شرح كتاب "إرشاد الفحول " للشوكاني(1) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الأول من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. أُلقي الدرس يوم السبت السادس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 1433هـ، الموافق للثامن عشر من فبراير سنة 2012م، في مسجد التوحيد بالمنصورة. وكتاب «إرشاد الفحول» من أشهر كتب أصول الفقه عند المتأخرين، لأن مؤلفه لم يكتفِ بجمع الأقوال، بل حرّرها وبيّن الراجح منها والمرجوح.
وعلم أصول الفقه من أجلّ العلوم قدرًا وأعظمها أثرًا، لأنه الطريق الذي تُستنبط به الأحكام الشرعية من أدلتها. ويرجع إليه العلماء عند تحرير المسائل وتقرير الدلائل. وقد بيّن الشيخ في هذا المجلس خطورة التسليم بكل ما قرره الأصوليون من غير تمحيص، لأن ذلك يوقع بعض المجتهدين في التقليد والرأي المحض وهم لا يشعرون.
ويهدف هذا الدرس إلى أن يتعرف الطالب على مقدمة الشوكاني وأسباب تأليفه للكتاب ومقاصده منه، وعلى منهجه في ترتيبه. كما يتناول الدرس الفصل الأول من المقدمة، ويبدأ فيه بتعريف «أصول الفقه» باعتبار الإضافة، فيشرح معنى «الأصل» في اللغة والاصطلاح.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: خطبة الحاجة وبراعة الاستهلال في مقدمة الشوكاني
افتتح الشيخ درسه بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه، وتلا فيها الآيات الثلاث المعروفة، وهي آيات الأمر بالتقوى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
ثم بدأ بشرح مقدمة الشوكاني، وبيّن أنه التزم فيها السجع كعادة أهل زمانه، وافتتحها ببراعة استهلال حسنة، وهي قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ثم حمد الله تعالى الذي لا منعم سواه. فكل نفع يجري على يد أحد من خلقه فالله هو الذي أجراه، وكل خير يصل من مخلوق إلى مخلوق فالله هو الذي قدّره وقضاه. وبيّن الشيخ أن حمدنا لله وشكرنا له امتثال لأمره، لا قيام بحق شكره، فاللسان والجَنان والأركان لا تقوم بشكر أقل نعمة من نعمه سبحانه.
ثم شرح قول الشوكاني في الصلاة على النبي ﷺ «المبعوث إلى الأحمر والأسود»، وبيّن أنه مأخوذ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الذي أخرجه مسلم وأحمد وغيرهما، وفيه قوله ﷺ: «وَكَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ». وعموم بعثته إلى الناس كافة من خصائصه ﷺ. ثم بيّن الشيخ أن آل النبي ﷺ هم بنو هاشم: آل علي وآل العباس وآل عقيل وآل جعفر. وذكر أن جمع الشوكاني بين الصلاة على الآل والصلاة على الصحابة فيه ردّ على الرافضة، مع أنه نشأ زيديًّا.
المحور الثاني: منزلة علم أصول الفقه وخطر التسليم بقواعده دون تمحيص
وصف الشوكاني علم أصول الفقه بأنه «العلم الذي يأوي إليه الأعلام، والملجأ الذي يُلجأ إليه عند تحرير المسائل وتقرير الدلائل في غالب الأحكام». وذلك لأنه الطريق إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها.
ونبّه الشوكاني إلى أمر خطير، وهو أن مسائل هذا الفن وقواعده صارت تؤخذ مسلَّمة عند كثير من أهل النظر والمناظرة. فإذا استشهد أحدهم بكلمة من كلام الأصوليين أذعن له المخالف ولو كان من الفحول، لاعتقادهم أن هذه القواعد مؤسسة على الحق ومربوطة بأدلة من المعقول والمنقول.
وبيّن الشيخ أن هذا التسليم المطلق أوقع كثيرًا من أهل العلم في الرأي وهم يظنون أنهم يعملون بالرواية، لأن بعض هذه القواعد مبني على محض الرأي لا على الكتاب والسنة. وهكذا رجع كثير من المجتهدين إلى التقليد من حيث لا يشعرون، ووقع كثير من المتمسكين بالأدلة في الرأي البحت.
المحور الثالث: أسباب تأليف «إرشاد الفحول» ومقاصده ومنهجه
ذكر الشوكاني لتأليف كتابه سببين. الأول ما سبق بيانه من وقوع كثير من العلماء في التقليد بسبب التسليم لقواعد الأصول. والثاني سؤال جماعة من أهل العلم له أن يصنّف في هذا العلم الشريف.
أما مقصده من الكتاب فهو أن يوضح الراجح من المرجوح، ويبين الصحيح من السقيم، ويميز ما يصلح أن يكون مرجعًا تُردّ إليه المسائل مما لا يصلح للتعويل عليه. والغاية من ذلك أن يكون العالم على بصيرة في علمه، فلا يبقى بينه وبين إدراك الحق حجاب. وأشار الشيخ إلى أن الشوكاني من المحققين، وأن نشأته في البيئة الزيدية التي تميل إلى الاجتهاد كان لها أثر في منهجه، كما هو الحال عند الصنعاني وابن الوزير وغيرهما من أئمة اليمن.
وذكر الشوكاني محاسن كتابه، فقال إنه «تنشرح له صدور المنصفين»، ولا يعرف قدره إلا المحققون. ورأى الشيخ أن هذا من التحدث بنعمة الله. وبيّن الشوكاني أنه لم يذكر من المبادئ إلا ما له فائدة وتعلّق تام بالفن، وأنه كشف الحجاب عن المقاصد كشفًا يتميز به الخطأ من الصواب. ثم سمّى كتابه «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول»، ورتّبه على مقدمة فيها أربعة فصول، ثم سبعة مقاصد، ثم خاتمة.
وذكر الشيخ أن علم أصول الفقه صعب على الناس لما أُدخلت فيه الألفاظ المنطقية والمسائل الكلامية. ولو سار هذا العلم على منهج الإمام الشافعي في «الرسالة» لكان من أيسر العلوم.
المحور الرابع: تعريف أصول الفقه باعتبار الإضافة
بدأ الشوكاني الفصل الأول من المقدمة، وهو في تعريف أصول الفقه وموضوعه وفائدته واستمداده. وبيّن أن لهذا اللفظ اعتبارين: الأول باعتبار الإضافة، أي إضافة كلمة «أصول» إلى كلمة «الفقه». والثاني باعتبار العَلَمية، أي كونه اسمًا لعلم مستقل.
والاعتبار الثاني لا يُفهم إلا بفهم الأول، لأن تعريف المركب يتوقف على تعريف مفرداته، ومعرفة الكل تتوقف على معرفة أجزائه، و«الحكم على الشيء فرع عن تصوره». ولذلك نحتاج إلى تعريف المضاف وهو «الأصول»، والمضاف إليه وهو «الفقه»، وتعريف الإضافة نفسها، لأنها بمنزلة الجزء الصوري. وضرب الشيخ لذلك مثلًا بقولنا «عبد الله»، فلا يُفهم معناه حق الفهم إلا بمعرفة الرب سبحانه ومعرفة حقيقة العبودية.
المحور الخامس: معنى «الأصل» في اللغة والاصطلاح
«الأصول» جمع أصل، والأصل في اللغة ما ينبني عليه غيره، سواء كان البناء عليه حسيًّا أو معنويًّا. ومثال البناء الحسي أساس البناء الذي يقوم عليه المسجد بأعمدته وجدرانه وسقفه. ومثال البناء المعنوي قيام الدين على التوحيد، فلا يقبل الله عملًا من غير الموحد، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. ومن أمثلته أيضًا قيام الفقه على أصوله، وقيام اللغة على النحو.
وأما في الاصطلاح فيُطلق الأصل على أربعة معانٍ. أولها الراجح، ومثّل له الشيخ بمسائل وقع فيها الخلاف، منها النزول إلى السجود على اليدين أو على الركبتين، ومنها الوضوء من مس الذكر بغير حائل، ومنها ستر المرأة وجهها وكفيها. وثانيها المستصحَب، كقولهم: الأصل في الفروج التحريم، والأصل في الدماء التحريم. وعند هذا الموضع انتهى المقطع المفرّغ من الدرس.
النقاط الرئيسية
- علم أصول الفقه هو الطريق لاستنباط الأحكام الشرعية، ويرجع إليه العلماء عند تحرير المسائل وتقرير الأدلة.
- التسليم المطلق لكل قواعد الأصول يوقع في التقليد والرأي المحض، لأن بعض هذه القواعد لا دليل عليه من الكتاب والسنة.
- ألّف الشوكاني كتابه لبيان الراجح من المرجوح والصحيح من السقيم، وإجابةً لسؤال جماعة من أهل العلم.
- رتّب الشوكاني الكتاب على مقدمة فيها أربعة فصول، ثم سبعة مقاصد، ثم خاتمة.
- إدخال المنطق وعلم الكلام في أصول الفقه هو الذي صعّبه، ومنهج الشافعي في «الرسالة» أيسر وأوضح.
- تعريف «أصول الفقه» المركب يتوقف على تعريف مفرديه «الأصول» و«الفقه»، وعلى تعريف معنى الإضافة.
- الأصل في اللغة ما ينبني عليه غيره بناءً حسيًّا أو معنويًّا، ويُطلق في الاصطلاح على عدة معانٍ، منها الراجح والمستصحَب.
الفوائد والعبر
- ينبغي لطالب العلم أن يفحص القواعد التي يتلقاها، وأن يعرضها على أدلة الكتاب والسنة، حتى يكون على بصيرة ولا يقع في التقليد وهو لا يشعر.
- على العبد أن ينسب كل نعمة إلى الله وحده، وإن جاءت على يد أحد من خلقه، وأن يعترف بعجزه عن القيام بحق شكره سبحانه.
- التوحيد أصل الدين وأساسه، ولا يُقبل عمل بغيره، فيجب على المسلم أن يعتني به قبل كل شيء.
- الإنصاف وطلب الحق بتجرّد يشرحان الصدر للعلم النافع، أما الهوى والتعصب فيحجبان صاحبهما عن الانتفاع.
- من حسن الطريقة في التعلم أن يبدأ الطالب بفهم الأجزاء قبل الكل، وأن يتصور الشيء جيدًا قبل أن يحكم عليه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات