شرح كتاب "التأصيل لأصول التخريج"للشيخ بكرأبوزيد(4) شرح الشيخ أبوحفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الرابع من شرح كتاب «التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل» للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، ويشرحه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم استدرك أربع صفحات من مقدمة المؤلف فاتت في الدرس الماضي. وتتضمن هذه الصفحات الخطة الكاملة للكتاب، وكلامًا نفيسًا في آداب التأليف وتواضع أهل العلم.
بعد ذلك شرع الشيخ في «الكتاب الأول» المخصص للتخريج، فبدأ بالمبحث الأول منه وهو تعريف التخريج. فشرح أصل الكلمة اشتقاقًا وتصريفًا، وبيّن معناها الجامع وهو النفاذ والظهور والانفصال. ثم ربط هذا المعنى اللغوي بعمل أئمة الحديث في جمع السنة وانتقائها، وبيّن صلته بالتخريج في الفقه والأصول، وانتهى إلى التعريف الاصطلاحي الدقيق للتخريج عند المحدثين.
أهداف التعلم: أن يعرف الطالب منهج الكتاب وتقسيمه، وأن يتأدب بأدب العلماء في التواضع وقبول النقد، وأن يميز بين المسائل الاجتهادية والمسائل المنصوص عليها. ويهدف الدرس كذلك إلى أن يفهم الطالب المعنى اللغوي والاصطلاحي للتخريج، وأن يدرك أن التخريج أوسع من مجرد عزو الحديث إلى مصدره.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: خطة كتاب «التأصيل» وتقسيمه
بيّن الشيخ أن المؤلف رحمه الله بنى كتابه على ثلاثة أقسام:
- مقدمات في أصول التخريج: وفيها المبادئ العشرة، والتعريف بطرفي العنوان، وحقيقة أصول التخريج، وتأصيلها من القرآن، والمؤلفات فيها.
- الكتاب الأول في التخريج: وفيه بابان. الباب الأول فيه ستة مباحث: تعريف التخريج، وكونه من المشترك اللفظي، وتأصيله في الوحيين، وفوائده، وأبحاثه في كتب المصطلح، والمؤلفات فيه. والباب الثاني في طرق العمل في التخريج: طرق التصنيف فيه، وطرق استخراج الحديث، والطريقة العملية للتخريج ومراتب النظر فيه.
- الكتاب الثاني في أصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل: وهو المقصود الأعظم من التأليف، وفيه أبواب: الأصول العامة، ثم أصول في المتن، ثم أصول في الإسناد، ثم قواعد الجرح والتعديل، ثم أصول في مخرج الحديث، ثم أصول في العزو، ثم أصول في المرتبة والحكم، ثم الخاتمة.
ونبّه الشيخ إلى أن باب قواعد الجرح والتعديل فاق سائر الأبواب طولًا. وذكر أن المؤلف صرّح بأن أبواب كتابه ليست على نسق واحد في البسط والاختصار، لأن بعض الأبحاث يقتضي مدّ الكلام حتى تتم الفائدة.
ومن لطائف هذا المحور ما في منهج الشيخ بكر رحمه الله من ربط كل مسألة بأدلة الكتاب والسنة. ولذلك سمّى الكتاب «التأصيل». وهذا ما ينبغي لطالب العلم أن يربي عليه إخوانه وطلابه: أن يربطهم بالوحيين لا بالآراء المجردة.
المحور الثاني: أدب التأليف والتواضع في طلب العلم
نقل المؤلف كلامًا للإمام النووي رحمه الله في مقدمة شرحه لصحيح مسلم، وقد أورده الكتاني في «فهرس الفهارس». وخلاصته أن البسط في الشرح مقصده الإيضاح والتيسير والنصيحة للقارئ، وإغناؤه عن مراجعة غيره في الباب. وأن من استطال شيئًا من ذلك فهو بعيد عن الإتقان، مباعد للفلاح في هذا الفن، فليعزِّ نفسه لسوء حاله. وأن طالب التحقيق لا ينبغي له أن يلتفت إلى كراهة أهل البطالة والملالة، بل يفرح بما يجده من العلم مبسوطًا، ومن الفوائد والمشكلات واضحًا مضبوطًا.
ثم وقف الشيخ عند تواضع العلامة بكر أبو زيد رحمه الله. فمع ما بذله من البحث والتفتيش والتتبع، نصح من وقف على كتابه من أهل العلم أن يحققوا النظر ويدققوا الفكر، ولا سيما من ظفر بكتب لم يظفر بها هو. وعلّق الشيخ بأن أحدًا مهما بلغ لا يستطيع الإحاطة بكل ما أُلّف في الإسلام. فكثير من المخطوطات ضاع أو أُحرق أو أُلقي في الأنهار، وكثير من المطبوعات القديمة نفد فصار في حكم المخطوط.
وجعل الشيخ هذا مسألة تربوية مهمة: من ظن أنه أحاط بكل شيء علمًا فذلك دليل على أنه لم ينتفع بالعلم. واستشهد بقول الله تعالى:
﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
المحور الثالث: التفريق بين مسائل الاجتهاد ومسائل النص
نبّه الشيخ على أمر عظيم الأثر في سلوك طالب العلم، وهو ألا يجعل اجتهاده حقًّا مطلقًا يُبدِّع من خالفه أو يُضلِّله. فالمسائل نوعان:
- مسائل منصوص عليها نصًّا واضحًا: لا مجال فيها للاجتهاد، كتوحيد الله تعالى. فلا يُقال إن من قال بالتثليث مجتهد.
- مسائل تركها النبي ﷺ دون قول فاصل: وفي ذلك إذن للعلماء وطلبة العلم أن يبذلوا جهدهم فيها. والموقف الصحيح فيها: «قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب».
وختم الشيخ هذا المحور بالتأكيد على أن الأدب مقدَّم على الطلب. وعلى الطالب أن يتأمل مقدمات العلماء ويتربى على ما فيها من التواضع والإنصاف.
المحور الرابع: التخريج لغةً واشتقاقًا
بيّن الشيخ أن أصل الكلمة الفعل «خَرَجَ» على وزن «فَعَلَ» بفتحات ثلاث. وهو فعل لازم، مصدره «الخروج»، يُقال: خرج يخرج خروجًا. ومعناه مشتق من النفاذ والظهور والانفصال، كما يخرج النبات من الحب فيظهر بعد أن كان مستترًا في الأرض، وكما يخرج الجنين من بطن أمه فينفصل عنها ويظهر للناس.
وهذا المعنى يقع في الأمور الحسية وفي الأمور المعنوية:
- في الأعيان: كخروج الشمس من السحاب، وخروج الرجل من داره، وخروجه من بلد إلى آخر.
- في المعاني: كقولهم: فلان يحب الخروج. ومنه سُمّي الخارجون عن طاعة الإمام «خوارج».
واستدل المؤلف بقول الله تعالى عن موسى عليه السلام:
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21]
ثم بيّن الشيخ أن الفعل يُضعَّف فيصير «خَرَّجَ» على وزن «فَعَّلَ»، وهو فعل صحيح غير معتل، ومصدره «التخريج» على وزن «التفعيل». ونظيره: قدّس تقديسًا، وعلّم تعليمًا. ومن هذا الأصل الجامع، وهو انفصال الشيء عن المكان الذي هو فيه إلى غيره، قيل لعمل المحدث «تخريج». ومثّل الشيخ له بالقواعد الأصولية المستخرجة باستقراء الكتاب والسنة، وبالقواعد الفقهية المستخرجة من الفروع الفقهية.
المحور الخامس: التخريج عند المحدثين والفقهاء وتعريفه الاصطلاحي
قرر الشيخ أن التخريج ليس مجرد نسبة الحديث إلى من رواه في كتابه، فهذا جزء منه. أما حقيقته فهي جمعٌ ثم انتقاءٌ ثم إظهارٌ. فالأئمة كمالك وأحمد والبخاري ومسلم رحمهم الله جمعوا مئات الألوف من المرويات، ثم فصلوا منها ما ارتضوه، فأخرجوه في مصنفاتهم وأظهروه للناس. ولذا يقول المحدثون: «أخرجه البخاري في الصحيح»، كما في عبارة ابن الطلاع القرطبي في كتابه «أقضية الرسول ﷺ». وكذلك الطالب الذي يجمع أحاديث باب من الأبواب ثم ينتقي منها ويُظهرها، فعمله ضرب من التخريج.
ونقل الشيخ قول الراغب الأصفهاني إن التخريج أكثر ما يقال في العلوم والصناعات. فهناك تخريج في الفقه أيضًا، وهو إلحاق النوازل بأصول شرعية ثابتة. ومن أمثلته الأدوية التي فيها أضرار جانبية لكن منفعتها أغلب، فإباحتها مخرَّجة على قوله تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]
والقاعدة المستفادة من الآية: ما غلب إثمه على نفعه حُرِّم، وما غلب نفعه وكان ضرره نادرًا أُبيح. ومثّل الشيخ كذلك بركوب البحر للغزو مع ما فيه من خطر الغرق، لأن المصلحة فيه أعظم، كما في الحديث المتفق عليه:
«نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ»
وأشار الشيخ إلى أن العلماء قد يختلفون في بعض النوازل المعاصرة بحسب الأصل الذي يُخرِّج عليه كل منهم المسألة. وشدد على أن الكلام فيها لأهل العلم المحققين، لا لأصحاب العواطف والكلام بغير علم. ومن هذا الباب نشأ فن «تخريج الفروع على الأصول».
ثم ختم بالتعريف الاصطلاحي للتخريج عند المحدثين، وهو المراد عند الإطلاق: «معرفة حال الراوي والمروي، ومخرجه، وحكمه صحةً وضعفًا بمجموع طرقه».
النقاط الرئيسية
- يتكون كتاب «التأصيل» من مقدمات، ثم كتاب أول في التخريج، ثم كتاب ثانٍ في أصوله وقواعد الجرح والتعديل، وهذا الثاني هو المقصود الأعظم من الكتاب.
- البسط في التأليف غايته الإيضاح والتيسير والنصيحة للقارئ، ومن استطاله فهو بعيد عن الإتقان كما قرر الإمام النووي.
- من تواضع العلماء أن يدعوا غيرهم إلى تحقيق النظر في كتبهم، فلا أحد يحيط بكل ما أُلّف.
- مسائل الاجتهاد لا يُبدَّع فيها المخالف، أما ما ورد فيه نص واضح فلا اجتهاد فيه.
- التخريج لغةً من «خرج» بمعنى النفاذ والظهور والانفصال، ويقع في الأعيان والمعاني، ومصدر «خرّج» هو «التخريج» على وزن التفعيل.
- التخريج عند المحدثين جمعٌ وانتقاءٌ وإظهار، وليس مجرد عزو الحديث، ويقع التخريج كذلك في الفقه بإلحاق الفروع بأصولها.
- التعريف الاصطلاحي للتخريج: معرفة حال الراوي والمروي، ومخرجه، وحكمه صحةً وضعفًا بمجموع طرقه.
الفوائد والعبر
- الصبر على المطولات: لا يستثقل طالب العلم الشروح المبسوطة، بل يفرح بما فيها من فوائد وتحريرات، ولا يلتفت إلى أهل البطالة والملالة.
- التواضع العلمي: مهما بلغ بحث الطالب فهو اجتهاد وفضل من الله، فلا يظن أنه أحاط بالعلم، وليقبل الاستدراك والتصويب.
- الإنصاف في الخلاف: يفرّق الطالب بين القطعيات والاجتهاديات، فلا يُبدِّع أو يُضلِّل في مسائل يسوغ فيها الاجتهاد.
- ربط العلم بالوحيين: يؤصّل الطالب مسائله من الكتاب والسنة على منهج الشيخ بكر أبو زيد، ويربي إخوانه على ذلك.
- فهم أوسع للتخريج: يدرك الطالب أن جمع أحاديث باب ما وانتقاءها والحكم عليها صحةً وضعفًا عملٌ علمي أصيل، ويعرف مكانة الأئمة الذين انتقوا لنا السنة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات