. ولما كان «تفعل» لا يدل على وقت بعينه، كان الأمر كذلك. ولو كان بينهما فرق في الفورية لذكروه. ومن الأمثلة على الأمر المطلق قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97].

المحور الرابع: أدلة القائلين بالفور ومناقشتها

الدليل الأول: القياس على الخبر والإنشاء. قالوا: كما أن المخبر بقوله «زيد قائم»، والمنشئ بقوله «بعتُ» أو «أنتِ طالق»، يقصد الزمن الحاضر، فكذلك الأمر. وأُجيب بأن هذا قياس في اللغة، واللغة لا تثبت بالقياس. ثم إن الحكم مختلف بين الأمرين، فالخبر حكاية عن واقع حاضر، والأمر طلبٌ لإيجاد ما لم يوجد. ومثّل الشيخ لذلك بأن من كان في صلاته يصحّ أن يُخبَر عنه بأنه يصلي، ولا يصحّ أن يُؤمر بالصلاة وهو فيها.

الدليل الثاني: القياس على النهي. قالوا: النهي يفيد الفور، فكذلك الأمر. وأُجيب بأنه قياس في اللغة أيضًا، وبأن النهي مطلوبه الترك المستمر على الدوام، فالمسلم يمتنع عن الكذب والزنا والخيانة دائمًا. أما الأمر فيتحقق امتثاله بالفعل مرة واحدة، فمن صلى العصر لا يُطالب بإعادتها. والفورية في النهي إنما جاءت من ضرورة الامتثال لا من دلالة الصيغة. الدليل الثالث: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي للفور. وأُجيب عنه بما سبق.

الدليل الرابع: ذمّ الله لإبليس على ترك السجود. قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]، بعد قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: 34]. وأُجيب بأن الأمر هنا كان مقيدًا بوقت معيّن، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29]. وبيّن الشيخ أن إبليس لم يمتثل لا فورًا ولا تراخيًا، وإنما امتنع استكبارًا وحسدًا وردًّا لأمر ربه، كما قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: 61]، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12].

الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]. وأُجيب بأن هاتين الآيتين لو دلّتا على وجوب الفور فإنما يكون ذلك بما فيهما من الأمر بالمسارعة والاستباق، لا من نفس صيغة الأمر. الدليل السادس: أن التأخير إما أن يكون إلى بدل أو إلى غير بدل، وكلاهما باطل. وأُجيب بأن البدل، على القول به، يقوم مقام المبدل في ذلك الوقت لا في كل الأوقات. الدليل السابع: أن جواز التأخير إلى وقت مجهول تكليف بما لا يطاق. وأُجيب بأن الشرع قد يصرّح بالإطلاق، فيقول: «افعل ولك التأخير»، وهذا جائز بالإجماع. ثم إن المكلف متمكن من الامتثال في أي وقت أراده.

المحور الخامس: مناقشة قولَي الباقلاني والجويني وترجيح الشوكاني

احتج القاضي الباقلاني بالقياس على خصال الكفارة، وقال: إن العزم يقوم مقام الفعل، فلا يكون المكلف عاصيًا إلا إذا عزم على الترك. وأُجيب بأن الطاعة إنما تكون بالفعل نفسه، فهو مقتضى الأمر، وأما وجوب العزم فليس من مقتضاه.

واستدل الجويني بأن الطلب متحقق، وجواز التأخير مشكوك فيه، فتجب المبادرة للخروج من العهدة بيقين. واعتُرض عليه بأن هذا ينافي ما قرّره سابقًا من أن المكلف إذا أتى بالمأمور به في أي وقت كان موقِعًا للمطلوب بحكم الصيغة. واعتُرض عليه أيضًا بأن بعض الواجبات يكون تأخيرها أفضل، كصلاة العشاء إلى ثلث الليل.

ثم رجّح الإمام الشوكاني رحمه الله فقال: «فالحق قول من قال إنه لمطلق الطلب من غير تقييد بفور ولا تراخ». أي أن صيغة الأمر من حيث هي لا تدل على الفور ولا على التراخي، وإنما يُستفاد كل منهما من الأدلة الخارجية والقرائن.

النقاط الرئيسية

  • اختلف الأصوليون في دلالة الأمر على الزمن: فمنهم من جعله لمطلق الطلب، ومنهم من جعله للفور، وقال الباقلاني بالفور أو العزم، وتوقّف الجويني.
  • القائلون بأن الأمر يقتضي التكرار يلزمهم القول بالفور.
  • يجب التفريق بين اعتقاد وجوب المأمور به، وهو واجب حالًا، وبين فعله الذي يتبع وقته أو القرائن.
  • صيغة «افعل» لا تدل على الفور ولا على التراخي، ويدل على ذلك صحة قول القائل: «افعل الآن» أو «افعل غدًا» دون تكرار ولا تناقض.
  • اللغة لا تثبت بالقياس، فلا يصح قياس الأمر على الخبر والإنشاء ولا على النهي.
  • النهي يقتضي الترك الدائم، والأمر يتحقق امتثاله بالفعل مرة واحدة، وهذا فرق جوهري بينهما.
  • رجّح الشوكاني أن الأمر لمطلق الطلب، وأن الفورية أو التراخي يُعرفان من الأدلة الخارجية والقرائن.

الفوائد والعبر

  • جواز التأخير لا ينفي فضل المبادرة، فالمسلم مأمور بالمسارعة إلى الخيرات والاستباق إليها، والمبادرة أبرأ للذمة وأحوط للدين.
  • ينبغي الحذر من التسويف في الواجبات الموسّعة كالحج وقضاء الصيام والكفارات، فإن الإنسان لا يدري متى يأتيه أجله.
  • قصة إبليس تبيّن أن الكبر والحسد أصل رد أوامر الله، فعلى المسلم أن يتلقى الأوامر الشرعية بالتسليم والانقياد.
  • دراسة الأصول تدرّب طالب العلم على فهم مدلولات الألفاظ الشرعية بدقة، وعلى التفريق بين ما يدل عليه اللفظ وما يُستفاد من القرائن.
  • من آداب العلم عرض أقوال العلماء وأدلتهم بإنصاف ومناقشتها بعلم، ثم الترجيح بالدليل، كما فعل الإمام الشوكاني رحمه الله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات