شرح كتاب "التأصيل لأصول التخريج"للشيخ بكرأبوزيد(10) شرح الشيخ أبوحفص بن العربي الأثري.

3,341 مشاهدة
152 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس العاشر من مجالس شرح كتاب «التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل» للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، يشرحه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم ذكّر بما سبق من الكلام على الطريقة العملية للتخريج، وبأقسام الحديث باعتبار تعدد طرقه. فمنه المروي من طريق واحد لا متابع له ولا شاهد، ومنه ما له طريقان فأكثر. وهذا الثاني أنواع: ما لا يثبت إلا من طريق واحد وما سواه مردود، وما تعددت طرقه ولا يثبت منها شيء، وما يثبت بالشواهد والمتابعات.

ثم شرع في بابٍ مهم هو «مراتب النظر»، أي مراحل إعمال الفكر في الحديث سندًا ومتنًا وحكمًا. هذه المراتب هي المنهج الذي يسير عليه المخرّج والباحث حتى يصل إلى حكم صحيح على الحديث، وقد بيّن الشيخ فيها المرتبة الأولى، وهي تحقيق نص السند والمتن، والمرتبة الثانية، وهي النظر في أحوال الرواة.

يتعلّم المشاهد في هذا الدرس كيف يتثبّت من سلامة النص قبل الحكم عليه، وكيف يستعين بكتب الأطراف كـ«تحفة الأشراف» لكشف التصحيف والتحريف، وكيف تتنوع علوم الحديث وتترتب. ويتعرّف كذلك على مراتب الرواة من حيث العدالة والضبط، من أعلى درجات التوثيق إلى أصناف الضعفاء.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: مراتب النظر ومرتبة تحقيق نص السند والمتن

بيّن الشيخ أن النظر في الحديث يدور على ثلاثة أمور: السند، والمتن، والحكم. وأولى المراتب ضبط السند والمتن، أي التأكد من أن السند ورد بهذا السياق، وأن المتن هو بعينه متن هذا السند. ويكون ذلك بالسلامة مما قد يقع من تصحيف أو تحريف أو غلط أو وهم بزيادة أو سقط، سواء كان الكتاب مطبوعًا أو مخطوطًا.

ومثّل لذلك بأسئلة يطرحها المحقق: هل الراوي «شَرِيك» أم «شُرَيح»؟ هل هو «عبّاس» أم «عيّاش»؟ هل الصحابي «ابن مسعود» أم «أبو مسعود البدري»؟ ومثّل كذلك بأول حديث في صحيح البخاري، إذ جاء في الموضع الأول مختصرًا دون قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله...»، فينظر الباحث: هل هذا الحذف من صنيع الإمام البخاري نفسه، أم وقع من الرواة أو النُّسّاخ؟

ونبّه إلى أن بعض الكتب يقوم على طباعتها ونشرها من ليس من أهل العلم، ممن همُّه التجارة والمال، فتكثر فيها الأخطاء. ولذلك وجب على الباحث مقابلة النسخ، وتطبيق سياق السند والمتن على جميع من أسنده من أصحاب المصادر، حتى يتبيّن الصواب من الخطأ.

والحديث المذكور هو قوله ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (متفق عليه).

المحور الثاني: وسائل التحقق من النص، ومكانة «تحفة الأشراف» وطريقة المستخرجات

ضرب الشيخ مثالًا بحديث يرد في سبعة مصادر عن «عبد الله بن عمر»، ثم يرد في كتاب لم يُحقَّق تحقيقًا دقيقًا عن «عبد الله بن عمرو». فإذا جمع الباحث الطرق، فوجد الحديث من طريق مجاهد ونافع وسالم ومحارب بن دثار كلهم عن ابن عمر، جزم بأن «ابن عمرو» تحريف، وأن الحديث حديث ابن عمر.

وأوصى بالعناية بكتاب «تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف» للحافظ المزي رحمه الله، وهو المرجع الرئيس لأحاديث الكتب الستة، ومعه تعليقات الحافظ ابن حجر المسماة «النكت الظراف على تحفة الأشراف». فقد رتّب المزي الأطراف على مسانيد الصحابة، فيعرف الباحث منها صحابيَّ الحديث بيقين، ويصحّح ما يقع في المطبوعات من أخطاء الناشرين، بل وأخطاء بعض المحققين.

ثم شرح طريقة التخريج على نسق المستخرجات، ومثّل لها بتخريج «مسند ابن عمر» للطرسوسي. يبدأ الباحث بمن روى الحديث عن صاحب الكتاب، ثم بمن رواه عن شيخه، ثم عن شيخ شيخه، كعبد الله بن محمد المسندي ثم سفيان بن عيينة ثم عبد الله بن دينار، وهكذا حتى التابعي ثم الصحابي. فيمشي الباحث خطوة خطوة، ويصل إلى الجزم بصحة السياق.

المحور الثالث: أنواع علوم الحديث وترتيبها

بعد تحقيق النص يدرس الباحث الحديث سندًا ومتنًا على أنواع علوم الحديث. وقد أوصلها السيوطي رحمه الله إلى ثلاثة وتسعين نوعًا، وذكر الحازمي في مقدمة «العجالة» أنها تزيد على مائة، وذكر ابن الملقن إمكان إيصالها إلى مائة، وحرّر الحافظ ابن حجر أنواعًا زائدة على ما ذكره ابن الصلاح.

وزاد الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله عشرة أنواع على ما انتهى إليه السيوطي، منها:

  • معرفة الأبواب التي لم يصح فيها حديث.
  • معرفة النسخ والصحف الحديثية.
  • معرفة المشترك اللفظي.
  • معرفة الفروق الحديثية.
  • معرفة ما أغنت شهرته عن إسناده.
  • معرفة معارضة السنة بالإجماع.
  • معرفة معاني الأحاديث التي على خلاف الظاهر.
  • معرفة المتشابه الطرفين.
  • معرفة المُقحَم في الحديث.

وبيّن أن ابن الصلاح ساق الأنواع بحسب ما وقع له دون ترتيب منهجي، وسار على طريقته من بعده. أما الحافظ ابن حجر فرتّبها في «نخبة الفكر» وشرحها «نزهة النظر» ترتيبًا موضوعيًا مترابطًا كالسلسلة، ينبني آخرها على أولها. ولذلك نصح الشيخ بقراءة «نزهة النظر» قراءة متأنية تقف عند كل كلمة لا عند كل جملة، مع صغر حجمها. وقسّم الأنواع إلى ما يختص بالإسناد، وما يختص بالمتن، وما يشترك فيه الإسناد والمتن، وما يتعلق بمرتبة الحكم، وصيغ التحمل والأداء، وصفات الرواة وأحوالهم.

ونقل تنبيه أهل الاصطلاح، كما في «فتح المغيث»، على أن مباحث المتواتر والآحاد، والناسخ والمنسوخ، ألصق بأصول الفقه منها بمباحث علم الحديث.

المحور الرابع: المرتبة الثانية، النظر في أحوال الرواة ومراتب التوثيق

بعد ضبط السند والمتن ينتقل الباحث إلى النظر في أحوال الرواة. ويبدأ ببيان ما في السند من مبهم، كقولهم: «عن رجل» أو «عن خال سفيان»، ومن مهمل، كأن يقال «أحمد» أو «سفيان» دون نسبة. فيبحث: هل سفيان هو ابن عيينة أم الثوري؟ وهل أحمد هو ابن صالح المصري أم غيره؟

ثم ينظر في حال رواة السند واحدًا واحدًا ممن دون الصحابي، من جهة شرطي الرواية: العدالة، والضبط والإتقان. والغاية أن يتميّز العدل من المجروح، وتامُّ الضبط من خفيفه فما دونه.

وذكر مراتب التوثيق من أعلاها، مثل «أوثق الناس» و«إليه المنتهى في التثبت»، ثم «ثقة ثبت»، ثم «ثقة»، ثم «ثقة له أوهام»، ثم «صدوق» الذي حديثه حسن، ثم «صدوق ربما وهم» و«صدوق يهم» و«صدوق يخطئ»، وعندها يبدأ الضعف.

ونبّه إلى أن هذه المسألة نسبية، فمن يخطئ في مائة حديث وهو يحفظ مائة ألف، ليس كمن يخطئ في عشرة أحاديث ورأس ماله مائة حديث.

المحور الخامس: أصناف الضعفاء، وأن الثقة لا يُشترط فيه العصمة من الخطأ

قسّم الشيخ الرواة فيما دون الضبط إلى أربعة أصناف:

  • المتهم بالكذب: وحديثه متروك تمامًا.
  • من لا يُتهم لكن الغالب على حديثه الوهم والغلط: وهو فاحش الغلط، فيُخرَّج حديثه لمجرد المعرفة والتحذير منه.
  • المجهول والمستور: فالمجهول من لم يروِ عنه إلا راوٍ واحد ولم يُوثَّق. والمستور من روى عنه اثنان فأكثر ولم يوثقه إمام معتبر، فعدالته الظاهرة معلومة، وحاله في الجرح والتعديل وضبطه غير معلومة.
  • الصدوق الذي يكثر في حديثه الوهم ولا يغلب عليه: وفيه خلاف بين أهل العلم، والعمل على الاعتبار به في المتابعات والشواهد.

وضرب لهذا الصنف الأخير مثلًا برجل أصابه مرض لم يُقعده، فيمشي على عصا لكنه لا يقوى وحده، فإذا جاءه آخر بعصا أخرى تقوّى به. وكذلك حديث هذا الراوي يرتقي إذا وُجد ما يعضده.

ثم ذكر طبقة الثقات الحفاظ المتقنين الذين يندر أو يقل الخطأ في حديثهم، وأن هؤلاء يُحتج بهم بالاتفاق في غير ما أخطؤوا فيه. وقرّر أنه ليس من شرط الثقة ألا يخطئ ولا يغلط ولا يسهو، فمن يروي عشرات الآلاف من الأحاديث، كالإمام أحمد رحمه الله الذي يُذكر أنه حفظ ألف ألف حديث، قد يخطئ في حديث أو حديثين أو بضعة أحاديث، ولا يقدح ذلك في ثقته.

النقاط الرئيسية

  • مراتب النظر في الحديث ثلاث: النظر في السند، وفي المتن، وفي الحكم.
  • أولى المراتب تحقيق نص السند والمتن وسلامتهما من التصحيف والتحريف والزيادة والسقط، بمقابلة النسخ وجمع الطرق.
  • «تحفة الأشراف» للمزي مع «النكت الظراف» لابن حجر أداة أساسية لمعرفة صحابي الحديث وتصحيح أخطاء المطبوعات في أحاديث الكتب الستة.
  • طريقة المستخرجات في التخريج تتتبع الرواة طبقة طبقة من صاحب الكتاب إلى الصحابي.
  • أنواع علوم الحديث تزيد على المائة، وأحسن من رتبها ترتيبًا منهجيًا الحافظ ابن حجر في «نخبة الفكر» و«نزهة النظر».
  • المرتبة الثانية النظر في أحوال الرواة: كشف المبهم والمهمل، ثم تحقيق العدالة والضبط، مع مراعاة نسبية الحكم على الضبط.
  • الضعفاء أربعة أصناف، ويُعتبر بحديث الصدوق كثير الوهم في المتابعات والشواهد، والثقة لا يُشترط فيه ألا يخطئ أبدًا.

الفوائد والعبر

  • التثبّت قبل الحكم: على طالب العلم ألا يبني حكمًا على نص حتى يتأكد من صحة ألفاظه وسنده، فكم من خطأ سببه تصحيف في طبعة تجارية.
  • اختيار الطبعات المحققة: ينبغي الحرص على الكتب التي حققها أهل العلم على أصول خطية معتمدة، والحذر من طبعات من لا يبالي بتراث الأمة.
  • القراءة المتأنية لكتب الأصول: متون مثل «نزهة النظر» تُقرأ بالكلمة لا بالجملة، لأن كل لفظة فيها مقصودة ومترابطة مع ما بعدها.
  • الإنصاف في الحكم على الرجال: الخطأ اليسير لا يُسقط الثقة، والحكم على الراوي نسبي يُراعى فيه مقدار ما روى إلى ما أخطأ فيه. وهذا منهج عادل يصلح في تقويم الناس عمومًا.
  • التعاضد قوة: كما يتقوى الحديث الضعيف بما يعضده من الشواهد والمتابعات، يتقوى المسلم بإخوانه ويستعين بهم على طريق الحق.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات