شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (22) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,301 مشاهدة
159 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والعشرون من شرح «كتاب التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، ألقاه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بعد صلاة العشاء ليلة الجمعة التاسع عشر من شهر صفر سنة ١٤٤١هـ، الموافق للثامن عشر من شهر أكتوبر سنة ٢٠١٩م. ويتناول الدرس بابًا من أبواب الصفات بالغ الأهمية، هو: «باب كلام الرب مع جبريل، ونداء الله الملائكة».

تكمن أهمية هذا الباب في أنه يقرر عقيدة أهل السنة والجماعة في صفة الكلام لله عز وجل، وأن الله يتكلم متى شاء وكيف شاء بما شاء، بحرف وصوت يسمعه من شاء من خلقه. وفيه ردّ على من نفى هذه الصفة، وعلى من قال بـ«الكلام النفسي»، وعلى من زعم أن الله يخلق الكلام في غيره. كما يثبت الباب صفة المحبة والبغض لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله.

ويهدف الدرس إلى تمكين طالب العلم من فهم قاعدة إثبات صفات الكمال لله تعالى، ومعرفة رجال إسناد حديث الباب، واستنباط الفوائد العقدية والتربوية من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في محبة الله لعبده ووضع القبول له في الأرض، مع توجيهات تربوية في تقديم رضا الله على رضا الناس.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: إثبات صفة الكلام لله تعالى وقاعدة صفات الكمال

بيّن الشيخ أن الإمام البخاري أراد بهذا الباب إثبات صفة الكلام لله عز وجل، وأنه سبحانه يكلّم جبريل عليه السلام وينادي الملائكة، ويكلّم من شاء من أنبيائه ورسله كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. وقرر القاعدة المعروفة عند أهل السنة: أن كل صفة كمال في المخلوق لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فالخالق سبحانه أولى بها.

ونبّه إلى أن من صفات المخلوق ما يُعدّ كمالًا في حقه لكنه نقص في حق الخالق، ككثرة الولد، فهذه لا يوصف الله بها، لأنه سبحانه ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. أما الكلام فهو كمال في البشر، وضده الخرس والعِيّ نقص؛ ولذلك اشتهر عن النبي ﷺ أنه أفصح من نطق بالضاد، فإذا كان الكلام كمالًا في المخلوق فالله أولى به.

واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾، وبقصة المعراج حين راجع النبي ﷺ ربه في فرض الصلاة بمشورة أخيه موسى عليه السلام، حتى قال رب العزة: «هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ»، فسمع النبي ﷺ كلام ربه مباشرة.

المحور الثاني: الرؤية بين الدنيا والآخرة

أوضح الشيخ أن النبي ﷺ سمع كلام ربه ليلة المعراج لكنه لم يره بعينه؛ لأنه وإن جاوز السماء السابعة ما زال في دار الدنيا، ولا يطيق بشر رؤية الله في الدنيا. واستشهد بقصة موسى عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾.

وبيّن أن من عظيم رحمة الله وكرمه أن المؤمنين سيتمتعون برؤية وجهه الكريم في الآخرة، وهي الزيادة المذكورة في قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾، فالزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.

المحور الثالث: تفسير معمر وبيان رجال إسناد الحديث

شرح الشيخ قول البخاري: «وقال معمر»، وبيّن أنه أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى التيمي مولاهم البصري النحوي اللغوي، صاحب كتاب «مجاز القرآن»، توفي سنة ثمانٍ ومئتين أو نحوها وقد قارب المئة، وأن البخاري ينقل عنه في المسائل اللغوية. وفسّر معمر قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ بأن القرآن يُلقى عليك وتتلقاه أنت، أي تأخذه عنهم، ومثله قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾، وهي قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

وربط الشيخ ذلك بتلقي النبي ﷺ الوحي عن جبريل، وأمر الله له بالإنصات وعدم العجلة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۝ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ۝ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ۝ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.

ثم تكلم على رجال الإسناد: شيخ البخاري «إسحاق»، وذكر الخلاف في تعيينه، ورجّح الحافظ ابن حجر ومن قبله أبو نعيم في «المستخرج» أنه إسحاق بن منصور الكوسج المروزي، وذكر احتمال كونه ابن راهويه أو غيرهما. ثم عبد الصمد بن عبد الوارث التميمي العنبري البصري، ثم عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار العدوي، عن أبيه عبد الله بن دينار مولى ابن عمر، عن أبي صالح ذكوان السمّان، عن أبي هريرة رضي الله عنه حافظ الصحابة. ونبّه إلى أن في الإسناد رواية تابعي عن تابعي، وعرّف التابعي بأنه من لقي الصحابي مؤمنًا ومات على ذلك.

المحور الرابع: حديث محبة الله للعبد والرد على القائلين بالكلام النفسي

ساق الشيخ حديث الباب: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ».

وبيّن أن في الحديث إثبات صفة المحبة لله على وجه الكمال، لا كمحبة المخلوق الناقصة، كما قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وقال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. وفيه إثبات النداء، والنداء لا يكون إلا بحرف وصوت مسموع، فهو ردّ صريح على من يقول بالكلام النفسي، وعلى من يزعم أن الله يخلق الكلام في جبريل، تعالى الله عن ذلك؛ فإذا كان نداء جبريل بحرف وصوت، فكيف يُجرَّد الله من صفة كمال ثبتت لمخلوقه؟!

وذكر الشيخ منزلة جبريل عليه السلام، وأنه من أكابر الملائكة، وأن اليهود اتخذوه عدوًّا، فقال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾. واستطرد بذكر غيرة جبريل لله في قصة غرق فرعون حين قال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، فدسّ جبريل الطين في فيه مخافة أن تدركه الرحمة، كما في حديث الترمذي، وقد قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾.

كما ذكر الشق المقابل في رواية مسلم: «وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ...» ثم يوضع له البغضاء في الأرض، ونبّه إلى أن العبرة بقبول أهل الصلاح والعدول الذين تُعتبر شهادتهم، لا بالسفهاء والفساق.

المحور الخامس: القبول في الأرض ومحبة النبي ﷺ وإرضاء الله

ضرب الشيخ أعظم مثال على القبول في الأرض بسيد الخلق ﷺ، الذي أحبه الله فوضع محبته في قلوب المؤمنين، فبذلت المليارات من البشر عبر القرون الأموال والدماء والأوقات في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه، وكل مسلم يجد في قلبه حبًّا للنبي ﷺ يفوق حبه لنفسه وأهله، تحقيقًا لقوله ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».

ووجّه الشيخ العامة وطلبة العلم والعلماء خاصة إلى ألّا يطلبوا رضا المخلوقين بسخط الخالق، مستدلًّا بحديث: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ»، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء.

وختم بالإشارة إلى أن كثيرًا من الكفار يعلمون الحق في قرارة أنفسهم ويجحدونه كبرًا، كما كانت قريش تعرف صدق النبي ﷺ وأمانته، وإنما منعها الحسد والتنافس القبلي، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.

النقاط الرئيسية

  • الله عز وجل يتكلم متى شاء وكيف شاء بما شاء، بحرف وصوت يسمعه من شاء من ملائكته ورسله.
  • كل صفة كمال في المخلوق لا نقص فيها بوجه فالخالق أولى بها، وما كان كمالًا للمخلوق ونقصًا في حق الخالق لا يوصف الله به.
  • سمع النبي ﷺ كلام ربه ليلة المعراج ولم يره بعينه، ورؤية الله ثابتة للمؤمنين في الآخرة.
  • النداء لا يكون إلا بحرف وصوت، فحديث الباب ردّ على القائلين بالكلام النفسي وخلق الكلام في غير الله.
  • إثبات صفتي المحبة والبغض لله تعالى على وجه الكمال اللائق به، دون تشبيه بصفات المخلوقين.
  • محبة الله للعبد تنتقل إلى جبريل ثم أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض، والعبرة بقبول أهل الصلاح لا بالسفهاء.
  • بيان رجال الإسناد، والتعريف بأبي عبيدة معمر بن المثنى وتفسيره اللغوي لـ«التلقي».

الفوائد والعبر

  • السعي لنيل محبة الله باتباع النبي ﷺ والتمسك بسنته، فهي الطريق إلى محبة أهل السماء والقبول في الأرض.
  • تقديم رضا الله على رضا الناس في كل حال، فمن أرضى الله أرضى عنه الناس ولو بعد حين.
  • التأدب في تلقي العلم والإنصات وعدم العجلة، اقتداءً بتأديب الله لنبيه ﷺ في تلقي الوحي.
  • تعظيم صفات الله تعالى وإثباتها كما جاءت في الكتاب والسنة دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
  • محاسبة النفس على مقدار محبة النبي ﷺ، وجعلها مقدمة على محبة النفس والأهل والناس أجمعين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات