شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (31) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,857 مشاهدة
125 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الحادي والثلاثون من شرح كتاب «التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد أُلقي الدرس بعد صلاة العشاء يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة 1441هـ، الموافق للعشرين من ديسمبر 2019م. ويتناول الشيخ فيه باب قول الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ۝ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وهذا الباب يثبت إحاطة علم الله تعالى بالسر والعلن، وبما تكنّه القلوب وتخفيه الصدور.

وللموضوع أثر كبير في حياة المسلم، فمن أيقن أن الله مطّلع على باطنه كما هو مطّلع على ظاهره استقام قلبه ولسانه وعمله، وصار ظاهره كباطنه. ومن هنا ينتقل الشيخ إلى التحذير من النفاق وصفاته، ومن الكذب الذي هو من أقبح الخصال. ثم يشرح الحديث الذي أورده البخاري في الباب، فيعرّف برجال إسناده، ويبيّن ما يُستفاد منه من فقه سدّ الذرائع.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المشاهد صفة العلم لله تعالى معرفة صحيحة، وأن يحاسب نفسه على ما يُسرّ ويُعلن، وأن يميّز صفات المؤمن الصادق من صفات المنافق. ويتعلم كذلك شيئًا من تراجم رواة الحديث وأخبار علماء السلف، وأن الحكمة في الدعوة تقتضي ترك ما قد يجرّ إلى سبّ الدين.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: إحاطة علم الله تعالى بالسر والعلن

يبيّن الشيخ أن الله سبحانه يعلم ما يُسرّه العبد في نفسه وما يجهر به، ولا فرق عنده بين الأمرين، فهو المطّلع على كل شيء، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. ويقف الشيخ عند قوله تعالى: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، فـ«عليم» صيغة مبالغة، أي أنه يعلم ما في الصدور من خواطر ونوايا علمًا تامًّا. ويقف كذلك عند قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، فالخالق أعلم بما خلق، وهو اللطيف الذي يبلغ علمه دقائق الأمور، الخبير ببواطنها.

ويضرب الشيخ مثلًا بمن يتظاهر لأخيه بالمحبة، وقد يحلف على ذلك، وهو في الحقيقة يبغضه ويطعن فيه ويتكلم في عرضه في غيبته. فهذا كله يعلمه رب العالمين، ولهذا كان المؤمن من استوى ظاهره وباطنه.

قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وقال: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ﴾.

المحور الثاني: صفات المنافقين ومخالفة الظاهر للباطن

يذكر الشيخ أن المنافق أخطر من الكافر المعلن، لأنه يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر. فالمنافقون شهدوا بألسنتهم أن محمدًا رسول الله، وهي شهادة حق في نفسها، لكن الله كذّبهم لأنها لم تصدر عن قلوبهم. ويشير الشيخ إلى أن النبي ﷺ بيّن علامات المنافق، وأن الله تعالى أخبر أن المنافق يُعرف في لحن القول، أي من فلتات لسانه.

قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».

ويقارن الشيخ بين المؤمن والمنافق يوم القيامة. فالمؤمن يُقرّ بذنوبه بين يدي ربه، فيستره الله ويغفر له. أما المنافق فيجحد ويكذب حتى في ذلك الموقف، فيُختم على فمه وتشهد عليه جوارحه. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وفي حديث النجوى قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ».

المحور الثالث: قصة عبد الله بن سلام وبهتان اليهود

يورد الشيخ قصة إسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وكان من أحبار اليهود وعلمائهم. فلما عرف أن محمدًا ﷺ هو الرسول المنتظر أسلم، ثم قال للنبي ﷺ إن اليهود قوم بُهت، وطلب منه أن يسألهم عنه قبل أن يعلموا بإسلامه. فسألهم النبي ﷺ عن عبد الله بن سلام، فقالوا: «خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَعَالِمُنَا وَابْنُ عَالِمِنَا». فقال: «أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ؟» قالوا: «أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ». فلما خرج إليهم وأعلن الشهادتين قالوا: «شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا»، وانتقصوه.

ويبيّن الشيخ أن هذا مثال صريح على مخالفة الظاهر للباطن. فقد كان اليهود يعرفون صفة النبي ﷺ وصفة أمته في كتبهم، ولم تذهب تلك الصفات مع ما وقع فيها من التحريف، ثم جحدوها حسدًا وعنادًا. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. ويوضح الشيخ هذا التشبيه بأن الإنسان لا ينكر ولده ولا يخطئ في معرفته ما دام عقله سليمًا.

المحور الرابع: الصدق والتحذير من الكذب

يؤكد الشيخ أن الكذب من أقبح الصفات، وأنه يهدم الثقة بين الناس، فمن عُرف بالكذب لم يُصدَّق بعد ذلك ولو صدق. ولهذا ردّ علماء الحديث رواية من اتُّهم بالكذب. ويذكر الشيخ أن العرب في الجاهلية كانوا يأنفون من الكذب، ويستشهد بقصة أبي سفيان مع هرقل، فقد امتنع عن الكذب على النبي ﷺ وهو يومئذ عدوه، خشية أن يُؤثر عنه الكذب.

قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا».

المحور الخامس: شرح حديث ابن عباس في الجهر بالقراءة وفقه سد الذرائع

يشرح الشيخ إسناد الحديث الذي أورده البخاري في الباب. فيترجم لعمرو بن زرارة الكلابي النيسابوري، ثم لهُشيم بن بشير الواسطي، ويذكر من خبره أن أباه كان فقيرًا يبيع الكوامخ وكان يريد أن يعمل ابنه معه، لكن هُشيمًا آثر طلب العلم حتى عظمت منزلته. فلما مرض عاده القاضي في بيته، فعرف أبوه قدر العلم الذي يرفع صاحبه. ثم يترجم لأبي بشر جعفر بن أبي وحشية، وهو من أثبت الناس في سعيد بن جبير. ثم لسعيد بن جبير، الإمام الذي قتله الحجاج بن يوسف صبرًا سنة خمس وتسعين، وكان قد خرج عليه مع ابن الأشعث. ثم لحبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، الذي توفي بالطائف.

ونص الحديث: عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال: «نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾».

ويبيّن الشيخ أن هذا الحديث من مراسيل الصحابة، لأن ابن عباس وُلد قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين ولم يشهد تلك الحادثة. ويستنبط منه أصل سد الذرائع، فلا ينبغي للمسلم أن يأتي فعلًا أو قولًا يكون سببًا في سبّ دين الله، كمن يشدد على أهل البدع والمخالفين بأسلوب يدفعهم إلى سبّ الدين. قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.

النقاط الرئيسية

  • علم الله تعالى محيط بالسر والجهر، وهو العليم بذات الصدور اللطيف الخبير.
  • المؤمن يستوي ظاهره وباطنه، والمنافق يُظهر خلاف ما يُبطن.
  • من علامات النفاق الكذب في الحديث، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، والغدر في العهد، والفجور في الخصومة.
  • قصة عبد الله بن سلام تكشف بهتان اليهود وجحودهم الحق مع معرفتهم به كما يعرفون أبناءهم.
  • الصدق طريق إلى البر والجنة، والكذب طريق إلى الفجور والنار، وقد كان مستقبحًا حتى عند أهل الجاهلية.
  • العلم يرفع صاحبه وإن كان فقير الأصل، كما في خبر هُشيم بن بشير الواسطي.
  • سد الذرائع أصل شرعي، فيُترك ما قد يكون سببًا في سبّ الله ودينه وكتابه.

الفوائد والعبر

  • المراقبة الدائمة لله تعالى: ليتذكر العبد أن الله مطّلع على خواطره ونواياه، فيطهّر قلبه كما يحسّن ظاهره.
  • محاسبة النفس على خصال النفاق: ليفتش المسلم في نفسه عن الكذب وإخلاف الوعد والخيانة، فيتخلص منها قبل أن تستحكم.
  • تحرّي الصدق في القول والعمل: فالصدق يبني الثقة ويرفع المنزلة عند الله وعند الناس، والكذب يهدم ذلك كله.
  • الاعتراف بالذنب والرجاء في ستر الله: فالمؤمن يُقرّ بتقصيره بين يدي ربه، ويرجو ستره في الدنيا ومغفرته في الآخرة.
  • الحكمة في الدعوة: ليتجنب الداعية الأساليب التي تنفّر الناس أو تجرّهم إلى سبّ الدين، ويوازن بين الجهر بالحق ومراعاة المصالح والمفاسد.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات