شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (19) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يواصل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا المجلس شرحه لـ«كتاب التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله. وقد عُقد المجلس بعد صلاة المغرب من يوم الجمعة الرابع عشر من شهر المحرم سنة 1441هـ، الموافق 13 سبتمبر 2019م. ولا يزال الحديث فيه عن «باب في المشيئة والإرادة»، وهو باب أثبت فيه الإمام البخاري مشيئة الله تعالى وإرادته، وجمع فيه من الأحاديث ما يدل على سعة علمه ودقة فقهه في تراجم الأبواب.
يشرح الشيخ في هذا الدرس حديث ابن عباس رضي الله عنهما في عيادة النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي المريض، وحديث أبي قتادة رضي الله عنه في نوم الصحابة عن الصلاة. ويقف عند وجه الدلالة فيهما على إثبات المشيئة الإلهية، ويستطرد إلى فوائد كثيرة: في آداب عيادة المريض، ومعنى لفظ «الأعراب»، وشيء من الطب النبوي، وتراجم رجال الإسناد، وشرف العلم وأهله، وأحوال البرزخ.
ويهدف الدرس إلى أن يرسّخ في نفس المتعلم عقيدة أهل السنة في إثبات مشيئة الله النافذة، وأن يعلّمه أدب الدعاء للمريض والتفاؤل له، وأن يعرّفه بقدر العلم الشرعي ومنزلة العلماء الربانيين، وأن يحذّره من الخوض في الغيبيات بغير علم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: حديث عيادة الأعرابي وإثبات المشيئة
ساق الإمام البخاري حديث ابن عباس رضي الله عنهما بإسناده عن محمد بن سلام، عن عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة. ويروي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده، فدعا له بكلمات جمعت التسلية والبشارة. ووجه الشاهد من الحديث للباب قوله صلى الله عليه وسلم: «إن شاء الله»، ففيه تعليق الأمر بمشيئة الله تعالى.
وبيّن الشيخ معنى قوله «طهور»، أي أن هذا المرض مطهّر من الذنوب والمعاصي، وأن المريض إن صبر واحتسب نال الأجر، ومع ذلك يُرجى له الشفاء بإذن الله. فالطُّهور يكون في الدنيا بالشفاء وتكفير السيئات، ويكون في الآخرة برفع الدرجات. وهذا الدعاء سنة ينبغي أن يحرص عليها كل من عاد مريضًا.
ثم ذكر الشيخ أن الأعرابي ردّ على النبي صلى الله عليه وسلم بجفاء، فقابل البشارة بالتشاؤم، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم: «فنعم إذًا». أي إن أبيتَ إلا هذا فهو كما قلت، وقد جاء في بعض الروايات أن الأعرابي مات من مرضه ذلك.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: طَهُورٌ؟! بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَنَعَمْ إِذًا» (رواه البخاري).
المحور الثاني: الأعراب وطبائعهم، وفائدة في الطب النبوي
شرح الشيخ معنى لفظ «الأعرابي»، فهو العربي الذي يسكن البادية. ومن خرج من الحاضرة فسكن البادية لُقّب بذلك أيضًا. وبيّن أن سكنى البادية تورث غلظة وجفاء في الطبع لبعد أهلها عن مجالس العلم ومخالطة أهله، ولذلك ظهر الجفاء في ردّ هذا الأعرابي، مع ما يكون في أهل البادية أحيانًا من سلامة الصدر وطيب النفس.
ثم استطرد الشيخ إلى فائدة طبية ذكرها مناسبةً لذكر الأعراب، وهي علاج «عرق النَّسا» الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أَلْية شاة أعرابية، أي شاة ترعى في البادية. وأشار إلى أن كثيرًا من المرضى عجز الطب الحديث عن شفائهم من هذا الداء، فينبغي العناية بالطب النبوي والأخذ به.
قال الله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: 97].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا» (رواه أبو داود والترمذي).
وقال صلى الله عليه وسلم: «شِفَاءُ عِرْقِ النَّسَا أَلْيَةُ شَاةٍ أَعْرَابِيَّةٍ، تُذَابُ ثُمَّ تُجَزَّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ يُشْرَبُ عَلَى الرِّيقِ فِي كُلِّ يَوْمٍ جُزْءٌ» (رواه ابن ماجه).
المحور الثالث: شرف العلم ومنزلة العلماء
توقف الشيخ عند ترجمة شيخ البخاري محمد بن سلام البيكندي وغيره من رجال الإسناد، وانطلق من ذلك إلى بيان شرف العلم. فالعلم يرفع صاحبه وإن كان فقيرًا أو مولى لا نسب له، وهو يبقى بعد موت أهله، وشرفه أعظم من شرف النسب والمال والجاه. وذكر من الأمثلة قصة طالب علم فقير كان والده يعمل في صنعة متواضعة، فرفعه الله بالعلم حتى زاره القاضي في بيته.
واستشهد الشيخ بأئمة رفعهم الله بالعلم، منهم الإمام الشافعي رحمه الله، ومنهم محدّث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، وهو رجل أعجمي هاجر به أبوه صغيرًا من ألبانيا فرارًا من الشيوعيين، فصار من أعلم أهل زمانه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. ونبّه إلى أن الأعداء ينالون من حسنات العالم بغيبته والطعن فيه.
ومن أعجب ما يدل على شرف العلم أن الله فرّق بين الكلب المعلَّم وغيره. فإذا ولغ الكلب في الإناء وجب غسله سبع مرات، أما الكلب المعلَّم فيحل أكل صيده الذي أمسكه بفمه، وما ذلك إلا لأنه تعلّم.
قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18].
وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4].
المحور الرابع: حديث أبي قتادة وقبض الأرواح في النوم
انتقل الشيخ إلى حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه في نوم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن صلاة الفجر. وبيّن أن الله قدّر ذلك ليكون تشريعًا عمليًا للأمة في حكم من نام عن الصلاة، مع أن عين النبي صلى الله عليه وسلم تنام ولا ينام قلبه. ووجه الشاهد للباب قوله صلى الله عليه وسلم: «حين شاء»، ففيه إثبات المشيئة لله سبحانه.
وبيّن الشيخ أن النوم أخو الموت ووفاة صغرى، فالله يقبض الأرواح عند النوم ويردّها متى شاء، وفي ذلك عبرة للعبد بأن يتذكر الموت كل ليلة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ» (رواه البخاري).
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42].
المحور الخامس: التحذير من الخوض في أمور البرزخ بغير علم
حذّر الشيخ ممن يتكلم في أحوال الموتى في قبورهم بلا علم، كقول بعضهم إن الأموات يجلسون ينتظرون من يزورهم، وإنهم يتزاورون فيما بينهم كما يتزاور الأحياء. وقرر أن البرزخ عالم غيبي لا يُعرف عنه إلا ما جاء في الكتاب والسنة.
ومثّل لذلك بأن قبرين متجاورين قد يكون أحدهما روضة من رياض الجنة ينعم صاحبها، والآخر حفرة من حفر النار يعذَّب صاحبها، ولا يشعر أحدهما بالآخر ولا يشعر بهما الأحياء. ثم ختم بالتحذير من المعاصي ومن السفر إلى بلاد الفساد.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22].
النقاط الرئيسية
- إثبات مشيئة الله تعالى النافذة في كل شيء، ومن ذلك المرض والشفاء والنوم واليقظة.
- من السنة أن يقول عائد المريض: «لا بأس، طهور إن شاء الله».
- المرض كفارة للذنوب وطهور للمؤمن الصابر المحتسب.
- سكنى البادية والبعد عن مجالس العلم يورثان الجفاء وغلظة الطبع.
- الطب النبوي فيه شفاء لأدواء عجز عنها الطب الحديث، ومنها عرق النَّسا.
- العلم الشرعي يرفع صاحبه فوق شرف النسب والمال والجاه.
- النوم وفاة صغرى، وأحوال البرزخ غيب لا يُتكلم فيه إلا بدليل.
الفوائد والعبر
- إذا زرت مريضًا فبشّره وادعُ له بالشفاء بالدعاء النبوي، وكن حسن الظن بالله ولا تتشاءم، فإن التشاؤم قد يكون سببًا للبلاء.
- احرص على مجالسة العلماء وحلق العلم، فإنها تهذّب الأخلاق وتزيل الجفاء والغلظة.
- اجتهد في طلب العلم الشرعي مهما كان حالك أو نسبك، فإن الله يرفع به أقوامًا ويضع به آخرين.
- تذكّر الموت كلما أويت إلى فراشك، فإن الله يقبض روحك في نومك، وقد لا يردّها.
- لا تتكلم في الغيبيات وأحوال الموتى إلا بما ثبت في الكتاب والسنة، واحذر من المعاصي ومن السفر إلى بلاد الفساد.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات