شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(18) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثامن عشر من مجالس شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى، بشرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يواصل فيه الشيخ مباحث العموم، ويقف عند المسألة السادسة، وهي الاستدلال على أن كل صيغة من صيغ العموم المعروفة موضوعة للعموم، كأسماء الشرط والاستفهام، و«كل» و«جميع»، و«أي»، والنكرة في سياق النفي، وألفاظ مثل «معشر» و«كافة» و«قاطبة» و«سائر».
وتظهر أهمية هذا الباب في أن معرفة ألفاظ العموم هي مفتاح فهم نصوص الكتاب والسنة على وجهها الصحيح. فبها يعرف الفقيه متى يشمل الحكم جميع الأفراد، ومتى يقتصر على بعضها. والخطأ فيها يؤدي إلى تضييق ما وسعه الشرع، أو توسيع ما ضيّقه.
ومن أهداف هذا الدرس:
- فهم طريقة الأصوليين في إثبات دلالة الصيغ على العموم.
- إبطال القول بأنها للخصوص أو للاشتراك.
- التمييز بين «عموم السلب» و«سلب العموم».
- معرفة أثر حرف «مِن» في تأكيد استغراق النكرة المنفية.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: أسماء الاستفهام والشرط (مَن، ما، أين، متى) وإفادتها العموم
بيّن الشيخ أن هذه الصيغ لا تخرج عن أربعة احتمالات:
- أن تكون للعموم فقط.
- أن تكون للخصوص فقط.
- أن تكون مشتركة بينهما.
- ألّا تكون لواحد منهما.
والاحتمالات كلها باطلة إلا الأول. فلو كانت للخصوص فقط لما حسن أن يُجاب السائل بذكر جميع العقلاء، مع أن الجواب يجب أن يطابق السؤال، ولا نزاع في حسن هذا الجواب.
ولو كانت مشتركة لما حسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة. فمن سُئل: «مَن عندك؟» لزمه أن يسأل: أعن الرجال أم النساء؟ ثم: أعن العرب أم العجم؟ وهكذا بلا نهاية. وهذا محال، لأنه ما من عام إلا وتحته عام آخر. وهو أيضًا مستقبح في عادة أهل اللسان. أما القول بأنها لا للعموم ولا للخصوص فباطل بالاتفاق، فثبت أنها للعموم.
وكذلك «مَن» و«ما» الشرطيتان. فقول القائل: «من دخل داري فأكرمه» يحسن من المخاطب امتثاله بإكرام كل داخل دون أن يستفهم. ويصح أيضًا الاستثناء منه، والاستثناء يُخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه، وهذا دليل على العموم.
المحور الثاني: صيغتا «كل» و«جميع» وإفادتهما الاستغراق
استدل الشيخ على أن «كل» و«جميع» تفيدان الاستغراق بأدلة عدة:
- التناقض: قولك «جاءني كل علماء البلد» يناقضه «ما جاءني كل علماء البلد»، ولا يتحقق التناقض إلا إذا أفادت «كل» الاستغراق.
- المقابلة: هاتان الصيغتان تقابلان صيغة «بعض»، فلو احتملتا البعض لما صحت المقابلة.
- التبادر: يسبق إلى الفهم الاستغراق عند سماعهما.
- عرف الخطاب: لا يُلام العبد إذا ضرب كل من دخل بعد قول سيده: «اضرب كل من دخل»، ويُلام إذا ترك بعضهم.
- الوصية: من أوصى بعتق «كل عبيدي» لا تتحقق وصيته بعتق بعضهم.
ونقل الشيخ قول القاضي عبد الوهاب المالكي: «ليس بعد (كل) في كلام العرب كلمة أعمّ منها». فهي تشمل العقلاء وغيرهم، والمذكر والمؤنث، والمفرد والمثنى والمجموع. ومنه قوله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
وذكر أن لفظ «جميع» بمعنى «كل» عند الجمهور، ويسمّى عمومهما «العموم الإحاطي». أما الحنفية ففرّقوا بينهما، فجعلوا «كل» تعم على سبيل الإفراد، و«جميع» تعم على سبيل الاجتماع.
المحور الثالث: الفرق بين «عموم السلب» و«سلب العموم»
هذه قاعدة بلاغية أصولية دقيقة نبّه عليها علماء النحو والبيان. يتغير المعنى بحسب موضع «كل» من حرف النفي:
- تقدّم «كل» على النفي (عموم السلب): مثل «كلُّ القوم لم يقم»، وهو نص في انتفاء القيام عن كل فرد.
- تقدّم النفي على «كل» (سلب العموم): مثل «لم يقم كلُّ القوم»، وهو نفي للمجموع، ويصدق مع قيام بعضهم.
وأصل هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم لذي اليدين لما قال له: أقُصِرت الصلاة أم نسيت؟
«كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ»
أي: لم يكن هذا ولا ذاك. وقد قال القرافي إن هذا مما اختصت به «كل» من بين سائر صيغ العموم.
المحور الرابع: صيغة «أي» واختلاف العلماء في عمومها
اختلف الأصوليون في «أي»:
- ذهب جماعة إلى أن عمومها «بدلي» لا «شمولي».
- ظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنها للعموم الشمولي.
- توسّع القرافي فعدّ عمومها إلى الموصولة والموصوفة وفي النداء.
- لم يعدّها بعضهم من صيغ العموم، كالغزالي وابن القشيري، استدلالًا بقول النحاة إنها بمعنى «بعض» إذا أضيفت إلى معرفة.
واستدل من نفى عمومها بقوله تعالى:
﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾
ولم يقل «يأتوني»، فجاء به واحد. وكذلك قوله تعالى:
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾
والراجح ما جزم به ابن الهمام الحنفي في «التحرير»: أنها في الشرط والاستفهام كـ«كل» مع النكرة، فتفيد العموم، وأنها مع المعرفة كـ«بعض». وهو المناسب لما قرره النحاة، فالفرق ظاهر بين «أيّ رجلٍ تضرب أضرب» و«أيّ الرجلين تضرب أضرب». ونبّه الشيخ إلى أن عدم إفادتها التكرار، كما في «أي وقت دخلتِ الدار فأنت طالق»، لا ينافي العموم.
المحور الخامس: النكرة في سياق النفي والنهي، وألفاظ معشر وكافة وقاطبة وسائر
النكرة في سياق النفي تعم قولًا واحدًا، ولذلك وجهان:
- من أراد تكذيب من قال «أكلت اليوم شيئًا» قال «ما أكلت اليوم شيئًا»، ولو لم يفد النفي العموم لما حصل التناقض.
- لو لم تعم النكرة المنفية لما كانت كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» نفيًا لجميع الآلهة سوى الله سبحانه.
وتعم النكرة سواء نُفيت بـ«ما» أو «لم» أو «ليس» أو «لا»، وسواء دخل النفي على فعل أو اسم. ودخول «مِن» يجعلها نصًا في الاستغراق بعد أن كانت ظاهرة فيه. والصحيح مذهب سيبويه أن العموم مستفاد من النفي قبل دخول «من»، وأن «من» للتأكيد. ويدل على ذلك قوله تعالى:
﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾
﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾
والنكرة في سياق النهي حكمها حكم النكرة في سياق النفي، وما خرج عن ذلك فبسبب العرف لا الوضع اللغوي.
ثم ذكر الشيخ أن من صيغ العموم كذلك: «معشر» و«معاشر» و«عامة» و«كافة» و«قاطبة» و«سائر»، كما في قوله تعالى:
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾
وقولهم: «ارتدت العرب قاطبة».
النقاط الرئيسية
- أسماء الاستفهام والشرط: «مَن» و«ما» و«أين» و«متى» موضوعة للعموم، ويبطل القول بأنها للخصوص أو للاشتراك.
- مطابقة الجواب للسؤال: هي أصل يُستدل به على عموم صيغ الاستفهام.
- الاستثناء معيار العموم: فهو يُخرج ما لولاه لوجب دخوله في المستثنى منه.
- «كل» و«جميع»: تفيدان الاستغراق، و«كل» أقوى صيغ العموم في كلام العرب.
- موضع «كل» من النفي: تقدّمها على النفي يفيد «عموم السلب»، وتقدّم النفي عليها يفيد «سلب العموم».
- صيغة «أي»: تفيد العموم في الشرط والاستفهام مع النكرة، وتكون بمعنى «بعض» إذا أضيفت إلى معرفة.
- النكرة المنفية والمنهي عنها: تعمّ، ودخول «مِن» عليها يجعلها نصًا في الاستغراق.
الفوائد والعبر
- فهم النصوص الشرعية: إتقان صيغ العموم يعين طالب العلم على فهم نصوص الكتاب والسنة فهمًا صحيحًا، فلا يخصّ ما عمّمه الشارع إلا بدليل.
- أهمية اللغة العربية: علم الأصول مبني على لسان العرب، فمن أراد التفقه في الدين فعليه بالعناية بالعربية ودقائقها.
- الدقة في الألفاظ: تقديم كلمة على أخرى قد يقلب المعنى، كما في «كل القوم لم يقم» و«لم يقم كل القوم»، فعلى المسلم أن يتحرّى ألفاظه، خاصة في الأيمان والطلاق والوصايا.
- تعظيم كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله» نفي عام لكل معبود سوى الله، وإثبات للعبادة له وحده، وهذا من أعظم ثمرات فهم قاعدة النكرة في سياق النفي.
- أدب الخلاف العلمي: عرض الأقوال وأدلتها ثم الترجيح بالدليل منهج علمي رصين ينبغي لطالب العلم أن يتربى عليه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات