شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(37) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السابع والثلاثون من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، يشرحه ويعلق عليه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويبدأ فيه الشرح في الفصل الثاني من خاتمة الكتاب، وهو فصل «التقليد وما يتعلق به من أحكام المفتي والمستفتي». وهذا الباب من أهم أبواب أصول الفقه وأكثرها أثرًا في حياة المسلم، لأنه يحدد صلة الناس بالوحي وبالعلماء، ويبين متى يكون الأخذ بالقول اتباعًا مشروعًا، ومتى يكون تقليدًا مذمومًا.
يتناول المجلس ثلاث مسائل كبرى. الأولى في حد التقليد لغةً واصطلاحًا وتعريف المفتي والمستفتي. والثانية في حكم التقليد في مسائل الاعتقاد، وحكم من آمن بلا معرفة بالدليل. والثالثة في حكم التقليد في المسائل الشرعية الفرعية، ومذاهب الأئمة الأربعة في النهي عن تقليدهم.
والهدف من هذا المجلس أن يعرف طالب العلم المعنى الدقيق للتقليد، ويفرق بينه وبين الاتباع، ويفهم سلامة منهج السلف في الاعتقاد إذا قورن بطرائق المتكلمين، ويتعلم كيف يسأل العالم عن حكم الله ورسوله لا عن آراء الرجال.
المحور الأول: حد التقليد في اللغة والاصطلاح
التقليد في اللغة مأخوذ من «القلادة» التي يضعها الإنسان في عنقه أو يضعها في عنق غيره، ومنه تقليد الهدي، أي تعليم البُدن المهداة إلى الحرم بما يميزها. فكأن المقلِّد جعل الحكم الذي قلّد فيه المجتهد قلادةً في عنق ذلك المجتهد.
وفي الاصطلاح عُرّف بأنه «العمل بقول الغير من غير حجة». وعرّفه ابن الهمام في «التحرير» بأنه «العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة»، وهو تعريف أحسن مما قبله. وعرّفه القفال بأنه قبول قول القائل وأنت لا تعلم من أين قاله. وعرّفه الشيخ أبو حامد والأستاذ أبو منصور بأنه قبول القول من غير حجة تظهر على قوله. ورجح الشوكاني أن يقال: هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة.
ويخرج بهذا الحد أمور ليست من التقليد: العمل بقول رسول الله ﷺ، والعمل بالإجماع، ورجوع العامي إلى المفتي، ورجوع القاضي إلى شهادة العدول، وقبول رواية الراوي العدل، لأن الدليل قد قام على كل ذلك. فالأخذ بها اتباع للحجة لا تقليد. ودليل قبول خبر العدل مفهوم قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]
والمفتي هو المجتهد، ومثله قول من قال إن المفتي هو الفقيه، لأن الفقيه في اصطلاح أهل الأصول هو المجتهد لا مجرد المتفقه. أما المستفتي فهو من ليس بمجتهد، أي من ليست عنده أدوات النظر والاستنباط.
المحور الثاني: هل يسمى الأخذ بقول النبي ﷺ تقليدًا؟
يتبين من الحدود المذكورة أن قبول قول النبي ﷺ والعمل به ليس من التقليد في شيء، بل هو من الاتباع المفروض، لأن قوله ﷺ هو الحجة نفسها. فمن عمل به فقد عمل بالحجة.
ونقل القاضي حسين أنه لا خلاف في أن قبول قول غير النبي ﷺ من الصحابة والتابعين يسمى تقليدًا، أما قبول قوله ﷺ ففي تسميته تقليدًا وجهان. وذكر الشيخ أبو حامد أن الشافعي أطلق عليه لفظ التقليد. وبيّن الروياني في «البحر» أن الشافعي لم يرد حقيقة التقليد، وإنما أراد القبول من غير سؤال عن الوجه، أي المعنى اللغوي العام لا المعنى الاصطلاحي.
وأشار الزركشي إلى أن الخلاف هنا لفظي، وبه صرح إمام الحرمين في «التلخيص». ونقل القاضي في «التقريب» الإجماع على أن الآخذ بقول النبي ﷺ والراجع إليه ليس مقلدًا، بل هو صائر إلى دليل وعلم يقين. وأقوال الأنبياء سببها الوحي، وإن اجتهدوا فاجتهادهم مسدد، لأن الله عز وجل لا يقرّهم على خطأ.
المحور الثالث: التقليد في مسائل الاعتقاد
اختُلف في المسائل التي يسميها الأصوليون «العقلية»، وهي المتعلقة بوجود الباري وصفاته. ونبّه الشيخ إلى أن الأولى تسميتها بالمسائل الاعتقادية، لأن تسميتها عقلية أثر من آثار علم الكلام. فحكى الرازي جواز التقليد فيها عن كثير من الفقهاء، وذهب الجمهور إلى المنع. واستدلوا بأن الأمة أجمعت على وجوب معرفة الله عز وجل، وأن هذه المعرفة لا تحصل بالتقليد. وفصّل الشيخ في ذلك: فالإيمان المجمل بأن الله واحد في ذاته وأسمائه وصفاته فرض على الجميع ويكفي فيه ما يكفي، أما التفاصيل فلا يتكلم فيها إلا من علم دليلها.
ونقل الأستاذ أبو منصور أن أكثر الأئمة يرون من اعتقد الحق بلا معرفة بالدليل مؤمنًا من أهل الشفاعة، وإن نُسب إلى الفسق لتركه الاستدلال، ونسب هذا إلى أئمة الحديث. ونُسب إلى الأشعري وجمهور المعتزلة أنه لا يكون مؤمنًا حتى يخرج عن جملة المقلدين. وقد أنكر القشيري وأبو محمد الجويني والد إمام الحرمين صحة هذه الرواية عن الأشعري. واشتد إنكار الشوكاني لهذه المقالة، فوصفها بأنها مقالة تقشعر منها الجلود، وجناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لها بما لا تطيق. فقد كفى غالبَ الصحابة الإيمانُ المجمل، ولم يكلفهم رسول الله ﷺ بغير ذلك، ولم يُخرجهم عن الإيمان. كما أن تفسيق أئمة الحديث للمقلد في الاعتقاد لا يصح عنهم.
ونقل الأستاذ أبو إسحاق عن قوم من أهل الحديث أن المقصود هو حصول الاعتقاد الجازم الذي لا شك فيه. ومن أنعم الله عليه بالاعتقاد الصافي من الشبهات فقد أتم عليه أكمل النعم. ولذلك تجد كثيرًا من العوام إيمانهم في صدورهم كالجبال الرواسي، وتجد بعض المشتغلين بعلم الكلام لا يزال إيمانهم ينقص عروة عروة. حتى تمنى كثير من المتبحرين فيه أن يموتوا على دين العجائز، ومنهم الفخر الرازي الذي قال في آخر عمره:
نِهَايَةُ إِقْدَامِ العُقُولِ عِقَالُ ... وَأَكْثَرُ سَعْيِ العَالَمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا ... وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ
وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا ... سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا
وقال ابن السمعاني إن إيجاب معرفة الأصول على طريقة المتكلمين بعيد جدًا عن الصواب، لأن العوام لو عُرضت عليهم تلك الأدلة لم يفهموها. وغاية العامي أن يتلقى عقيدته عن العلماء، ويسلّم لها بقلب طاهر من الأهواء، ويعضّ عليها بالنواجذ. وأوضح أن هذه الطريقة أدّت بأصحابها إلى تكفير العوام أجمعين، وأدخلت عليهم الشبهات العظيمة حتى صاروا متحيرين.
المحور الرابع: التقليد في المسائل الشرعية الفرعية
ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التقليد في الفروع لا يجوز مطلقًا. ونقل القرافي أن مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد، وادّعى ابن حزم الإجماع على النهي عنه. ونُقل عن الإمام مالك قوله: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق فاتركوه». وكذلك نهى عن التقليد الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله. وروى المزني في أول «مختصره» عن الشافعي نهيه عن تقليده وتقليد غيره. وقد جمع الشوكاني نصوص الأئمة الأربعة في ذلك في رسالته «القول المفيد».
ونقل ابن القيم في «إعلام الموقعين» عن ابن عبد البر إجماع أهل العلم على أن المقلد ليس من أهل العلم، فكيف يتصدر للفتيا من ليس منهم؟ وبيّن الشوكاني أن الخلاف إنما يُعتبر فيه أقوال المجتهدين، والمقلدون لا يُعتد بخلافهم، ولا سيما أن أئمتهم أنفسهم نهوهم عن تقليدهم.
ورد الشوكاني دعوى الإجماع على عدم الإنكار على المقلدين. فخير القرون لم يُعرف فيهم التقليد أصلًا، بل كان المقصّر منهم يسأل العالم فيفتيه بالنصوص التي عرفها من الكتاب والسنة، وهذا من باب طلب حكم الله والسؤال عن الحجة الشرعية لا من التقليد. وبيّن أن الآية التي يحتج بها المجيزون إنما أمرت بالسؤال عن حكم الله لا عن آراء الرجال:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: 43-44]
النقاط الرئيسية
- التقليد لغةً من القلادة، واصطلاحًا رجّح الشوكاني أنه: قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة.
- العمل بقول النبي ﷺ وبالإجماع، ورجوع القاضي إلى الشهود، وقبول رواية العدل، كل ذلك اتباع للحجة وليس تقليدًا.
- إطلاق الشافعي لفظ التقليد على قبول قول النبي ﷺ أراد به المعنى اللغوي، والخلاف في التسمية لفظي.
- الإيمان المجمل يكفي العامة، ولا يجوز تكفير العوام أو تفسيقهم لعجزهم عن أدلة المتكلمين.
- الخوض في علم الكلام أورث كثيرًا من أهله الحيرة والشك، حتى تمنوا الموت على دين العجائز.
- الأئمة الأربعة نهوا عن تقليدهم وأمروا بعرض أقوالهم على الكتاب والسنة.
- سؤال العامي العالم عن حكم الله بالدليل ليس تقليدًا، بل هو المأمور به في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾.
الفوائد والعبر
- أن يجعل المسلم مرجعه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإذا سأل العلماء سألهم عن حكم الله ورسوله لا عن مجرد آرائهم.
- أن يحمد الله على نعمة الاعتقاد الصافي، ويحذر من الخوض في الشبهات والمناهج الكلامية التي تزلزل الإيمان.
- أن يرفق بعامة المسلمين، فلا يكلفهم ما لا يطيقون، ولا يحكم على إيمانهم بغير برهان.
- أن يتأسى بالأئمة الأربعة في تواضعهم وردّهم الأمر إلى الدليل، فيترك التعصب المذهبي ويدور مع الحق حيث دار.
- أن يحرص طالب العلم على تحصيل الأدلة وأدوات النظر، ليرتقي من التقليد إلى الاتباع البصير.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات