شرح كتاب "التأصيل لأصول التخريج"للشيخ بكرأبوزيد(6) شرح الشيخ أبوحفص بن العربي الأثري.

3,696 مشاهدة
314 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس من شرح كتاب «التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل» للعلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، يشرحه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس المبحث الخامس من الكتاب، وهو مباحث التخريج في كتب مصطلح الحديث، ثم يدخل في المبحث السادس، وهو المؤلفات في التخريج وأصوله.

وتظهر أهمية هذا الدرس في أنه يجمع ما تفرق من مسائل التخريج في أبواب علوم الحديث. فأئمة المصطلح لم يفردوا لكل فرع نوعًا مستقلًا رغبةً في الاختصار، فأدخلوا مسائل التخريج في أنواع أخرى لأدنى مناسبة، ومن أبرزها باب «آداب طالب الحديث» في ألفية العراقي وألفية السيوطي وشروحهما. ويقف الشيخ في أثناء الشرح على آداب التأليف والتصنيف، وعلى ضوابط الأمانة العلمية في العزو والنقل.

ويهدف المجلس إلى أن يعرف الطالب طرق المحدثين في التصنيف، ومتى يحسن به أن يبدأ الجمع والتأليف، وكيف يحرر ما يكتب قبل نشره، وكيف يتأدب مع العلماء عند الاستدراك عليهم. ويهدف كذلك إلى بيان سبب تأخر إفراد علم التخريج بالتأليف، وإلى التحذير من نقل التخريجات دون رجوع إلى مصادرها الأصلية.

المحور الأول: خطبة الحاجة ومنهج ربط العلم بعضه ببعض

افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلمها أصحابه، وتلا فيها الآيات التي تأمر بتقوى الله وبالقول السديد، وختمها بالتحذير من محدثات الأمور. وهذه سنة السلف في افتتاح مجالس العلم.

ثم بيّن أن من منهجه في الشرح ربط العلم بعضه ببعض. فمباحث التخريج تُستخرج من كتب المصطلح، كما في آداب طالب الحديث من ألفية العراقي وشرح زكريا الأنصاري لها وشرح السخاوي «فتح المغيث». فالطالب يأخذ التأصيل من موضع، والتفريع من موضع آخر، ثم يضم بعضه إلى بعض.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

وقال ﷺ: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: طرق المحدثين في التصنيف والتخريج

شرح الشيخ ما ذكره العراقي في ألفيته: إذا تأهل طالب الحديث وصار ماهرًا في فنه، فليبادر إلى التأليف والتخريج. ثم عدّد طرق المحدثين في الجمع، وهي:

  • الجمع على الأبواب: كصحيح البخاري وصحيح مسلم والسنن الأربعة وسنن الدارمي.
  • الجمع على المسانيد: أي جمع أحاديث كل صحابي على حدة، كمسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى.
  • المسند المعلل: وهو الذي يجمع الأحاديث مع بيان عللها، كما صنع يعقوب بن شيبة في مسنده المعلل، ولم يُكمله.
  • الجمع على الشيوخ: كالمعجم الصغير للطبراني، يذكر فيه الشيخ ثم يروي من طريقه حديثًا.
  • الجمع على التراجم أو الطرق: كأن يُفرد المصنف ترجمة معينة، أو يجمع طرق حديث واحد، كمن جمع ما ورد في حديث «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ».

ثم نقل الشيخ عن شرح زكريا الأنصاري أن التأليف أعم من التصنيف ومن الانتقاء ومن التخريج. فالتصنيف هو جعل كل صنف على حدة. والانتقاء هو التقاط ما يحتاجه الطالب من الكتب، والطالب الذكي لا يقرأ كتابًا إلا انتقى منه فوائده وقيّدها. أما التخريج فهو إخراج المحدث الأحاديث من بطون الكتب، وسياقها من مروياته أو مرويات شيوخه أو أقرانه، مع الكلام عليها تصحيحًا وتعليلًا، وعزوها إلى من رواها من أصحاب الكتب، وبيان البدل والموافقة ونحوهما. وقد يُتوسع في إطلاق التخريج على مجرد الإخراج والعزو.

ولخّص الشيخ ما في كتب المصطلح عن التخريج في سبعة أمور ذكرها الشيخ بكر أبو زيد. منها: أن لفظ التخريج من المشترك اللفظي عند المحدثين، والمراد بالمُملي، وطرق المخرّج في التصنيف، وشروط المخرّج، وأصول التخريج المنثورة في أبواب الكتاب.

المحور الثالث: كراهة الجمع قبل التأهل، والإخراج بلا تحرير

نبّه الشيخ إلى أن أهل العلم كرهوا للطالب أن يشتغل بالجمع ما دام مقصّرًا في الطلب. فالجمع المبكر يشغله عن التحصيل، وقد يورثه شيئًا من العُجب وحب الظهور. وذكر الشيخ في ذلك فتنة بعض الفضائيات المعاصرة التي تصنع ألقاب العلم لمن لم يتأهل، وأوصى الطالب بأن يصبر ويدرس ويتعلم حتى يتمهّر، ثم يبدأ بعد ذلك.

وكره العلماء كذلك إخراج الكتاب قبل تحريره وتهذيبه. وانتقد الشيخ ظاهرة تضخيم الحواشي بلا فائدة، فقد ترى رسالة في مسألة فقهية صغيرة لا تتجاوز ثلاثين ورقة، ثم تتضخم بتراجم مطولة لكل من ورد اسمه، كالزمخشري وابن تيمية وابن القيم، وبتعداد طبعات كتب الرجال كتقريب التهذيب. وطلبة العلم يعرفون هؤلاء الأعلام، والعوام لا ينتفعون بتراجمهم، فتصير الحواشي شاغلةً للقارئ عن أصل المسألة.

وانتقد الشيخ أيضًا تكرار النقول المذهبية من كتب كثيرة لإثبات قول واحد، كأن يُنقل مذهب الشافعية من الأم ومعرفة السنن والآثار والمجموع والروضة بكلام متكرر. والأولى أن يُذكر المذهب في سطور، ثم يُصرف الجهد إلى بيان الدليل والراجح. فمنهج السلف ربط الناس بسنة رسول الله ﷺ، مع احترام أقوال الأئمة وتقديرها، لا ربطهم بالخلاف المذهبي المجرد.

المحور الرابع: أدب الطالب مع العلماء، وسنة التدرج في نضج العلم

أوصى الشيخ الطالب بأن يعرض ما يكتبه على الكبار من أهل العلم والمشايخ قبل نشره. فإن اتفقوا على نقد شيء فليتأدب معهم ويُغيّره، وإن اختلفوا نظر الناقد البصير في أي الأقوال يدل عليه الدليل الشرعي.

وذكر أنه وقف على تحقيق لبعض الإخوة فيه عبارة شديدة في حق إمام كبير، فاستبدلها بقوله: «في هذا الكلام نظر». وعلّل ذلك بأن الطالب يتكلم عن جبل من جبال العلم، فينبغي أن يترحم عليه ويثني عليه وإن خالفه. وقد يكون كلام العالم في غاية الصواب، ونحن الذين لم نفهمه. وبيّن الشيخ أن الطالب يعرف قدره، فليس هو الألباني ولا ابن عثيمين، فلا يجترئ على الأئمة بعبارات مثل: «هذا كلام باطل» أو «لم يفهم».

وضرب الشيخ مثلين لسنة التدرج. الأول شجرة الرمان أو التفاح أو النخل، تُغرس وتُسقى سنوات، وأول ثمرها صغير لا يُذكر، ثم كلما استقرت الشجرة وزاد عمرها طاب ثمرها وكبر. والثاني الدجاجة، أول بيضها صغير يسمونه «البشاير»، ثم يكبر كلما زاد عمرها. وكذلك العلم، كلما استقر في النفس وكثر البحث والاطلاع والمراجعة، نضجت الثمرة.

واستشهد الشيخ بأن الحافظ ابن حجر رحمه الله مكث نحو ربع قرن في تأليف «فتح الباري». واستشهد كذلك بأن من يقارن الطبعة الأولى لكتاب «صفة صلاة النبي ﷺ» للألباني بطبعاته المتأخرة يجد فروقًا كثيرة. وذكر الشيخ أنه هو نفسه حين راجع كتابًا له وجد في حواشيه مواضع يمكن أن تُتعقّب. قال الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76].

المحور الخامس: المؤلفات في التخريج والأمانة في العزو

بيّن الشيخ أن المبحث السادس معقود للمؤلفات المستقلة في التخريج وأصوله. وقرر أن أصول هذا العلم مبثوثة في كتب المصطلح وكتب الحديث وشروحه وكتب الرجال، فإفراده بالتأليف ليس اختراعًا لعلم جديد، وإنما هو جمع لما تفرق، وتقريب له، وتيسير على الطلاب.

وذكر لتأخر إفراد هذا العلم بالتأليف سببين:

  • أن هذا العلم كان عند المتقدمين معلومًا بدهيًّا، كالجِبِلّة في نفوسهم، فلم يحتاجوا إلى التأليف فيه.
  • وهو الأهم: أن التخريج لم يكن يمارسه إلا الحفاظ الجامعون. فلم تكن الفهارس موجودة، ولم يكن المبتدئ يجترئ على التخريج.

وحذّر الشيخ مما سمّاه نوعًا من السرقة العلمية: أن ينقل الطالب تخريجًا من برنامج حاسوبي أو من كتاب غيره، فيقول «أخرجه البخاري» وهو لم يرجع إلى صحيح البخاري. وقد يقع في ذلك أخطاء، فيُعزى الحديث إلى موضع لا يوجد فيه. فالعزو أمانة، ولا بد من الرجوع إلى المصدر الأصلي. فإن لم يتيسر ذلك فليصرّح بالواسطة التي نقل عنها. وأشار الشيخ في هذا الموضع إلى صنيع العلامة أحمد شاكر رحمه الله في تحقيقه لكتاب «الرسالة».

ونبّه الشيخ على تنبيه لغوي ذكره المؤلف، وهو أن الصواب أن يقال: «المباحث الرئيسة»، ونسبة «الرئيسية» من اللحن. وأشار إلى أن بعض الناشرين يغيّرون عبارة المؤلف إلى «الرئيسية»، وفي ذلك إخلال بالأمانة في النقل عن المؤلف.

النقاط الرئيسية

  • مباحث التخريج منثورة في كتب المصطلح، ومن أبرز مواضعها باب «آداب طالب الحديث» في ألفيتي العراقي والسيوطي وشروحهما.
  • من طرق المحدثين في التصنيف: الجمع على الأبواب، أو المسانيد، أو المسند المعلل، أو الشيوخ، أو التراجم، أو طرق حديث واحد.
  • التأليف أعم من التصنيف ومن الانتقاء ومن التخريج، وقد يُطلق التخريج توسعًا على مجرد الإخراج والعزو.
  • كره أهل العلم أن يشتغل الطالب بالجمع قبل تأهله، وأن يُخرج كتابه قبل تحريره وتهذيبه.
  • تضخيم الحواشي وتكرار النقول المذهبية بلا فائدة يشغل القارئ عن الدليل والراجح.
  • العلم ينضج بالتدرج والمراجعة، كما تنضج الثمرة مع استقرار الشجرة.
  • تأخر إفراد التخريج بالتأليف لأنه كان بدهيًّا عند المتقدمين، ولأنه لم يكن يمارسه إلا الحفاظ. والعزو إلى المصادر دون الرجوع إليها خيانة للأمانة العلمية.

الفوائد والعبر

  • اصبر على الطلب: لا تستعجل التأليف والظهور قبل أن تنضج علميًّا، وإن خطرت لك فكرة فقيّدها واجمع لها، دون أن تنقطع عن الطلب.
  • اعرض عملك على أهل العلم: لا تنشر بحثًا أو تحقيقًا قبل أن تراجعه وتعرضه على المشايخ وتقبل نقدهم.
  • تأدب في الاستدراك: إذا خالفت إمامًا فقل: «في هذا الكلام نظر»، وترحّم عليه، واعرف قدر نفسك.
  • كن أمينًا في العزو: لا تقل «أخرجه فلان» إلا بعد الرجوع إلى المصدر بنفسك، فإن لم تفعل فصرّح بالواسطة.
  • اربط الناس بالدليل: اختصر النقول المذهبية، واصرف جهدك إلى بيان الدليل الشرعي والراجح، مع احترام الأئمة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات