شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(13) شرح لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث عشر من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويبدأ فيه الشيخ «المقصد الثالث» من مقاصد الكتاب، وهو مبحث «الإجماع»، أحد الأصول الكبرى التي يقوم عليها الاستدلال الشرعي بعد الكتاب والسنة.
وتظهر أهمية هذا المبحث في أن كثيرًا من الناس يدّعون الإجماع اليوم دون علم بحقيقته وشروطه. وقد نبّه الشيخ إلى أن كثيرًا من مدّعيه ليسوا من أهل العلم، فضلًا عن أن يكونوا من المجتهدين. فضبط معنى الإجماع وشروطه يحمي طالب العلم من التسرع في نسبة الأقوال إلى الأمة، ومن ردّ إجماع ثابت بشبهات عقلية واهية.
ويهدف هذا الدرس إلى تعريف الإجماع لغةً واصطلاحًا مع بيان محترزات التعريف، ومناقشة إمكان وقوع الإجماع وإمكان العلم به، والرد على المنكرين له، وعرض أقوال الأئمة أحمد والشافعي وابن تيمية في ضبط دعوى الإجماع. كما يعلّق الشيخ على بعض ما قرّره الشوكاني في ضوء ثورة الاتصالات في عصرنا.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعريف الإجماع في اللغة
نقل الشوكاني عن الرازي في «المحصول» أن الإجماع يُطلق في اللغة بالاشتراك على معنيين:
- العزم: ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ»، أي من لم يعزم عليه من الليل.
- الاتفاق: يقال: أجمع القوم، إذا صاروا ذوي جَمْع، كما يقال: ألبن وأتمر، إذا صار ذا لبن وذا تمر.
واعتُرض بأن الإجماع بمعنى الاتفاق يتعدّى بـ«على»، وأما بمعنى العزم فلا يتعدّى بها. وأُجيب بما حكاه ابن فارس في «مقاييس اللغة» من أنه يقال: أجمعت الأمة على الأمر. وقد جزم الغزالي في «المستصفى» بأنه مشترك بين المعنيين. ورأى القاضي الباقلاني أن العزم يرجع إلى الاتفاق، لأن من اتفق على شيء فقد عزم عليه.
وقال ابن برهان وابن السمعاني: المعنى الأول أشبه باللغة، والثاني أشبه بالشرع. وأُجيب بأن كونه أشبه بالشرع لا ينافي كونه معنى لغويًا. وبيّن الشيخ أن الحقيقة الشرعية لها أصل في اللغة، وقد تكون هي الحقيقة اللغوية نفسها.
المحور الثاني: تعريف الإجماع اصطلاحًا وبيان محترزاته
الإجماع في الاصطلاح هو: «اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، في عصر من الأعصار، على أمر من الأمور». والمراد بالاتفاق الاشتراك في الاعتقاد أو القول أو العمل. وقد شرح الشيخ قيود التعريف على النحو الآتي:
- «مجتهدي»: يُخرج اتفاق العوام والوعّاظ ومن لا يُعدّ من العلماء، فلا عبرة بوفاقهم ولا بخلافهم. ويُخرج كذلك اتفاق بعض المجتهدين دون بعض.
- «أمة محمد صلى الله عليه وسلم»: يُخرج اتفاق الأمم السابقة.
- «بعد وفاته»: يُخرج ما كان في عصره صلى الله عليه وسلم، لأن الحجة حينئذٍ في إقراره، فما أقرّه صار سنة، وما لم يقرّه لم يكن حجة.
- «في عصر من الأعصار»: يدفع توهّم أن المراد اتفاق جميع مجتهدي الأمة إلى يوم القيامة. وهذا باطل، لأنه يؤدي إلى عدم ثبوت الإجماع أصلًا.
- «على أمر من الأمور»: يشمل الشرعيات والعقليات والعرفيات واللغويات، والمقصود هنا الشرعيات.
والمعتبر عصر من كان من أهل الاجتهاد وقت حدوث المسألة، فلا عبرة بمن صار مجتهدًا بعد انعقاد الإجماع ولو كان المجمعون أحياء. ومن اشترط انقراض العصر، أو عدم سبق خلاف مستقر، أو عدالة المجمعين، أو بلوغهم عدد التواتر، زاد في الحدّ ما يدل على شرطه.
وعلّق الشيخ بأن في هذا التعريف ردًّا على من يدّعون الإجماع في عصرنا، وأكثرهم ليسوا من العلماء فضلًا عن المجتهدين.
المحور الثالث: إمكان وقوع الإجماع والرد على منكريه
ذهب النظّام وبعض الشيعة إلى استحالة وقوع الإجماع، واستدلوا بثلاث شبهات، أجاب عنها الأصوليون كالآتي:
- الشبهة الأولى: أن اتفاقهم على حكم غير معلوم بالضرورة محال، كما يستحيل اتفاقهم في ساعة واحدة على مأكول واحد أو كلمة واحدة. والجواب: أن الممتنع إنما هو ما تساوت فيه الاحتمالات. أما إذا وُجد مرجّح من دليل أو أمارة ظاهرة فلا امتناع، كاتفاق الجمع العظيم على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
- الشبهة الثانية: أن اتفاقهم فرعُ استوائهم في وصول الحكم إليهم، وانتشارهم في الأقطار يمنع ذلك. والجواب: أن الانتشار لا يمنع ذلك مع جدّهم في الطلب وبحثهم عن الأدلة. وإنما يمتنع على من قعد في بيته لا يبحث ولا يسأل عن أحوال إخوانه من أهل العلم.
- الشبهة الثالثة: أن مستند الاتفاق إما قطعي، والعادة تقضي بنقله، وإما ظني، والأفهام تختلف فيه. والجواب: أن القطعي قد يُستغنى عن نقله بحصول الإجماع. وأما الظني فقد يكون جليًّا لا تختلف فيه الأفهام ولا تتباين فيه الأنظار.
المحور الرابع: إمكان العلم بالإجماع ونقله وتعليق الشيخ على كلام الشوكاني
قرّر الشوكاني أنه على فرض إمكان وقوع الإجماع، فإن العلم به متعذّر. فالعلم بالأشياء إما وجداني، كإدراك الإنسان جوعه وعطشه، وليس العلم بالإجماع من هذا الباب. وإما غير وجداني، ولا مجال للعقل فيه، ولا يحصل بالحس إلا بعد معرفة كل مجتهد في المشرق والمغرب ومعرفة مذهبه في المسألة بعينها، وهذا متعذر. واحتجّ كذلك باحتمال أن يكتم بعضهم خلافه تقيةً، أو أن يرجع عن قوله قبل أن يوافقه أهل بلد آخر.
وتعقّبه الشيخ بأن هذا الكلام فيه نظر. فلئن صحّ في بعض الأزمنة، فإنه لا يسلَّم في عصرنا مع ثورة الاتصالات، حيث يستطيع الإنسان أن يطوف بالدنيا وهو جالس في مكانه، ومع وجود الهيئات والمجامع العلمية الرسمية التي خففت من حدة هذا الإشكال.
وأما احتمال التقية، فبيّن الشيخ أن العالم الرباني يجب عليه أن يقول كلمة الحق، خاصة في المسائل التي لا تستدعي خوفًا. ومن كتم الحق خشية الناس فليس من العلماء الربانيين. وإثارة الاحتمالات المجردة تفسد كثيرًا من أمور الدين. ويكفي في الإجماع الاتفاق الظاهر دون إكراه، فلا يُشترط الاطلاع على ما في القلوب.
وفي ختام هذا المحور لخّص الشيخ ما سبق: الإجماع يُتصوَّر وجوده، ويمكن نقله إذا وقع. ثم بدأ في المقام الثالث، وهو النظر في نقل الإجماع إلى من يحتج به.
المحور الخامس: أقوال الأئمة في دعوى الإجماع
- الإمام أحمد: نقل الشيخ قوله رحمه الله: «من ادّعى الإجماع فهو كاذب».
- الإمام الشافعي: قال في «الرسالة»: «لست أقوله، ولا أحد من أهل العلم: هذا مجتمع عليه، إلا لما لا تلقى عالمًا أبدًا إلا قاله لك وحكاه عمن قبله، كالظهر أربع، وكتحريم الخمر، وما أشبه هذا».
- شيخ الإسلام ابن تيمية: بيّن في «المسوّدة» أن الذي أنكره أحمد هو دعوى إجماع المخالفين بعد الصحابة والتابعين أو بعد القرون الثلاثة، أو دعوى الإجماع العام النطقي، وكذلك الإجماع السكوتي أو إجماع الجمهور مع عدم العلم بالمخالف. وأشار إلى أن فقهاء المتكلمين كالمريسي والأصم كانوا يدّعون الإجماع ولا يعرفون إلا أقوال أئمة المذاهب دون أقوال الصحابة والتابعين.
ثم عرض الشيخ موقف الشوكاني من بعض الأصوليين:
- الباقلاني: تعجّب الشوكاني من شدة إنكاره على من أنكر تصوّر الإجماع عادة.
- الجويني: فصّل بين كليات الدين فيمتنع الخلاف فيها، والمسائل المظنونة فلا يتصوّر الإجماع عليها. وردّ الشوكاني هذا التفصيل بأن كليات الدين معلومة بالأدلة القطعية. وعقّب الشيخ بأن ما اجتمعت فيه الأدلة والإجماع أقوى مما وُجدت فيه الأدلة ووقع فيه الخلاف.
- الأصفهاني: رأى أن الحق تعذّر الاطلاع على الإجماع إلا إجماع الصحابة لقلّتهم. ونبّه الشيخ إلى أن الدائرة قد تتسع لتشمل أهل القرون المفضلة، وأن ابن حزم نقل إجماعات كثيرة في كتابه «مراتب الإجماع» مع تشدده في هذا الباب.
النقاط الرئيسية
- يُطلق الإجماع لغةً على معنيين: العزم والاتفاق، والراجح أنه مشترك بينهما.
- الإجماع اصطلاحًا: اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من الأعصار على أمر من الأمور.
- لا عبرة بوفاق العوام والوعّاظ ولا بخلافهم، ولا ينعقد الإجماع باتفاق بعض المجتهدين دون بعض.
- لا إجماع في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الحجة حينئذٍ في إقراره، ولا يُشترط اتفاق مجتهدي الأمة إلى يوم القيامة.
- شبهات النظّام وبعض الشيعة في استحالة الإجماع مردودة، إذ الممتنع إنما هو ما تساوت فيه الاحتمالات دون مرجّح.
- تعذّر العلم بالإجماع الذي قرره الشوكاني لا يُسلَّم في عصرنا مع وسائل الاتصال والمجامع العلمية.
- أصحّ الإجماعات وأوضحها إجماع الصحابة، ثم أهل القرون المفضلة، وإنكار الإمام أحمد متوجّه إلى الدعاوى المجردة لا إلى أصل الإجماع.
الفوائد والعبر
- التثبّت قبل نسبة الأقوال إلى الأمة: لا يجوز لطالب العلم أن يتسرّع في دعوى الإجماع حتى يتحقق من اتفاق المجتهدين وعدم المخالف، اقتداءً بورع الإمامين أحمد والشافعي.
- معرفة قدر أهل الاجتهاد: الإجماع المعتبر إجماع العلماء المجتهدين، لا إجماع العوام وأدعياء العلم، فلا يُغترّ بكثرة الأصوات وشهرة المتكلمين.
- واجب العالم في الصدع بالحق: العالم الرباني لا يكتم الحق خوفًا من الناس أو حرصًا على دنيا، ومن فعل ذلك فقد خرج عن وصف الربانية.
- ترك الاحتمالات المجردة: بناء الأحكام على الاحتمالات التي لا دليل عليها يفسد كثيرًا من أمور الدين، والعبرة بالظاهر والقرائن المعتبرة.
- القراءة النقدية لكتب العلماء: يستفيد الطالب من تعليقات الشيخ أن كلام الأئمة يُعرض على الدليل والواقع، فيُقبل منه ما وافق الحق ويُتعقَّب ما فيه نظر، مع حفظ مكانتهم وأدبهم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات