شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(29) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس التاسع والعشرون من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، بشرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس «الفصل الثالث في أركان القياس». فبعد أن عرّف المصنف القياس وبيّن حجيته، انتقل إلى أركانه التي لا يقوم إلا بها، ثم شرع في بيان شروط الركن الأول وهو «الأصل».
وتظهر أهمية هذا الباب في أن القياس هو الأداة التي يستعين بها المجتهد لمعرفة أحكام النوازل والمستجدات التي لم يرد فيها نص بعينه، كالمعاملات المالية المعاصرة والمسكرات والمخدرات الحديثة. فإذا لم تُضبط أركانه وشروطه انفتح باب الإلحاق الفاسد والقول على الله بغير علم.
أهداف التعلم: أن يتعرّف الطالب إلى أركان القياس الأربعة، وأن يفهم معاني «الأصل» في اللغة والاصطلاح وأقوال العلماء في تحديد المراد به، وأن يُلمّ بالشروط المعتبرة في الأصل المقيس عليه مع أمثلتها التطبيقية، وأن يميّز بين القياس الصحيح والقياس الباطل.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: أركان القياس الأربعة
بيّن الشيخ أن أركان القياس أربعة لا يتم إلا بها: الأصل، وهو ما ورد النص بحكمه في الكتاب أو السنة. والفرع، وهو الأمر المستجد الذي يشبه الأصل ولم يرد فيه نص. والعلة، وهي الوصف الجامع بين الأصل والفرع. والحكم، وهو الحكم الشرعي من وجوب أو استحباب أو تحريم أو كراهة أو إباحة، وهو ثمرة القياس.
والركن ما لا تتم العبادة إلا به ويكون جزءًا منها، فإذا اختل ركن من هذه الأركان بطل القياس. وقد ترك بعض العلماء التصريح بالحكم ركنًا مستقلًا، لأن الفرع سيأخذ حكم الأصل على كل حال، لكن الجمهور ذهبوا إلى أن القياس لا يصح إلا بعد التصريح بحكم الأصل.
ونقل ابن السمعاني أن بعضهم أجاز القياس بغير أصل، وردّه بأنه كلام باطل، لأن هؤلاء خلطوا بين الاجتهاد والقياس، والاجتهاد أوسع من القياس. فالفرع لا يتفرع إلا عن أصل، كما أن فروع الشجرة لا توجد إلا بوجود أصلها.
ومن أمثلة ذلك التي ذكرها الشيخ حديث الأصناف الربوية، قال النبي ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (رواه مسلم) وطرح الشيخ مسائل معاصرة مبنية عليه، كشراء الذهب بالتقسيط، وتبادل العملات الورقية دون تقابض، وهل حكمها من باب القياس أو من باب إعمال الأدلة، لأن العملة كانت ذهبًا وفضة ثم صارت ورقًا، وقد وقع الخلاف في ذلك. ومثلها إخراج زكاة الفطر من الأرز الذي لم يكن معروفًا في الجزيرة زمن النبي ﷺ.
المحور الثاني: معنى «الأصل» وإطلاقاته عند العلماء
ذكر المصنف أن «الأصل» يُطلق على معانٍ عدة. منها ما يقتضي العلم به العلم بغيره، ومنها ما لا يصح العلم بالمعنى إلا به، ومنها ما يقع القياس عليه، وهو المراد في هذا الباب. ثم اختلفوا في تحديد الأصل في القياس على أقوال: فالقاضي أبو بكر والمعتزلة قالوا هو النص الدال على ثبوت الحكم في محل الوفاق. وقال الفقهاء هو محل الحكم المشبَّه به، وصححه ابن السمعاني. وقال الفخر الرازي هو الحكم الثابت في محل الوفاق، باعتبار أن العلة تتفرع عليه وتُستنبط منه.
ونقل عن جماعة أن هذا النزاع إما أن يرجع إلى الاصطلاح ولا مشاحة فيه، وإما إلى اللغة. ومن إطلاقات الأصل أيضًا أنه يكون بمعنى الغالب أو الوضع اللغوي، كقولهم «الأصل عدم الاشتراك»، ومثّل له الشيخ بلفظ «العين» الذي يحتمل الباصرة والنقد والجاسوس وغيرها، فلا بد من ترجيح أحد المعاني.
ويكون الأصل كذلك بمعنى التعبد الذي لا يُعقل معناه، كقولهم: «خروج النجاسة من محل وإيجاب الطهارة في محل آخر على خلاف الأصل». فالوضوء يكون بغسل الوجه ومسح الرأس وغسل القدمين مع أن الخارج من السبيلين، وهذا على خلاف الأصل العقلي، وإنما هو أمر تعبدي. وذكر الآمدي أن الأصل ما يتفرع عليه غيره، كالأب والجد بالنسبة للولد، أو ما يُعرف بنفسه كالماء في التطهير.
وخلاصة الأمر أن الفقهاء يسمّون محل الوفاق أصلًا ومحل الخلاف فرعًا، فالخمر أصل والبيرة فرع، ولا مشاحة في الاصطلاح. فالأصل هو المشبَّه به، أي محل الحكم، لا نفس الحكم ولا دليله. والفرع هو المشبَّه، والعلة هي الوصف الجامع، والحكم هو ثمرة القياس.
المحور الثالث: التطبيق على الخمر والمسكرات المعاصرة
ضرب الشيخ مثلًا تطبيقيًا يوضّح الأركان الأربعة مجتمعة، وهو تحريم الخمر. فقد قال النبي ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» (رواه مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما) «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (رواه أبو داود والترمذي) فالأصل هو الخمر، وعلته الإسكار وتغييب العقل، وحكمه التحريم. فإذا وُجد الإسكار في الحشيش أو في البيرة التي فيها كحول، أخذت حكم الخمر، فيحرم تعاطيها والاتجار بها وحملها.
ونبّه الشيخ إلى فرق دقيق: فالمسكر المشروب يدخل في عموم النص مباشرة، لأن الحديث نصّ على أن «كل مسكر خمر»، فتحريمه بالنص لا بالقياس. أما الحشيش ونحوه مما ليس شرابًا وإنما يُدخَّن، فقد يكون إلحاقه بالخمر من باب القياس.
المحور الرابع: شروط الأصل المقيس عليه
ذكر المصنف أن القياس لا يصح إلا باثني عشر شرطًا في الأصل، وتناول الشيخ في هذا المجلس ثمانية منها:
- الأول: أن يكون حكم الأصل ثابتًا. فلا يُقاس على ما لا يُعرف حكمه، ولا على حكم منسوخ. ومثّل الشيخ بالشعير، فلا يصح قياس البيرة عليه في الإباحة، لأن العلة غير متحققة فيه.
- الثاني: أن يكون الحكم شرعيًا لا عقليًا ولا لغويًا، لأن البحث في القياس الشرعي. واختلفوا في القياس على النفي الأصلي، أي ما كان قبل ورود الشرع.
- الثالث: أن يكون طريق معرفته سمعيًا من الكتاب والسنة. وهذا الشرط إنما يقول به من ينفي التحسين والتقبيح العقليين.
- الرابع: أن يكون الحكم ثابتًا بالنص. وقد ذكر الزركشي جواز القياس على ما ثبت بمفهوم الموافقة أو المخالفة. ومن أمثلة الإلحاق التي ذكرها الشيخ حديث «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (متفق عليه)، إذ يُلحق بالغضبان من في معناه ممن يتشوش فكره، كالحاقن ومن أصابه إسهال. واختلفوا في القياس على ما ثبت بالإجماع، ورجّح الشيرازي وابن السمعاني الجواز، لأن الإجماع أصل في إثبات الأحكام كالنص.
- الخامس: ألّا يكون الأصل فرعًا عن أصل آخر، وهو قول الجمهور، وخالف فيه بعض الحنابلة والمعتزلة. ووجه المنع أن العلة إن اتحدت كان ذكر الأصل الثاني تطويلًا بلا فائدة، وإن اختلفت لم يصح القياس. وقد فصّل الشيرازي في المسألة على قسمين.
- السادس: ألّا يكون دليل حكم الأصل شاملًا للفرع. فإن شمله كان القياس ضائعًا لا فائدة منه، وصار الحكم من باب العمل بالدليل. وسخر الشيخ من الأقيسة الفاسدة، كقياس الخيار على الموز أو الطماطم على البطيخ، إذ لا نص بتحريم أيٍّ منها حتى يُقاس عليه، والأصل فيها الحلّ.
- السابع: أن يكون حكم الأصل متفقًا عليه، وإلا احتاج المستدل إلى إثباته أولًا. واختلفوا: هل يكفي اتفاق الخصمين ضبطًا للمناظرة، وهو ما صححه الزركشي، أم يُشترط اتفاق الأمة؟ وفصّل ابن الحاجب في «المنتهى» بين المقلد والمجتهد.
- الثامن: ألّا يكون حكم الأصل ذا قياس مركب، وهو أن يتفق الخصمان على حكم الأصل ويختلفا في علته. ومثّل له الشيخ بقياس الأرز على البُرّ: هل العلة القوت والادخار أم الطعم؟ فمن علّل بالطعم يلزمه إيجاب الزكاة في الفواكه والخضروات.
واستدل الشيخ على أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما نُصّ على تحريمه بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]
النقاط الرئيسية
- أركان القياس أربعة: الأصل، والفرع، والعلة، والحكم، واختلال أي ركن منها يُبطل القياس.
- لا يصح القياس بغير أصل، ومن أجازه خلط بين الاجتهاد والقياس، والاجتهاد أوسع.
- يُطلق «الأصل» على معانٍ متعددة: الدليل، والغالب، والوضع اللغوي، والتعبد، وما يتفرع عليه غيره. والمراد هنا محل الحكم المشبَّه به.
- الفقهاء يسمّون محل الوفاق أصلًا ومحل الخلاف فرعًا، ولا مشاحة في الاصطلاح.
- يُشترط أن يكون حكم الأصل ثابتًا غير منسوخ، شرعيًا، طريقه السمع، ثابتًا بنص أو إجماع.
- لا يصح أن يكون الأصل فرعًا لأصل آخر عند الجمهور، ولا أن يشمل دليلُه الفرع.
- يُشترط اتفاق الخصمين على حكم الأصل، وألّا يكون القياس مركبًا من علتين مختلفتين.
الفوائد والعبر
- الانضباط في الاستدلال: لا يجوز إلحاق شيء بشيء بمجرد تشابه ظاهري، كاللون أو الشكل، بل لا بد من أصل ثابت وعلة شرعية جامعة.
- الأصل في الأشياء الحل: فلا يُحرَّم شيء إلا بدليل، ولا معنى لقياس المباحات بعضها على بعض.
- شمول الشريعة للنوازل: القياس الصحيح يُمكّن العلماء من بيان أحكام المستجدات، كالمخدرات والمسكرات الحديثة والعملات الورقية والبيوع المعاصرة.
- الحذر من المعاملات المالية: ينبغي التنبه إلى شرط التقابض في بيع الذهب وصرف العملات، وسؤال أهل العلم قبل الإقدام عليها.
- التسليم للأحكام التعبدية: بعض الأحكام على خلاف الأصل العقلي، كالوضوء من الخارج من السبيلين، فيجب التسليم لها وإن لم تظهر علتها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات