شرح كتاب إرشاد الفحول "ترجمة الشوكاني" (0) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا الدرس هو المجلس التمهيدي لشرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله. والكتاب من أهم مصنفات أصول الفقه. ألقى الدرسَ فضيلةُ الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري يوم السبت الثاني عشر من ربيع الأول سنة 1433هـ، الموافق للرابع من فبراير سنة 2012م. وخصّصه الشيخ لأمرين قبل البدء في متن الكتاب: الأول ذكرُ إسناده المتصل إلى الإمام الشوكاني، والثاني ترجمةُ هذا الإمام ترجمةً موسّعة.
ومعرفة سيرة المؤلف مدخل مهم لفهم كتابه، فهي تبيّن البيئة التي نشأ فيها، والعلوم التي أتقنها، والشيوخ الذين تخرّج بهم. ولذلك لم يكتفِ الشيخ بسرد أخبار الشوكاني، بل استخرج منها دروسًا تربوية ومنهجية لطالب العلم في كل عصر.
ويتعلم المشاهد من هذا الدرس اسمَ الشوكاني ونسبه ومولده ونشأته، ومنهجَ العلماء في التدرّج في الطلب بحفظ القرآن ثم المتون، وأهميةَ ملازمة الشيخ وتكرار قراءة الكتب، وفضلَ اتصال الإسناد بأهل العلم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: افتتاح الدرس بخطبة الحاجة وذكر الإسناد إلى الشوكاني
افتتح الشيخ درسه بخطبة الحاجة على سنّة النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا الله أن يرزق الحاضرين العلم النافع والعمل الصالح، وأن يُحسن لهم الختام، وأن يجنّبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن. وقد تضمّنت الخطبة الآيات الكريمات:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
ثم قال: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
ثم ذكر إسناده إلى الكتاب وإلى سائر كتب الشوكاني، ومنها ثَبَت أسانيده المسمّى «إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر». فهو يرويها عن شيخه مسند العصر أبي الفيض محمد ياسين الفاداني المكي، عن شيخيه المعمَّر القاضي حسين بن علي العمري الصنعاني والمقرئ السيد علي بن أحمد الروضي. وهما يرويانها عن العلامة إسماعيل بن محسن بن عبد الكريم والمؤرخ محمد بن إسماعيل الكبسي، عن المؤلف العلامة محمد بن علي الشوكاني. وفي ذلك إحياء لسنّة الإسناد التي هي من خصائص هذه الأمة.
المحور الثاني: اسم الشوكاني ونسبه ومولده
هو الشيخ العلامة الفقيه الأصولي محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن صلاح بن إبراهيم بن محمد العفيف بن محمد بن مرزوق الشوكاني ثم الصنعاني. والشوكاني نسبة إلى «هجرة شوكان»، و«الهجرة» عند أهل اليمن تعني الناحية أو القرية. وشوكان قرية من قرى السحامية، إحدى قبائل خولان التي يُنسب إليها أبو إدريس الخولاني وأبو مسلم الخولاني، وبينها وبين صنعاء دون مسافة يوم.
وقد ساق الشوكاني نسبه إلى آدم عليه السلام في ترجمة والده من كتابه «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع». ونبّه الشيخ إلى أن رفع النسب إلى آدم لا يصح، لأن المتقدمين لم يسجّلوا هذا النسب.
وذكر الشوكاني في «البدر الطالع» أنه وُلد، حسب ما وجده بخط والده، في وسط نهار يوم الاثنين الثامن والعشرين من ذي القعدة سنة 1173هـ في هجرة شوكان. وكان والده قد استوطن صنعاء، لكنه خرج إلى وطنه القديم أيام الخريف، فوُلد له محمد هناك. وشبّه الشيخ ذلك بعادة بعض أهل المدن ممن أصلهم من الأرياف، إذ يعودون إلى قراهم في أوقات العطلة والاستجمام.
المحور الثالث: نشأته في بيت علم ودروس تربوية مستفادة
نشأ الشوكاني بصنعاء في بيت علم، فقد كان والده علي بن محمد الشوكاني من العلماء الذين تولّوا قضاء صنعاء، وبقي في القضاء نحو أربعين سنة. وقال عند موته: إنه لا يعلم درهمًا واحدًا في ماله فيه شبهة، فضلًا عن أن يكون من حرام.
وقرر الشيخ أن مولد الولد لأب عالم شرف، وأن يصير الولد عالمًا كأبيه توفيق من الله. فكثير من أبناء المشايخ والعلماء يزهدون في العلم، ومن وُفّق منهم لطلبه فذلك فضل الله، كعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبي بكر بن أبي داود، وعبد الرحمن بن أبي حاتم. وقد يفوق الولدُ أباه، كما فاق المحدّث أحمد محمد شاكر أباه في علوم السنة، وفاق عبد السلام هارون أباه في التحقيق. واستشهد الشيخ بقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. وذكر أن والد البخاري إسماعيل بن إبراهيم كان من أهل الخير والفضل، ولم يكن من كبار العلماء، فرزقه الله إمام الدنيا في الحديث.
ونبّه الشيخ إلى درس تربوي مهم: العالم قد يكون سببًا في هداية الناس، لكن الهداية والتوفيق بيد الله وحده. وقد يأتي الأب لولده بالمعلمين والمحفّظين ثم لا يُوفَّق الولد. وذكر قول الذهبي رحمه الله: «العلم رَحِمٌ بين أهله». فللعالم أبناء من النسب وأبناء من العلم، والعالم الرباني يقدّم ولد العلم الذي حمل علمه وسار على منهج السلف، لأنه الذي يُبقي أثره العلمي من بعده. فإن اجتمع للعالم الأمران فقد جمع الخيرين.
المحور الرابع: بداية طلبه للعلم وحفظه للمتون
بدأ الشوكاني بحفظ القرآن على جماعة من المعلمين، وختمه على الفقيه حسن بن عبد الله الهبل، وجوّده على جماعة من مشايخ القرآن بصنعاء. وبيّن الشيخ أن لفظ «الفقيه» عند أهل اليمن له اصطلاح خاص، فلا يُقصد به العالم المجتهد، وإنما يُقصد به من عنده شيء من القرآن ومعرفة أحكام الصلاة والزكاة والصيام في القرى والهِجَر.
ثم حفظ متونًا كثيرة في فنون متعددة، بعضها قبل الشروع في الطلب وبعضها بعده:
- «الأزهار» للإمام المهدي في الفقه.
- مختصر الفرائض للعصيفري.
- «ملحة الإعراب» للحريري.
- «الكافية» و«الشافية» لابن الحاجب.
- «التهذيب» للتفتازاني.
- «التلخيص» للقزويني.
- «الغاية» لابن الإمام.
- بعض «مختصر المنتهى» لابن الحاجب.
- منظومة الجزري، ومنظومة الجزّار في العروض.
- «آداب البحث» و«رسالة الوضع» للعضد.
وذكر الشيخ أن الدولة في اليمن كانت في جملتها زيدية، وأن الفقه الزيدي قريب من فقه أبي حنيفة. وفي المذهب الزيدي فتح لباب الاجتهاد، ولذلك مال كثير من محققي علماء اليمن إلى الاجتهاد وترك التقليد، وإن كان المقلدون في كل مذهب يضيّقون على من يخالفهم. واستشهد الشيخ بقول العلماء: «من حفظ المتون حاز الفنون».
المحور الخامس: شيوخه وملازمته لهم وتكراره قراءة الكتب
قرأ الشوكاني على والده «شرح الأزهار» و«شرح الناظري» لمختصر العصيفري. وقرأ «شرح الأزهار» أيضًا على عدد من العلماء، منهم:
- السيد عبد الرحمن بن قاسم المداني.
- العلامة أحمد بن عامر الحدائي.
- العلامة أحمد بن محمد الحرازي، وبه انتفع في الفقه وعليه تخرّج، ولازمه نحو ثلاث عشرة سنة، وكرّر عليه قراءة «شرح الأزهار» وحواشيه.
وقرأ في النحو والصرف والبلاغة والمنطق والأصول كتبًا كثيرة، منها:
- شروح «الكافية» و«الشافية».
- «شرح التلخيص» و«المطوّل» للسعد التفتازاني.
- «شرح إيساغوجي» في المنطق.
- «شرح الشمسية».
- «شرح العضد على المختصر».
- «شرح جمع الجوامع» للمحلّي.
- «الكشاف» للزمخشري مع حواشيه.
وكان يقرأ الكتاب الواحد على أكثر من شيخ من أوله إلى آخره. فقد قرأ مثلًا «شرح الخبيصي على الكافية» كاملًا على العلامة عبد الله بن إسماعيل النهمي، ثم قرأه كاملًا مرة أخرى على العلامة القاسم بن يحيى الخولاني.
وفي الحديث وعلومه:
- سمع صحيح البخاري كاملًا على السيد علي بن إبراهيم بن أحمد بن عامر.
- سمع صحيح مسلم وسنن الترمذي كاملين، وبعض الموطأ، وبعض «الشفا» للقاضي عياض، وبعض «فتح الباري» على السيد عبد القادر بن أحمد الكوكباني، وهو أجلّ شيوخه وأكبرهم.
- سمع سنن أبي داود وتخريجها للمنذري على العلامة الحسن بن إسماعيل المغربي.
- قرأ «التنقيح» و«النخبة» وشرحها، وبعض «ألفية العراقي».
وحضر أيضًا بعض دروس «الصحاح» للجوهري و«القاموس المحيط». وعلّق الشيخ بأن مثل هذه الدروس لو عُقدت في زماننا لما حضرها إلا القليل.
ومن أبرز شيوخه الذين أكثر عنهم:
- عبد القادر بن أحمد الكوكباني.
- أحمد بن محمد الحرازي.
- القاسم بن يحيى الخولاني.
- عبد الله بن إسماعيل النهمي.
- الحسن بن إسماعيل المغربي.
- القاضي عبد الرحمن بن حسن الأكوع.
- علي بن هادي عرهب.
- والده القاضي علي بن محمد الشوكاني.
وبيّن الشيخ أن هذه النسب في الغالب نسب إلى البلدان والقبائل، كالكوكباني نسبة إلى كوكبان، والحدائي نسبة إلى الحدا، والنهمي نسبة إلى جهة نهم.
النقاط الرئيسية
- بدأ الشيخ شرح «إرشاد الفحول» بذكر إسناده المتصل إلى الشوكاني عن طريق العلامة محمد ياسين الفاداني.
- الشوكاني هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني الصنعاني، نسبة إلى هجرة شوكان من قرى خولان.
- وُلد يوم الاثنين 28 ذي القعدة سنة 1173هـ، ونشأ بصنعاء في بيت علم، وكان والده قاضيها نحو أربعين سنة.
- صلاح الأبناء وتحوّلهم إلى علماء توفيق من الله، و«العلم رحم بين أهله».
- سلك الشوكاني طريق العلماء: حفظ القرآن صغيرًا، ثم حفظ المتون في الفقه والنحو والبلاغة والأصول والمنطق والعروض.
- لازم شيخه أحمد بن محمد الحرازي في الفقه ثلاث عشرة سنة، وكان أجلّ شيوخه السيد عبد القادر بن أحمد الكوكباني.
- كان يكرّر قراءة الكتاب الواحد على الشيخ نفسه، أو على أكثر من شيخ، طلبًا للإتقان والتمكّن.
الفوائد والعبر
- التدرّج في الطلب: يبدأ طالب العلم بحفظ القرآن، ثم بحفظ المتون المختصرة في كل فن، فهي أساس الفهم والتحصيل.
- ملازمة شيخ متقن: لا بأس بالأخذ عن شيوخ كثيرين، لكن ينبغي أن يكون لطالب العلم شيخ يتخرّج به ويلازمه، ويأخذ عنه العلم والسمت والأدب، ويكون اختياره له بحسب العلم والمنفعة لا بحسب الهوى.
- التكرار سبيل الإتقان: مراجعة الكتاب الواحد مرارًا خير من كثرة الكتب مع العجلة، فالعجلة مما أضاع قدر العلم عند كثير من أهل هذا الزمان.
- تعليم الأهل والأبناء: يُستحب للعالم وطالب العلم أن يعقد مجلسًا في بيته لأهله وأولاده، قلّ أو كثر، كما قرأ الشوكاني على أبيه.
- التوفيق بيد الله: على المربّي أن يبذل الأسباب في تعليم أولاده وطلابه، ثم يعلم أن الهداية والتوفيق من الله وحده، فلا يغترّ بجهده ولا ييأس إن لم يرَ الثمرة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات